الإطار يسد الباب على التيار والديمقراطي ينافس الاتحاد

فرهاد علاءالدين
29 كانون الثاني 2022
اصدرت المحكمة الاتحادية قرارا يقضي بدستورية انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب وانتخاب هيئة الرئاسة، وبذلك انهت ملفا خلافيا كاد أن يزيد من تأزم المشهد السياسي، لتمهد الطريق امام الاجراءات الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم تكليف مرشح الكتلة الأكثر عددا بتشكيل الحكومة.
الى ذلك اعلنت رئاسة مجلس النواب في بيان صدر يوم امس بان يوم 7 شباط هو الموعد المحدد لانتخاب رئيس الجمهورية، ليبدأ ماراثون المفاوضات السياسية للظفر بأحد الموقعين واقصد هنا رئاسة الجمهورية للكورد ورئاسة الوزراء للشيعة، وبتزامن مع وصول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الى بغداد في يوم 26 من الشهر الحالي في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها. الا ان الماراثون تعثر ولو مؤقتا وتحول الى مواقف متشنجة وتخندقات بين الجبهات المتنافسة.
الصدر يفصح والإطار يرفض
نشر الصدر خطابا متلفزا في 25 كانون الثاني، سرد فيه حيثيات مواقفه من الكتلة الأكبر وتشكيل حكومة الأغلبية الوطنية وبعض خفايا المشهد السياسي بقوله “قل المدافعون عنا” وانه يسير على خطا ابيه حيث كان يلجأ الى الخطاب المتلفز للدفاع عن نفسه ولإيضاح آرائه و مواقفه. كاشفاً عما جرى في بعض اللقاءات قبل وبعد الانتخابات المبكرة مع الأطراف الشيعية الأخرى، مدافعاً عن إصراره على تشكيل حكومة الأغلبية ودعوته للاطراف المنافسة القبول بمبدأ اللعبة الديمقراطية وقواعدها والتوجه نحو المعارضة.
واكد، “كنا ومازلنا نصر على حكومة الأغلبية الوطنية” معولاً على مشاركة بعض الأطراف داخل الإطار وليس كلهم، مضيفاً: “جاء الأخ العامري بمفرده في 15 كانون الثاني وجلسنا واتفقنا على ان يأتي البعض من الإطار، ووافق الحجي العامري على ذلك، بدون المالكي، وفيما بعد انتظرنا لبضعة أيام، وبعدها رد لي الخبر بأنه لا، نحن تراجعنا عن قولنا بالاتفاق”.
قوى الإطار التنسيقي من جانبها تمسكت بموقفها الرافض لفكرة حكومة الأغلبية الوطنية من دون مشاركة الآخرين، مؤكدة بقاء الإطار موحدا بكل قواه والتي لاتريد ذهاب بعضها دون غيرها لتشكيل الحكومة، وهذا ماشدد عليه بيانها الصادر في 25 كانون الثاني “ان استمرار النهج الاقصائي يعني دفع الكيانات التي حصلت على اكثرية اصوات المواطنين في الانتخابات الاخيرة مجتمعة الى الذهاب الى المعارضة او المقاطعة” ويرى الإطار بان اقصاء جزء منه هو على حساب المكون الشيعي واصفا ذلك “هذا مدعاة عدم عدالة وظلم يؤدي بالتالي الى مزيد من عدم الاستقرار”.
وكان الصدر قد اعرب في كلمته المتلفزة عن أمله بان يغير الإطار ورئيس تحالف الفتح هادي العامري موقفه هذا. وافاد مصدر مطلع بان الصدر جاء الى بغداد لإجراء حوارات مع قوى سياسية وبالذات مع قيادات محددة داخل الإطار دون سواها بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، الا انه اصطدم بعدم تجاوب الإطار وبالتالي فشل محاولة ترتيب اي لقاء بهذا الشأن، فاكتفى بزيارة دينية للروضة الكاظمية ليعود بعدها مباشرة الى النجف الاشرف.
سباق رئاسة الجمهورية
بالتزامن مع بلوغ القوى الشيعية الرئيسة الانسداد الواضح، تصاعدت حدة الخلاف بين الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة بافل طالباني والحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود البارزاني حول موقع رئيس الجمهورية، بعد فشل المساعي الرامية للتوفيق بين الطرفين بما يفضي الى اختيار مرشح توافقي، فالاتحاد الوطني يعتبر المنصب استحقاقا بحسب العرف السياسي السائد منذ عام 2006 وكونه الشريك الاكبر داخل الاقليم وحفاظا على توازن القوة، في حين يعتقد الديمقراطي ان اغلبيته العددية وتحالفه مع التيار الصدري وتحالف السيادة السني المؤلف من عزم وتقدم كفيلان بالفوز بالمنصب، في ستراتيجية واضحة لتسيد الحضور الكوردي في الساحتين العراقية والكوردستانية.
من الجلي ان المنافسة على كرسي الرئاسة ستكون على اشدها مع اقتراب موعد اختيار وتسمية رئيس الجمهورية القادم في السابع من شباط، الطرفان لديهما من المقومات ما يعزز من قناعتهما بالفوز. يرى بعض المراقبين ان التحالف الثلاثي يمنح الديمقراطي ارضا صلبة وحظوظا اوفر، خاصة ان رئاسة مجلس النواب في قبضتهم واذا تمكن من استقطاب اصوات بعض النواب من الكتل الاخرى وخصوصا من المستقلين فان النجاح حليفهم. فيما يرى البعض الاخر من المراقبين بان الجو السياسي في بغداد هو بصالح الاتحاد الوطني إزاء منصب رئيس الجمهورية، وان اكثرية القوى السياسية تعتبر فوز الاتحاد بالمنصب هو بمثابة اعادة التوازن في المعادلة السياسية ولهذا السبب فان هذه القوى ستصوت لصالح مرشح الاتحاد الوطني، بما يعني ان الكفة ستكون متساوية بين الاتحاد والديمقراطي وإن السباق سيبقى مفتوحا امام الطرفين لكنه حتى اللحظة ليس مضمونا لاي منهما.
عودة المحكمة الاتحادية الى الواجهة
سباق رئاسة الجمهورية ايضا من شأنه أن يعقد المشهد السياسي وقد يساهم في عودة المحكمة الاتحادية الى الواجهة من جديد. فهنالك جدل عميق بين فقهاء القانون حول تفسير المادة 70 من الدستور والمتعلقة بآلية انتخاب رئيس الجمهورية، والتي تنص على (اولاً: ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية باغلبية ثلثي عدد اعضائه. ثانياً: اذا لم يحصل اي من المرشحين على الاغلبية المطلوبة يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على اعلى الاصوات ويعلن رئيساً من يحصل على اكثرية الاصوات في الاقتراع الثاني).
يقول الخبير القانوني جمال الأسدي ان “مبدأ النصاب الذي به تكون آلية انتخاب رئيس الجمهورية قائمة وهي ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب أي 220 نائباً، وهذا النص مقيد في محلين بالدستور في انتخاب رئيس الجمهورية وفي قانون المحكمة الاتحادية، وسببها الرئيسي هو جعل هذين الموضوعين فيه اغلبية واضحة وواسعة وتشمل كل مكونات الشعب العراقي، مع ملاحظة ان آلية النصاب لاتعني بالضرورة نصاب الجلسة المنصوص عليه في المادة 59 من الدستور فنصاب الجلسة شيء ونصاب انتخاب رئيس الجمهورية او المحكمة الاتحادية شيء اخر” والذي يعني عدم حضور ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب يجعل التصويت على رئيس الجمهورية مخالفا للنص الدستوري، مقابل هذا الرأي يعتقد فريق آخر من فقهاء القانون، والرأي هنا بان النصاب لأي جلسة في مجلس النواب هو النصف زائد واحد كما جاء في المادة 59 من الدستور، وان المادة ٧70 لا تشترط وجود الثلثين اثناء التصويت، وانما اشترطتها للفوز في الجولة الاولى، فيما اذا لم يحصل اي مرشح على الثلثين في الجولة الاولى، يحسم الامر في الجولة الثانية، من دون الحاجة الى وجود الثلثين اثناء التصويت في كلتا الجولتين.
يرى مراقبون بان رئاسة مجلس النواب قد تذهب للرأي الثاني وتبدأ عملية التصويت بمجرد إكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسة في السابع من شباط وان لم يحضر ثلثي الاعضاء، وفي هذه الحالة سنكون امام طعونات جديدة وتشكيك بعملية التصويت وبالتالي عدم أحقية الفائز برئاسة الجمهورية.
لذا فمن من الافضل تدخل المحكمة الاتحادية قبل انعقاد الجلسة في السابع من شباط لحسم الجدل حول وجوب حضور الثلثين من عدمه قبل بدء التصويت على اختيار رئيس الجمهورية.
تعقد المشهد يعصف بالوضع الأمني
الواضح هنا أن العملية السياسية دخلت نفقا مسدودا هي الأخرى، اذ ان زيارة الصدر الى بغداد وعودته دون عقد اجتماع او لقاء مع قادة الإطار دليل واضح ان كل طرف من الطرفين مازال متمسكا بخياراته ويتجه كل منهما نحو التشدد بدل المرونة. وسط تزايد لافت للخروقات الأمنية بدء من استهداف مضيف رئيس مجلس النواب بصواريخ كاتيوشا في 25 كانون الثاني وتعرض مطار بغداد الدولي لقصف مماثل يوم امس والهجمات على مقرات الاحزاب في التحالف الثلاثي، الى جانب سلسلة من الأحداث الأمنية التي يراها مراقبون بانها عمليات نوعية لارباك وتعقيد المشهد ومحاولة للضغط على قوى سياسية محددة.
هذه الخروقات زادت من الاستنكار وتبادل الاتهامات المبطنة من قبل القيادات السياسية، اذ غرد زعيم التيار الصدري “لا تستهدفوا مصالح الشعب، فالشعب والوطن خط احمر، مستمرون بحكومة اغلبية وطنية مع شركائنا في الوطن”، كما غرد زعيم عصائب اهل الحق قيس الخزعلي “هناك اجندات تريد خلط الأوراق خصوصا في هذا التوقيت الحرج. وهناك قوى وشخصيات سياسية ووسائل إعلامية تريد استغلال هذه الاحداث للتسقيط السياسي، من خلال توجيه الاتهامات بشكل صريح او ضمني لجهات محددة وبدون وجود أي دليل”.
من المتوقع تردي الوضع الأمني في قادم الأيام بسبب فشل القوى الأمنية في رصد تحركات الجماعات المسلحة التي تقف وراء هذه العمليات والحيلولة دون وقوعها، اذ باتت تُنفذ دون أي رادع.
إزاء ذلك نرى ان الانشقاق الحاصل بين الحزبين الكورديين الرئيسيين حول موقع رئاسة الجمهورية وبات يتعمق الخلاف يوما بعد آخر عبر محاولة كل منهما كسب القوى السياسية في بغداد لصالحه، وقد يبلغ هذا الانشقاق مرحلة كسر العظم بين الطرفين، اذ ان كل طرف منهما غير مستعد للخسارة، وليس من المعلوم كيف سيكون تصرف وموقف الطرف الخاسر سواء في بغداد او في اقليم كردستان، بل أن مخاوف كبيرة من ان تصل الفجوة بين الحزبين الى حد المقاطعة وتقسيم الإقليم الى ادارتين.
حتى الآن لايلوح في الافق ما يدل على امكانية حلحلة الامور السياسية بين الكورد من جانب وبين الاطار والتيار من جانب اخر، ولا يوجد طرف محايد يسعى للتهدئة والتوفيق بين المختلفين لضمان الحيلولة دون وقوع تصادم بين الاطراف المتنازعة، وبالتالي عودة الاستقرار للمشهد السياسي المتوتر.
لاشك بأن الأيام القليلة القادمة ستكون اكثر صعوبة من تلك التي مضت، كون القوى السياسية المتصارعة متمسكة بمواقفها المتشددة، وسوف تتصاعد وتيرة الخلاف الشيعي عند اختيار الشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة القادمة ونوعية التشكيلة والجهات المشاركة فيها، وفي ذلك الوقت نقترب من احتمالات التصادم السياسي والذي قد يتطور الى تصادم بين قواعدها الجماهيرية والذي يقود حتما الى استخدام السلاح بينهم، اذ ان كل الاطراف لديها ما يكفي من السلاح والعتاد بل أن بعض مسلحيها يدهم على الزناد.
أن المصلحة العليا للبلد تتطلب من الجميع الركون الى التهدئة والاحتكام الى لغة الحكمة والتأني، واختيار سبيل الحوار والتفاهم بدل محاولة كسر الارادات، وعلى الجميع أن يدرك جيدا صعوبة إن لم نقل إستحالة تغيير المشهد السياسي التوافقي بين ليلة وضحاها، او تخطي العرف السائد منذ نشوء نظام الحكم القائم من دون توافق، وان الخراب الذي قد يحل بالبيت الشيعي او البيت الكوردي او كليهما إنما سيعم العراق برمته.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *