الإجتماعات المفصلية والمسؤولية الوطنية في مواجهة التحديات

فرهاد علاءالدين
٢٢ أيلول ٢٠٢٠
مر الإجتماع الموسع الأخير للرئاسات العراقية وقادة الكتل السياسية مرور الكرام على الرغم من أهمية محاوره التي كانت موضع بحث ومناقشة، وماأنطوت عليه من إنعكاس حقيقي لتحديات داخلية وخارجية. ففي يوم ٢١ من أيلول الجاري وبدعوة من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شهد القصر الحكومي إجتماعا لافتا ضم رؤساء الجمهورية برهم صالح ومجلس النواب محمد الحلبوسي ومجلس القضاء الأعلى فائق زيدان الى جانب قادة وزعماء الكتل السياسية الحاكمة، بغياب زعيمي دولة القانون نوري المالكي وكتلة الفتح هادي العامري، من دون أن تسلط عليه الأضواء الكافية، فقد انتهى الإجتماع طبقا لبيان المكتب الإعلامي لرئاسة مجلس الوزراء الى مناقشة ” آخر التطورات الأمنية والسياسية على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، وكذلك الموازنة الاتحادية، فيما ركز الاجتماع على أهمية إجراء الانتخابات النيابية المبكّرة المقبلة وضمان أن تكون حرة ونزيهة تراعي المعايير الدولية” بالإضافة الى ” ضرورة إسراع مجلس النواب بالتصويت على قانون الانتخابات الجديد بصيغته النهائية” كما “استنكر المجتمعون بشدة ودانوا كافة الاعتداءات على المنشآت العراقية والأجنبية التي شهدتها البلاد مؤخرا”.
لغة البيانات الرسمية لا تتناول التفاصيل وتدور عادة في فلك العموميات مهما اكتسب الإجتماع من أهمية، لذلك علينا هنا البحث في مدخلات ومخرجات هذا الإجتماع من خلال مايلي :

الانتخابات
بالرغم من أن المجتمعين يمثلون اكثر من ٢٦٠ مقعد برلماني، الا أنهم وبحسب البيان يخاطبون الفاعل الغائب الذي ساهم في تأخير إقرار قانون الانتخابات، المتوقف تشريعه برلمانيا على تحديد الدوائر الانتخابية فقط ! والذي مازال يشهد جدلا سياسيا واسعا بين مختلف الأطراف. ولحسن الحظ هنا فأن الفرج قادم، حيث أجتمعت القوى الشيعية بدون إستثناء ليومين متتالين في مقر زعيم كتلة الفتح هادي العامري، بمشاركة خبراء مختصين في شؤون الانتخابات، وناقشت كيفية تحديد الدوائر الانتخابية بحثا عن المعادلة الأنسب لها، وتباينت الآراء بين الدائرة الواحدة التي كان تطالب بها دولة القانون الى الدوائر المتعددة التي يطالب بها تحالف سائرون، وبالنتيجة مضى التوجه نحو تعدد الدوائر بأحجام متوسطة حسب المحافظة مع الأخذ بعين الاعتبار الكوتا النسائية، وبدا أن الحل الأمثل يتركز على دائرة لا تقل عن ٣ مقاعد ولا تتجاوز ٥ مقاعد، أو دوائر باحجام بين ٥ – ٧ مقاعد. ولا يوجد اتفاق نهائي بهذا الشأن حتى اللحظة، وقد تشهد جلسة البرلمان التي دعا اليها رئيس المجلس يوم ٢٧ أيلول موقفا حاسما بعد الأتفاق المتوقع بين الكتل الشيعية في غضون اليومين القادمين.
وعلى صعيد متصل يبدو أن عقدة المحكمة الاتحادية لازالت قائمة، حيث ناشد الجتمعون بالقصر الحكومي الفاعل الغائب ثانية ب ” ضرورة الاسراع في تشريع قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية” بالرغم من حضور المعنيين بهذا الموضوع لهذا الاجتماع”.
اما بخصوص توقيت الانتخابات، فأنه لا يوجد اتفاق لحد الان، وكل مايطرح عن الانتخابات المبكرة لا يتعدى عن كونه مجرد شعارات لكسب ود الشارع المنتفض والمطالب بإجراء مبكر للإنتخابات الموعودة، فمع إكمال تشريع قانون الإنتخابات المؤجل تبقى المفوضية العليا المستقلة تعاني من عدم توفر التخصيصات المالية. وفيما أكد الإجتماع “على لزوم اعتماد البطاقة البايومترية حصرا للتصويت في الانتخابات المقبلة”، فأن هذا يعني تحديث بيانات ١٠ مليون ناخب وإصدار بطاقاتهم البايومترية، ويرى الخبراء ان هذا الاجراء شبه مستحيل في غضون بضعة أشهر، لأن العملية بحاجة الى ما لا يقل عن ١٢ – ١٨ شهرا.

غياب القوى الجديدة
أن الإجتماعات التي تعقد سواء كانت إجتماعات حكومية أو سياسية تتميز بحضور القوى السياسية التقليدية التي لها تمثيل في البرلمان دون غيرها، مع غياب مجموعتين مهمتين، اولهما ما يسمى بقيادات الخط الثاني للشيعة وهي شخصيات مستقلة معروفة والبعض منها موجود في البرلمان، أما المجموعة الثانية فهي القوى الجديدة المنبثقة من رحم التظاهرات.
المعلومات الأولية تفيد بأن أكثر من ١٥ حزبا تم تشكيلها بشكل رسمي، وبحسب مصادر مطلعة فأن مفاوضات جدية تجري على الآن لتأسيس واجهات سياسية جديدة، من بينها أحزاب مقربة من القرارين السياسي والحكومي، بما في ذلك المقربين من رئيس مجلس الوزراء ولكن دون وجوده شخصيا ضمن أي حزب.

ال︎تقاطع بين التحالفات
تعيش الأحزاب وسط تجاذبات سياسية، لذلك نرى خطوط وجبهات واضحة المعالم، فالتقسيمات السياسية باتت تتضح عبر خطها البياني الشفاف. هناك محاولات جدية حول تشكيل تحالفات كبيرة عابرة للطائفية والقومية لدخول الانتخابات على مستوى العراق، حيث لا توجد أحزاب لديها جمهور على مستوى البلد وتبقى هذه الأحزاب محدودة في النطاق الجغرافي والجماهيري، حيث ان الأحزاب الشيعية تعمل ضمن نطاق المحافظات الشيعية والمختلطة مثل بغداد و ديالى وصلاح الدين والموصل، بينما ينافسهم الكورد في محافظات الإقليم الثلاثة بالإضافة الى كركوك ونينوى وديالى، اما السنة، فأنهم ينافسون الشيعة والكورد في المحافظات السنية الثلاث بشكل عام بالإضافة الى بغداد وديالى وبابل.
ستكون التحالفات العابرة للطائفية فكرة ممتازة ومتاحة في هذه الانتخابات كون النظام الانتخابي تغير وإمكانية الأحزاب الصغيرة على التنافس أصبحت اقل، حيث يجب ان يركز أي حزب على مناطق نفوذ محدودة وهذا يعني انه لا يستطيع ان يستقطب ناخبين بما يكفي لعبور عتبة الفوز، والأفضل له ان ينضم لتحالفات اكبر مبكرا وان يعمل مع الأحزاب المنضوية في هذه التحالفات لتحديد مناطق الانتخاب ومرشحيهم. كما ان القائمة الأكبر في البرلمان بعد الانتخابات القادمة هي التي تشكلت قبل الانتخابات وليس بعدها وهذا دافع جديد اخر لتشكيل القوائم الكبيرة العابرة للطائفية والقومية.
التحالفات الكبيرة ستشكل على أساس الفكر المشترك والمتقارب ولعل المنافسة ستكون بين تيارين او اتجاهين، الأول يمثل التيار الليبرالي او المعتدل والمعروف بانفتاحه على التيار المدني بشكل مؤكد، ومؤيد للتفاهم مع المجتمع الدولي بشكل مباشر ولا يعارض تواجد القوى الأجنبية على الأراضي العراقية لمحاربة داعش بشرط الاتفاق مع الحكومة. والقوى السياسية التي ترى نفسها في هذه الجبهة هي ( عراقيون – كتلة النصر ) والقوى السياسية الجديدة والمعتدلة من القيادات الشيعية، الكتل الكوردية بشكل عام مع التحفظ من قبل البعض، الكتل السنية بشكل عام ولكن بدون الإعلان عن أي انتماء في الوقت الحالي.
أما التيار الثاني والمعروف بالتيار المحافظ او المتشدد الذي يؤيد بقاء الحكم بيد الأحزاب الإسلامية سيسعى الى الأبقاء على انغلاقه بوجه المجتمع الدولي عبر أصراره بالمطالبة بخروج القوات الأجنبية من العراق تماشيا مع السياسة الإيرانية المطالبة بإبعاد القوات الامريكية من الأراضي العراقية بأي شكل من الأشكال. ويتمثل هذا التيار بدولة القانون، كتلة الفتح التي تنضوي تحت رايتها العصائب وبدر وسند، بالإضافة الى المجموعات الصغيرة وبعض الشخصيات، وقد يستقطب هذا التيار بعض الشخصيات السنية ولكن من الصعب ان يستقطب القوى الكوردية قبل الانتخابات وهذا لا يمنع التحالف معه بعد الانتخابات كما حصل عام ٢٠١٨.
وهناك تيار ثالث يقف بالمنتصف، وقد يحاول جذب الكتل الصغيرة والمتوسطة ولكنه غير مستعد على مايبدو الىالانجرار نحو تشكيل التحالفات العابرة الكبيرة، والمتمثل بكتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر، والتي تسعى الى ان تكون الكتلة الأكبر وبيضة القبان بين الليبراليين والمحافظين، والذي سيمكنها من تحديد وتسمية رئيس مجلس الوزراء القادم وبالتالي التحكم مستقبلا بالمشهد السياسي.

المسؤولية الوطنية
اللافت في بيان اجتماع القصر الحكومي هو أن المجتمعين (وهم زعماء وقادة البلد من كل المكونات) يناشدون ويتمنون ويستنكرون وكأن الأمور ليست بأيديهم، وهم ليسو بأصحاب القرار، بالرغم من هيمنتهم على اكثر من ٢٦٠ مقعد برلماني. ويرى مراقبون ان القيادات السياسية بدت وكأنها لاتريد ان تتحمل مسؤوليتها الوطنية في مواجهة التحديات القائمة، كونها غير جادة في تصحيح المسار السياسي والاقتصادي والأمني بدليل ماجاء في البيان “استنكر المجتمعون بشدة ودانوا كافة الاعتداءات على المنشآت العراقية والأجنبية التي شهدتها البلاد مؤخرا، بما فيها إطلاق صواريخ استهدفت مرافق دبلوماسية رسمية ومنازل مواطنين أبرياء. معتبرين أن هذه الاعتداءات مهما كان مصدرها تمثل اعتداءات أثمة على السيادة الوطنية ومصالح الشعب العراقي”.
اذا كان اهل الحل والعقد وفي مثل هذه الإجتماعات المفصلية يستنكرون هكذا اعمال، فما بال المواطن والمراقب؟ في حين أن عليهم أن يعملوا على عدم تكرار ماوصفه البيان من ” اعتداءات آثمة على السيادة الوطنية ومصالح الشعب العراقي” وان يعملوا بجد اكبر على إقرار قانون الانتخابات واكمال تعديل قانون المحكمة الاتحادية المعطل والضروري لإستمرار المسيرة الديموقراطية، لأن نتائج الانتخابات لن تتم المصادقة عليها دون وجود هذه المحكمة، الى جانب كونها المؤسسة الوحيدة القادرة على منع الخروقات الدستورية والتي نشهدها بين حين وآخر.
لقد بات الجميع يدرك بأن العراق بات يغلي على صفيح ساخن، وقد ينفجر الوضع الداخلي بالتزامن مع تدهور الوضع الإقليمي، وفي ظل أزمة مالية خانقة، وعجز مالي حقيقي يصل الى ٤ تريليون دينار شهريا، وليس هناك من سبيل حقيقي لزيادة الإيرادات، بإنتظار إقرار قانون الموازنة والاقتراض من البنك المركزي، مما يشكل تحديا خطيرا لقيمة الدينار العراقي، وأحتمال أضطرار البنك لتعويم الدينار، والذي سيؤثر على معيشة الأفرادوسط نقص متنامي في البطالة وتلكوء الحكومة في صرف الرواتب، حيث ان الأموال التي في جيبهم ستكون اقل قيمة من ذي قبل بنسبة لاتقل عن ٢٥ الى ٣٠ بالمائة، مع غلاء الأسعار وأرتفاع قيمةالسلع في الأسواق.
أن الحكومة ومعها القيادات السياسية أمام أمتحان هو الأصعب، والذي لاتنفع معه لغة الشعارات والتسويف، لذا فان الهروب الى الامام لم يعد مجديا ولا يمكن معالجة الازمات بخلق أزمات أكبر، وأن على الجميع أن يضع مصلحة العراق فوق كل المصالح الذاتية والحزبية، والعمل معا لتصحيح المسار. أن أولى هذه الحلول هو إقرار قانون الانتخابات بشكل حقيقي ومعالجة كل الثغرات، وتعديل قانون المحكمة الاتحادية وإعلان ورقة الإصلاح السياسي والأقتصادي والأمني التي وعدت بها الحكومة والمضي بتنفيذ بنودها بما يحقق الأستقرار المنشود وتأمين البيئة المناسبة لإجراء إنتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *