الاختيارات المجتمعية

د. طورهان المفتي
6 حزيران 2020
تنتشر في كل المجتمعات حالات لأناس يحبون الفوضى و أناس فوضويين وأيضا هناك أناس خاضعين للنظم المختلفة و بعيدين عن عن اللا انتظام وهم وبطبيعة الحال يشكلون النسبة العالية من المجتمعات البشرية و الفكرية و عليه تقوم بناء المؤسسات والدول المستقرة، أما الحالتين الأوليتين فمختلفتين تمامًا عن الانتظام وكما ان الفوضى ليست نفسها الفوضوية و الشخصية التي تعيش في الفوضى ليست الشخصية الفوضوية. فالفوضى هي اعلى مرتبة في انهيار الانتظام واختفاء النظام لأي شيء موجود و الفوضوية تعني إنهاء وتفكيك راس النظام أو قيادة النظام أو إدارة النظام . وبهذه الحالة تكون الفوضى مبدأ اللااستقرار و اللاتكرار لحادثة ما أو تكرار الحادثة دون مسوغ منطقي. الفوضوية بكل تاكيد أفضل من الفوضى حيث ان في الفوضوية هناك أنظمة صغيرة تكون باقية و يتشبث الفوضويون بها ، اي بتعبير اخر قد تكون الفوضوية في بعض أجزاءها عدم القبول بالواقع و في نفس الوقت تكون الفوضوية خاضعة لنظامها الخاص لها و لمجموعتها .
كما و يمكن ان تُعكَس الفوضوية على العلاقات الدولية حيث لا توجد مرجعية واحدة فعليًا بين الدول للركون اليها في الحالات المستعصية و على هذا الأساس تم إنشاء المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة و التي تنجح إجراءاتها تارة و تفشل تارة أخرى. فالمجتمعات التي تزخر بالمعارضة و التعارضات الفكرية تكون بين أربعة اختيارات لا خامسة لها :
الاختيار الأول هو الوصول الى توافقات فكرية و الاتفاق على المضي قدمًا و انتاج نظام منطقي يسمع للقوى المختلفة وتجد الحلول لتقدم المجتمع طبيعيًا. الاختيار الثاني العمل وفق مبدأ الفوضوية بان يتم تاسيس مراكز قوى لكل تجمع فكري و يتعامل و يتربص كل تجمع فكري بالتجمعات الأخرى ، طبعًا مع وجود نظم صغيرة لكل تجمع فكري على حدا لتحافظ هذه النظم الصغيرة على ديمومة الانتظام، الاختيار الثالث و هو انعدام التواصل بين التجمعات الفكرية و حتى انعدام التربص ، لتتدرج الوضع العام الى الفوضى و قد يصل الى نزاع مسلح .
الاختيار الرابع والأخير ولادة الفوضى ضمن كل تجمع فكري داخلي و بتعبير آخر امتزاج الفوضى والفوضوية لتنتج الانهيار الكلي للتعامل وفق النظم مهما كانت صغيرة ، وليبدأ نزاع مسلح وفرض القوة وعمليات سلب ونهب وقتل بين الأفراد بصورة عامة للمجتمع وهي اتعس حالات المعيشة و خطورة العيش .
أين نحن من هذه الاختيارات ؟
العراق منذ تأسيسه يتأرجح بين الاختيارين الأول والثاني بين حالة نظام منطقي وأخرى حالة فوضوية ويكاد يكون هذا الموضوع دوري ومتعاقب لكل حقبة زمنية فالنظام الملكي السابق كان ضمن خانة الاختيار الأول وماحصل من الانقلابات العسكرية كانت نتيجة الدخول في الاختيار الثاني ليستمر المكوث في هذه المرحلة الى الثمانينيات من القرن الماضي ( طبعًا هناك دوريات صغيرة مرحلية للتعقب بين الاختيارات في فترة زمنية معينة ). مع مجيء النظام الصدامي والذي كان نظام متطرف في عدم الاعتراف بأي فلسفة ذات منحى تعايشي لإنتاج الاستقرار والرخاء ، بالتالي نقل عدم قابلية انتاج الاختيار الأول إلى حروب عبثية و مغامرات خارجية .
بعد ٢٠٠٣ بدأ العراق بالاختيارات أعلاه تصاعديًا أي من الاختيار الرابع و بعد فترة الاختيار الثالث ليستقر العراق في الاختيارالثاني لفترة و ليعبر إلى الاختيار الأول وخاصة اثناء تشكيل الحكومات التوافقية بمشاركة الجميع وحتى قوى المعارضة. الا ان المعادلات السياسية ليست معادلات ثابتة و لاهي متكونة من ثوابت غير قابلة للتغيير لذا فان مع كل مكوث في الاختيار الأول هناك من يدفع بالبلاد إلى الاختيار الثاني وتتمثل بالتقاطعات السياسية والفجوات الأمنية والرؤية غير المتكاملة لمجريات الأحداث لتكون نتيجتها ظهور داعش ، مع اندحار داعش تسلق العراق إلى الاختيار الأول سريعًا جاعلا من الكثير من الإشكالات خلف ظهره و النظر الى الامام لمداواة جروحه ، ومع واقعية تثبيت المتغير و فرضية تغيير الثابت ترنحت البلاد مرة أخرى بين الاختيارين الأول والثاني لتستقر البلاد مرة اخرى في الاختيار الثاني وفي بعض الأحيان كانت البلاد تنحدر خلسة إلى الاختيار الثالث .
مرة اخرى أين نحن الان ؟
البلاد الان تحاول الثبات في الاختيار الأول مرة أخرى بعد ان وضع العراق أولى خطواته في الاستقرار بعد سجال سياسي- مجتمعي عنيف، ولتكريس البلاد في الاختيار الاول نحتاج الى تظافر جهود الجميع من النخب السياسية ومن جميع الأطراف على حد سواء للوصول الى ايجاد نظام مجتمعي وعقد اجتماعي مبني على الحكم الرشيد و استثمار فرصة العراق للنهوض واستغلال موارد البلاد المختلفة لخلق فرص عمل والاستقرار المجتمعي ليرجع العراق في نهاية المطاف الى وضعيته الدولية المعهودة له .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *