قراءات في المشهد السياسي الراهن (1)

فرهاد علاء الدين

27 تشرين الاول 2018

الجانب الايجابي من انتخاب الحكومة الجديدة:
بعد جلسة عاصفة امتدت حتى ساعة متأخرة من الليل لم يشهد مجلس النواب مثيلا لها من قبل، تنفس المشهد السياسي الصعداء بانتخاب حكومة جديدة ولدت بعد مخاض شابته الكثير من الالتباسات والتكهنات والتوقعات، لا لشيء إلا لأن هذه الكابينة تختلف عن سابقاتها من حيث المقدمات مرورًا بالمنعطفات والمتغيرات وانتهاء بالنهايات برغم انها لم تختتم بعد.
ولكن يكفي أن صدحت أصوات ١٤ وزيرًا مرددة اليمين الدستورية، ليدشنوا عهد الحكومة السادسة منذ عام ٢٠٠٣، بانتظار اكتمال التشكيلة بالتوصيت على الحقائب الثمانية المؤجلة إلى جلسة البرلمان المقررة في السادس من تشرين ثان القادم.
نقول دشنت عهدًا جديدًا لأنها أزاحت حزب الدعوة عن السلطة لأربع دورات على التوالي، ابتداء بحكومة ابراهيم الجعفري ٢٠٠٥ تليها حكومة نوري المالكي الاولى في ٢٠٠٦ والثانية في ٢٠١٠ وأخيرًا حكومة حيدر العبادي في ٢٠١٤.
الملاحظ هنا أنه برغم الانتقادات الموجهة لاختيار بعض المرشحين و للعملية الديموقراطية برمتها، هناك جوانب إيجابية كثيرة رافقت ولادة الحكومة الجديدة ، نذكر منها :
– حرص أقطاب العملية السياسية بسلطاتها القائمة وأحزابها وقواها وقادتها على احترام التوقيتات الدستورية لكل مراحل الانتهاء من دورة الحكم السابقة واطلاق الدورة الجديدة برئاساتها الثلاث؛ البرلمان والجمهورية والحكومة.
– التسليم عن قناعة وموقف حقيقي من قبل جميع الساسة بالتداول السلمي للسلطة، بدءًا بما شهده العالم من مراسم مهيبة لتسليم وتسلم مهام رئاسة الجمهورية من فؤاد معصوم إلى برهم صالح، تلتها وعلى ذات الشاكلة مراسم مماثلة من حيدر العبادي إلى عادل عبد المهدي، تلتها مشاهد تسنم الوزراء الجدد حقائبهم الوزارية من أقرانهم المنتهية ولايتهم.
– إن انتخاب الحكومة الجديدة تأكيد حقيقي على أن العملية الديموقراطية تسير بمسارها الصحيح، كونها جاءت على خلفية انتخابات واعلان لنتائج – برغم ماشابها من طعون وتشكيك واتهامات – واختيار مجلس نواب جديد وانتخابه لرئيس جمهورية جديد قام على الفور بتكليف مرشح الكتلة الاكبر ومن ثم قيام الأخير بتشكيل حكومة جديدة ونيلها ثقة البرلمان.
– تلقى رئيس مجلس الوزراء برقيات الدعم وبيانات التهاني من القوى السياسية الداخلية ودول الجوار والمجتمع الدولي حيث هناك ارتياح كبير حول انتخاب عادل عبدالمهدي رئيسًا لمجلس الوزراء.
– تقديم الحكومة لبرنامج طموح استهدف تصحيح إدارة الدولة على المستوى الخدمي والأمني والديبلوماسي والسياسي، والمتضمن رؤيا واضحة لما هو مطلوب على نحو دقيق، فضلاً عن امتلاك رئيس الحكومة الجديدة دراية كاملة بمتطلبات الحقبة الجديدة والمهام الملقاة على عاتقه.

الكورد والسنة بانتظار الحسم:
خرجت الكتلتان الشيعيتان من تشكيلة الحكومة الجديدة بنوع من الارتياح، لقد تم تمرير أكثر من ثلثي الوزارات المستحقة في التشكيلة الاولى وتم تخصيص أكثر من نصف الكابينة الوزارية لهم بما فيها نائب لرئيس مجلس الوزراء.
تشابه الموقف الكوردي والسني في اختيار الوزراء والوزارات التي حصلوا عليها، تخالفوا فيما بينهم حول آلية توزيع الوزارات، وقد تمكن عبد المهدي هنا من ترضية الطرفين إلى حد كبير، فقد استجاب لطلبات البعض واستبعاد البعض الاخر، حيث مرر مرشحي الحزب الديموقراطي الكوردستاني في حين رفص استيزار مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني في الوقت الراهن على الأقل، وقد يغير قواعد القبول والرفض عند اشغال الوزارات المتبقية.
الخلاف الكوردي عميق لحد اللحظة، ولم يتمكن الديمقراطي والوطني من التوصل لحلول توافقية بشأن اختلافهما بعد، فالديموقراطي يعتقد بان الحقيبة أو الحقيبتين الباقيتين كحصة للكورد هي من حصته حصرا، فيما يعتقد الوطني وكذلك حركة التغيير بأن كلا منهما له أحقية الظفر بتلك الحقيبة أو كلتاهما معا، إلى ذلك تكرر ذات الحال عند السنة عندما وافقوا على أخذ حقائب التجارة والرياضة والصناعة في حين لزموا جانب الصمت ازاء عدم تمرير مرشحيهم لاشغال حقائب الدفاع والتخطيط والتربية.
الكورد و السنة لعبوا دورًا هامشيًا في عملية اختيار الكابينة الحكومية، ولم يكن لديهم ممثلون حقيقيون في فريق رئيس مجلس الوزراء المكلف، ولم يشاركوا في القرارات المصيرية، وإنما كانوا متلقين لهذه القرارات، وهناك قوى سنية وكوردية تعتبر نفسها خارج اللعبة السياسية وليسوا شركاء فيها.
وبرغم استياء الطرفين أي الكورد والسنة، لكنهم مازالوا يأملون الحصول على تلك الوزارات أو ترضيتهم بهذه الوزارة أو تلك تعويضا عما يعتبروه استحقاقهم الانتخابي، وهذا ماسيصعب من مهمة رئيس الحكومة في ترضيتهما.

عبد المهدي والتحديات الراهنة
لاشك أن عبد المهدي يواجه تحديات سياسية كبيرة، أولها إكمال الكابينة الوزارية وماسيرافقها من الخلافات قد تستمر الى أمد غير متوقع، في ظل تمسك مقتدى الصدر بموقفه الرافض لبعض الشخصيات المرشحة لهذه الحقائب الوزارية أو الاعتراض عليها على الأقل، وهذا قد يكون قابلا للتفاوض واقناعه إلى حد ما لكنه غير مضمون تبعا لطبيعة الصدر وتمسكه بمواقفه المعلنة.
في ذات الوقت هناك خلافات كبيرة بين كتل أخرى حول احقيتها بالحصول على حقيبة أو أكثر، لذا فإن الوصول لتوافقات وتفاهمات حيال تلك الخلافات ستكون معقدة بعض الشيء، ومن المرجح هنا الابقاء على اشغال بعض المواقع خاصة المهمة منها بالوكالة ولمدة غير معلومة، والذي يتقاطع مع اصرار بعض الكتل وفي مقدمتها سائرون على ضرورة انهاء العمل بالوكالة لجميع الوزارات والهيئات والمفاصل المهمة في الدولة.
وعلى صعيد متصل فإن من بين احتمالات المواجهة المتوقعة قريبا التكالب على الفوز بالهيئات المستقلة، وإشغال الدرجات الخاصة، وسط سعي واضح للانتهاء من زمن الإدارة بالوكالة، وهذا ما سيعرض رئيس الحكومة إلى مزيد من الضغوطات، لذا فإن على عبد المهدي الاستعانة بالكفاءات والشخصيات التي بحوزته سيرها الذاتية المقدمة اليه عبر البوابة الالكترونية، للتخلص من تلك الضغوطات.
ولابد من الأشارة هنا إلى أن البرنامج الطموح الذي قدمه عبد المهدي لحكومته سيواجه صعوبات جمة، لأنه الزم نفسه بتوقيتات محدودة وقصيرة الامد إزاء مشاكل وأزمات معقدة ومتراكمة مما سيضعه تحت ضغط عامل الزمن وحاجة الشارع الملحة لتنفيذ تلك الالتزامات، مما يستوجب عليه الاستعانة بفريق استشاري من المساعدين الأكفاء للمضي قدمًا في إنجاز الملفات الواردة في برنامجه المعلن وفق التوقيتات الزمنية المحددة التي الزم نفسه وحكومته بها.
ان الترشيق الوزاري والغاء بعض القوانين وتشريع قوانين جديدة و غيرها من سلسلة الاصلاحات التي وعد بها رئيس الوزراء بحاجة الى فريق عمل قدير ومتمكن، والذي لم تظهر بوادر تشكيله ومواصفاته بعد، مما يتوجب عليه الاستعانة بخبراء ومستشارين من الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، إلى جانب القطاع الخاص وبعض الشركات الاستشارية لملء الفراغ الموجود في طاقم المهارات المنتظر تسميته دون إبطاء أو تباطؤ.
من جانب آخر نرى بأن أمام عبد المهدي وكابينته الوزارية، تحد آخر لايقل أهمية عن مجمل التحديات الداخلية والمتمثل بالضغوط الخارجية التي لن تكون بالتأكيد أسهل من الضغوط الداخلية، وفي مقدمتها بطبيعة الحال الإعلان عن بدء تطبيق العقوبات الأميركية على إيران والتغيير الحاصل في معادلة العلاقات الاقليمية والدولية في المنطقة برمتها، وتغيير بعض قواعد التعاطي والتعامل مع الأزمات القائمة والمستجدات الراهنة على حد سواء.
لذلك فإن على الحكومة الجديدة التماهي مع التوازنات الاقليمية والدولية والتعاطي مع المتغيرات الطارئة في المنطقة على وفق مبدأ النأي بالنفس، وتجنب سياسة المحاور من جانب؛ وحتمية الحفاظ على المصالح العليا للبلاد وإيلاء الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية الأهتمام الضامن لاستقرار العراق تمهيدًا للانطلاق به نحو النهوض والتنمية والبناء.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *