اخر ما كتبه الهاشمي .. (البيت السُنّي) في عام 2020

هشام الهاشمي
الأربعاء 8 تموز 2020
هذه المقالة، غير المنشورة، هي الأولى، والوحيدة، في سلسلة مقالات أراد الكاتب، قبل اغتياله، أن يقارب فيها عبر «الأخبار»، «البيوتات» السياسية العراقية وتحدياتها في العام 2020
الخلفيّة
بعد سقوط العاصمة بغداد، في نيسان/ أبريل 2003، شاركت الأحزاب السياسية «السُنّية»، الإسلامية والقومية والليبرالية، للمرّة الأولى، في العمليّة السياسية. طوّرت تنظيماتها وبرامجها السياسية على أسس غربية منتفعة من مراكز الأبحاث الغربية، رغم التناقض بين المطالب الجماهيرية السياسية لهذه الأحزاب والحركات والتجمعات، والتوجهات السياسية لنظام الحكم العراقي في مراحل «ما بعد 2005». وقد عمدت الأحزاب «الشيعية» المسيطرة إلى استغلال نفوذها في الحكم، وملاحقة قيادات مركزية «سنية» إسلامية وليبرالية، باستخدام بعض القوانين الخاصة بـ«الإرهاب والنزاهة» (2006 – 2013)، التي تحظر تأسيس أحزاب أو حتى ممارسة العمل السياسي بحرية، وبشكل علني، وتحدّ من نشاطها، كما حدث مع عدنان الدليمي ومحمد الدايني ورافع العيساوي وجمال الكربولي وظافر العاني وخميس الخنجر وعمر الكربولي وأثيل النجيفي وأحمد عبد الله الجبوري وسليم الجبوري وحمدي حسون…
واجهت القيادات «السنية» مشكلة غياب الرمز أو مرجعيّة بإمكانها مسك خيوط «وحدتها» عند الاختلاف/ الصراع، بسبب فتن الداخل والتحديات الخارجية والداخلية التي واجهت النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، والتي دفعت مناطق ومحافظات «العرب السنّة» إلى دعم الحراك السياسي لتلك الأحزاب بطريقة متشائمة وغاضبة، مع رفض غير جازم لمشاريع الإقليم أو المقاطعة الكاملة للعملية السياسية. حصل معظم الأحزاب «السنية» السياسية على دعم خليجي وإقليمي ودولي، مادي ومعنوي وسياسي، وقد مكّنها من المناورة مع شركاء أكثر تنظيماً ولديهم ضابط إيقاع. أصبح لديها شراكة بنسبة 28 إلى 30 في المئة من المحاصصة الحكومية والبرلمانية. قسمةٌ رضي بها «سنّة مجلس الحكم» بعد عام 2003، وأصبحت لعنة متلازمة مع وجودهم في النظام السياسي، وهذا ما عزّز من نقدهم والغضب على النظام السياسي الحاكم في مراحل عديدة، كان أبرزها نهاية عام 2012، مع تراجع مزاجهم في التعايش والتشارك مع الأحزاب السياسية «الشيعية» في ذروة «الربيع العربي».
بعد عام 2003، احتاج النظام العراقي إلى الاستقرار والدعم الاقتصادي والعسكري والمعنوي والسياسي، لمواجهة تحديات التحوّل من الديكتاتورية إلى الديموقراطية، إضافة إلى التحديات الإقليمية المتمثلة في الجوار العراقي، خصوصاً إيران وسوريا والخليج، ومواجهة التحديات الداخلية المتمثلة في العمليات المسلحة ضد الاحتلال الأميركي، والدخول في صدام مع طيف واسع من الشارع العراقي المتعاطف معهم. لذلك تغاضى الاحتلال عن نشاط الأحزاب «الشيعية» والكردية، مقابل تشدده تجاه الأحزاب «السُنّية» بشكل عام، والأحزاب اليسارية والسياسية التي تساند المقاومة بشكل خاص، في محاولة منه لتجنّب مخاطر هذه التحديات.
عمل نظام «البعث»، منذ عهد الرئيس أحمد حسن البكر، على أن لا يجعل لـ«سنّة» العراق مرجعية شرعية
جاء التحول إلى الديموقراطية والمشاركة السياسية محاولة من الاحتلال والنظام السياسي من أجل إشراك الأحزاب «السنية» و«الشيعية» والكردية والثقافات الأخرى والقومية وغيرها في اتخاذ القرار وتداول السلطة بطريقة سلمية، لكن بشرط أن تشارك النظام السياسي الجديد في محاولاته مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتجنب مخاطر تهديدها للنظام، وتهدئة الشارع السياسي «السنّي» و«الشيعي» المقاوم. كما هي الحال بعد أحداث عام 2005 وأحداث عام 2008، وحتى مرحلة اعتصامات المحافظات السنية 2012 – 2013. لم يكن التحول إلى التعددية السياسية خياراً سياسياً، لا لنظام الحكم ولا للأحزاب السياسية القومية والليبرالية والإسلامية، فنظام الحكم الذي تسيطر عليه الأغلبية السياسية «الشيعية» حاول من خلال القوانين والأنظمة والتشريعات تقييد النشاط السياسي والحزبي للأحزاب «السنية» والكردية والأقليات، ولم يعط الحق لهذه الأحزاب في ممارسة تداول السلطة من خلال الانتخابات التشريعية، فقد تمسك بعرف سياسي لا قانون له؛ أن تكون رئاسة السلطة التنفيذية بيد الأحزاب «الشيعية» حصراً. كما أنها لم تكن خياراً سياسياً للأحزاب «السنية» والليبرالية من خلال ارتباطها القومي والمادي والمعنوي لجهات إقليمية وخارجية لا تؤمن بسيطرة الأحزاب «الشيعية» المنسجمة مع إيران والمشاركة السياسية، رغم أن الأحزاب «الشيعية» تنص في أنظمتها الداخلية على الديموقراطية وتداول السلطة، فإنها لم تأخذ بالديموقراطية في ممارساتها العملية داخل أجهزتها، وظهر ذلك واضحاً في انتخابات 2010 حينما أخذت رئاسة الوزراء من التحالف «السنّي» بقرار قضائي وأعطيت إلى التحالف «الشيعي»، ولم تأخذ بتداول السلطة أو المشاركة السياسية منذ نشأتها رغم مناداتها ومطالبها من النظام السياسي بتداول السلطة والديموقراطية.
أطراف «البيت السُنّي»
كانت المشاركة السياسية والحزبية عام 2010 ضحية عدم الثقة والاختلاف بين نظام الحكم وأحزاب السنّة، فالأحزاب هذه تظهر العداء والتهديد لنظام الحكم، ويبادلهم نظام الحكم هذه السياسة، ففي دفاع كل طرف عن شرعيته واستمراره كانت هناك محاولات عام 2011 لحل الحكومة، لكن المحاولة فشلت.
لم تستطع الأحزاب «السنية» في انتخابات 2018، رغم مساندة النظام السياسي لدورها، صناعة تحالف موحّد، فقد انقسموا إلى «عروبي سنّي» و«ليبرالي سنّي»، وفقدوا التأثير في التحول للمشاركة السياسية الديموقراطية في نشاطها العلني والسرّي مع الحشد العشائري والمناطقي الصاعد شعبياً بعد تحرير مدنهم من «داعش»، ولذلك استحوذ «التشيّع السياسي» على مدنهم انتخابياً، وحتى على مستوى المناصب التنفيذية العليا في المحافظات.
إضافة إلى ما تقدم، هناك عدد من التحديات السياسية، والمالية والقانونية والذاتية، التي تواجه الأحزاب السياسية «السنية» بشكل عام، والتحالفات السياسية «السنية» الداعية إلى صناعة رمز أو مرجعية «سنية» بشكل خاص.
على الأحزاب «السنية»، الليبرالية والقومية والإسلامية، التي كانت وما زالت تنتقد نظام الحكم الذي تسيطر عليه الأحزاب «الشيعية» الإسلامية، وتحاول إقامة نظام سياسي بديل، تسخير برامجها وأيديولوجيتها للمساهمة في حكم الدولة العراقية ومؤسساتها، ليطمئن النظام إلى أهداف هذه الأحزاب، ويسيروا معاً باتجاه المشاركة السياسية وتداول السلطة.
المطلوب من الحكومات العراقية في عام 2020 تطوير وتحديث الأطر التشريعية، والقوانين الناظمة لنشاط الأحزاب السياسية التي حدّت من نشاطها، وأثرت في قدراتها وبنائها التنظيمي، خاصة في مرحلة احتجاجات تشرين الأوّل/أكتوبر 2019، من أجل مشاركتها في التنمية السياسية، وتدعيم الديموقراطية والمشاركة السياسية وتعزيز الثقة بين الأحزاب والدولة، لأن العلاقة كانت وما زالت بين الأحزاب والحكومات علاقة تنقصها الثقة، فكل طرف يلقي باللوم على الطرف الآخر، فالحكومات تتهم الأحزاب بقصور برامجها وضعفها، وعدم تمكنها من إقناع الشعب بالانتساب إليها، في حين تتهم الأحزاب الحكومات بإعاقة الديموقراطية والمشاركة السياسية؛ نتيجة إجراءاتها وقوانينها المعطلة للأحزاب. لذلك، يجب على كل طرف التنازل عن مواقفه لتقريب وجهات النظر، وإعادة الثقة بينهما، للمساهمة في إيجاد ديموقراطية وتشاركية سياسية حقيقية لتطوير الحياة الديموقراطية.
تتطلب المرحلة الحالية والقادمة توحيد الأحزاب السنية بمشاربها كافة داخل تحالف بمجلس قيادي له تنظيمه السياسي وخطابه الواضح، وهذا ممكن عندما يتوافق كل من الحلبوسي والخنجر والنجيفي على رؤية موحدة تمكّن «المكوّن السنّي» من الثقة بهم ومساندتهم انتخابياً وسياسياً تحت مسمّى «التيار الوطني السنّي»، لتستطيع منافسة التيارات الأخرى وتشكل قاعدة جديدة جماهيرية ديموقراطية، وتنافس في المشاركة السياسية، وصولاً إلى تداول السلطة.
المرجعية الفقهية السنية
لقد عمل نظام «البعث»، منذ عهد الرئيس أحمد حسن البكر، على أن لا يجعل لسنّة العراق مرجعية شرعية، بل المفتي أصبح في عالم النسيان، والشعور السنّي به في مكان آخر. المفتي في زمان «البعث» صوفي، وينبغي أن يكون قريباً من علاقات وتزكية القيادي في حزب «البعث» عزة الدوري، أمثال الشيخ عبد الرزاق السعدي والشيخ رافع الرفاعي، والواحد من هؤلاء محاط …

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *