الانتخابات المبكرة… تسابق بالإعلان ومماطلة بالتنفيذ

الانتخابات المبكرة…
تسابق بالإعلان ومماطلة بالتنفيذ

فرهاد علاءالدين
10 آب 2020
بتحديده يوم السادس من حزيران 2021 موعدا لإجراء الانتخابات المبكرة يكون رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قد أخلى ساحته من أهم الالتزامات التي قطعها على حكومته بتنفيذ وعده في غضون سنة من توليه الحكم. وجاء إعلان الكاظمي عقب اجتماع الرئاسات الثلاث واتفاقها على إجراء الإنتخابات المرتقبة، وما تلاه من إجتماعات ثنائية مع المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات وبعثة الأمم المتحدة في العراق. وتوالت البيانات الداعمة لهذا الإجراء من الأحزاب والشخصيات السياسية ، حتى أن البعض ذهب للمطالبة بإنتخابات “أبكر” من المبكرة. حيث أصدر رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي بيان يدعم قرار الحكومة داعيا الى ” عقد جلسة طارئة علنية ومفتوحة بمشاركة الرئاسات الثلاث والقوى السياسية لحل البرلمان واجراء الانتخابات”. في حين رحب رئيس الجمهورية برهم صالح بإعلان الكاظمي لموعده إجراء الانتخابات المبكرة واصفا ذلك الإعلان بأنه “جاء التزاماً بما تعهد به البرنامج الحكومي”
من جانبها رحبت المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات بخطوة الكاظمي مؤكدة بأنها “ستكون مستعدة لإجراء الانتخابات” في حال اكمال قانون الانتخابات ومعالجة معضلة المحكمة الاتحادية، وأن ” تقوم الحكومة بتهيئة الموازنة الانتخابية وتوفّير المستلزمات التي طالبت المفوضية بها سابقا”، وتأمين الدعم الانتخابي ومراقبة العملية الانتخابية.
الى ذلك رحبت بعثة الأمم المتحدة في العراق بالإعلان الحكومي معتبرة أن الانتخابات المبكرة تشكل ” إستجابة لمطلب شعبي رئيسي وان البعثة مستعدة لتقديم الدعم الكامل من اجل إجراء ” إنتخابات حرة ونزيهة “
▪︎خارطة الطريق للانتخابات
مراقبون أشاروا الى ان رئيس مجلس الوزراء ليس لديه صلاحية تحديد موعد الانتخابات وما جاء في بيان إعلان موعد الانتخابات كان “بيانا سياسيا” ومجرد “اسقاط فرض”، فسارع رئيس الجمهورية الى تحديد خارطة طريق لإجراء الانتخابات في “حال تقديم الحكومة مقترحاً لحل البرلمان سنوافق على رفعه إلى مجلس النواب، لغرض عرضه للتصويت، وبصدور قرار البرلمان فإننا سنقرر رسميا موعداً لا يتجاوز شهرين من حلّ البرلمان، و حسب ما نصّ عليه الدستور” وبذلك يكون رئيس الجمهورية هو من يحدد موعد الانتخابات وليس رئيس مجلس الوزراء. فيما أشار بعض المراقبين ال وجود آلية أخرى نصت عليها المادة 64 من الدستور ” يحل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه”.
▪︎مواقف الأحزاب من الانتخابات
طالبت المرجعية العليا في النجف الاشرف في خطابها يوم 31 كانون الثاني 2020 ” بالرجوع الى صناديق الاقتراع لتحديد ما يرتأيه الشعب…. فيتحتم الإسراع في إجراء الإنتخابات المبكرة ليقول الشعب كلمته “.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أول من دعا الى إنتخابات مبكرة في بيان صادر يوم 29 تشرين الأول 2019 مطالبا ب ” انتخابات مبكرة بإشراف أممي، وبمدة قانونية غير طويلة، وتتخذ خلال هذه الفترة كل التدابير اللازمة لتغيير مفوضية الانتخابات وقانونها وعرضه على الشعب”. وضغطت كتلة الاحرار داخل البرلمان باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات يعتمد نظام الانتخاب الفردي بدل القوائم الانتخابية، واقر مجلس النواب قانونا جديدا للانتخابات في 24 كانون الأول 2019.
ورحب زعيم كتلة الفتح هادي العامري بإعلان الحكومة ” بإجراء الانتخابات المبكرة، ونعتقد أن الوقت الأفضل لها هو بداية شهر نيسان المقبل من العام 2021 ” وأكد محمد الغبان رئيس كتلة الفتح النيابية بانهم قاموا ” بتثبيت سقف زمني لا يتجاوز السنة من تاريخ تشكيل حكومة الكاظمي سواء البنود العشرة التي تم اعدادها من قبل الفتح واقرارها من قبل القوى الشيعية والزمنا بها الكاظمي ، أو في تضمين ذلك بالمنهاج الحكومي”.
كذلك زعيم كتلة عراقيون عمار الحكيم رحب من جانبه بالإعلان ووصفه بانه ” خطوة موفقة” مطالبا مجلس النواب بإكمال قانون الانتخابات. فيما لم يؤيد او يعارض زعيم دولة القانون نوري المالكي بالانتخابات المبكرة واكتفى بالتأكيد على كيفية حل البرلمان، وعلى نفس الصعيد رحب حيدر العبادي زعيم ائتلاف النصر بالانتخابات المبكرة.
كما دعمت الكتل السنية دعوة الكاظمي ولكن بشروط، حيث طلب تحالف القوى بزعامة محمد الحلبوسي اجراء الانتخابات في وقت ابكر، واشترط القيادي في التحالف محمد الكربولي في تغريدة له “عودة المهجرين الى مناطقهم واطلاق التعويضات وسحب المليشيات”. في نفس الوقت رحب زعيم ائتلاف المحافظات المحررة خميس الخنجر بإعلان الانتخابات المبكرة بشرط “اعادة النازحين والمهجرين الى مناطقهم” واعتماد البطاقة البايومترية واشراف اممي على الانتخابات.
أما الأحزاب الكوردية فإنها لم تصدر بيانات رسمية بالتأييد او المعارضة، وبهذا الصدد صرح النائب عن الحزب الديموقراطي بشار الكيكي بان دعوة الانتخابات المبكرة من قبل الكاظمي هي “سياسية أكثر من كونها قانونية ودستورية”، فيما ذهب النائب عن حزب التغيير غالب محمد بان الموعد المعلن من قبل الكاظمي “غير ملائم مناخيا لافتا الى أن مقومات نجاح الانتخابات مازالت منقوصة”
▪︎تحديات الانتخابات
بالرغم من ترحيب أكثرية الكتل السياسية بإعلان الانتخابات المبكرة، فان التحديات امام اجراء أي انتخابات مستقبلية عديدة من بينها :
أولا : حل البرلمان حيث يتوقع مراقبون بان مجلس النواب ليس جادا في حل نفسه، فالكتل السياسية لا تبدو عليها الجدية في اتخاذ هذا القرار ولا يوجد دافع حقيقي لها في حل البرلمان مبكرا. كما لايوجد حراك سياسي حقيقي لهذا الحل، ولم تجتمع القوى السياسية لبحث هذا الموضوع، حيث اكتفت هذه القوى بإصدار بيانات فضفاضة لا غير. ويرى مراقبون بان أكثرية الكتل السياسية تريد استمرار البرلمان في الوقت الحالي لان هذه الكتل تعتقد بأن لاضمانة لديها بعودة للبرلمان الجديد بذات الحجم والقوة العددية، فهي تخشى خسارتها لعدد من مقاعدها الحالية.
على نفس الصعيد، نرى بأن أغلبية النواب لا يرغبون في التصويت لصالح حل البرلمان الذي يعني الغاء الرواتب والامتيازات بالإضافة الى عدم وجود ضمانات حقيقية بإعادة ترشحهم او انتخابهم مجددا. من جانب آخر وفي ظل وجود وباء كورونا وعزوف النواب لعقد جلسات مجلس النواب فان اكتمال النصاب والتصويت على حل البرلمان لن يكون سهلا.
ثانيا : اكمال القانون الانتخابي حيث ان الجدلية الكبرى في هذا القانون هو تحديد الدوائر الانتخابية، نص القانون على الانتخاب الفردي وهذا يعني إيجاد آلية لتوزيع الدوائر الانتخابية، فهل سيكون التوزيع جغرافي حسب الاقضية ام حسب التوزيع السكاني ؟ وهل ستكون الدوائر منفردة ام مجموعة ؟ وهل هناك مقترح بان تكون الدائرة من أربعة مقاعد فما فوق حسب المحافظة ؟ وتفضل القوى السياسية هذا التوزيع لأنه يعطي فرص اكبر للقوائم المتوسطة والكبيرة. هناك تخوفات كبيرة وخصوصا من القوى الشيعية بفقدان ما يقرب من 6 مقاعد للمكون السني في محيط بغداد وصلاح الدين حسب هذا التوجه، والتحفظ الاخر هو ما يجري في كركوك ونينوى حيث ان المكون العربي متخوف من زيادة المقاعد الكوردية.
ثالثا: اجراء تعديل في قانون المحكمة الاتحادية حيث ان المحكمة باتت مشلولة وغير قادرة على عملها لفقدانها النصاب القانوني بعد إحالة احد أعضائها على التقاعد، فيما فشلت القوى السياسية في إقرار قانون دائم للمحكمة الاتحادية حسب ما جاء في الدستور واستمروا على الأمر 30 الصادر حسب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2005 بالرغم من إقرار الدستور بعد شهرين من اصدار هذا الأمر. وكانت هناك محاولات كثيرة لتشريع قانون دائم للمحكمة الاتحادية الا ان الخلافات حول التوازن المكوناتي وإصرار البعض على وجود 4 فقهاء في الشريعة داخل المحكمة مع حق النقض ” الفيتو ” افشل هذه المحاولات. والجانب الضاغط الاخر في تعطل المحكمة الاتحادية هو الخلافات بين المحكمة الاتحادية و مجلس القضاء الأعلى حيث ضغط المجلس بقوة لان يجعل المحكمة الاتحادية تحت سيطرته، وسبق له أن أرغم رئاسة الجمهورية على سحب المرسوم الجمهوري بتعين القاضي الاحتياط محمد الكبيسي كعضو اصيل في المحكمة الاتحادية.
وجددت رئاسة الجمهورية محاولاتها لحل مشكلة المحكمة الاتحادية للوصول الى صيغة مقبولة لتعديل المادة ثالثا من القانون الحالي بشكل مؤقت وذلك بإبقاء عدد أعضاء المحكمة تسعة أعضاء من بينهم اثنان من فقهاء الشريعة واثنان من فقهاء الدستور و خمسة قضاة دون جدوى. ويجد مراقبون بان هذا الحل هو الأقرب للواقع لتمرير التعديل لحين إقرار قانون عام وشامل حسب الدستور.
رابعا: مشاكل المفوضية العليا للإنتخابات، فالكل يعلم بان المفوضية تشكل القلب النابض للعملية الانتخابية والمفوضية لديها مشاكل لا تعد ولا تحصى من أمور لوجستية وإدارية وفنية بسبب عدم اكتمال قانون الانتخابات، بالإضافة الى انهيار اهيكلها الإداري بعد فصل المدراء العامين وعدم تخصيص الموازنة المطلوبة، فالحكومة لم ترصد لها حتى الان أي مبلغ من موازنتها المطلوبة، علما انها بحاجة الى ما يقرب من 250 مليون دولار. مع استعداد المفوضية بحسب مصدر من داخلها لتقليل الموازنة المطلوبة في حال الغاء تصويت الخارج والذي يكلف المفوضية اكثر من 35 بالمئة من الموازنة الانتخابية، علما أن مشاركة المصوتين في الخارج لا تتعدى واحد بالألف من المشاركين، كما ان التزوير الذي شهدته انتخابات 2018 كان معظمه من تصويت الخارج. وفي حال الغاء التصويت الخاص واستخدام الموظفين في الوزارات والمؤسسات الحكومية في يوم الانتخاب فان الموازنة المطلوبة ستكون اقل من 150 مليون دولار.
خامسا : استخدام البطاقة البايومترية للتصويت حيث تطالب قوى سياسية عديدة باستخدام البطاقة البايومترية طويلة الأمد في الانتخابات منعا للتزوير، مع الإشارة الى أن المفوضية لم تحدث بياناتها خلال العامين المنصرمين، علما أن اعداد المسجلين على البطاقة البايومترية قليلة مقارنتة بأعداد الناخبين وهذا بحد ذاته سوف يكون بداية لمشاكل لوجستية كبيرة للمفوضية. أضف لذلك عملية تحديث البيانات والتي تحتاج الى اكمال الهيكل الإداري للمفوضية وانشاء فرق للمحافظات لتحديث سجل الناخبين وهذا يعني رصد موازنة لهذه الفرق بالإضافة الى تدريب الكوادر الجديدة.
سادسا : الهاجس الأمني والذي يتأتى من الانفلات الحاصل في بعض المناطق وعدم حصر السلاح بيد الدولة مما يهدد سلامة المشهد الانتخابي، وكما يقول الكاتب السياسي سرمد الطائي ” الانتخابات بوجود ميليشيات وفوضى سلاح لن تكون عادلة وستشهد اغتيالات ممنهجة لأبرز مرشحي التيار المدني”. وليس خافيا ممارسات القوى الأمنية المسيطرة في بعض المناطق في اجبار الناخب على التصويت لقائمة دون اخرى، بمعنى آخر هناك حاجة ملحة لاجراء الانتخابات في أجواء آمنة ومستقرة ومسيطر عليها من قبل الدولة حصرا.
سابعا : الاشراف الأممي، فهناك دعوات صريحة وواضحة للإشراف الأممي كما جاء في بيان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي اشرنا ليه آنفا او ما قاله رئيس الجمهورية برهم صالح في بيانه ” إجراء انتخاباتٍ مبكرة حرة ونزيهة، يستوجب تعاوناً أممياً مع المفوضية فضلاً عن إشراف المراقبين الدوليين” والسبب هو وجود ” مؤشرات التزوير والتلاعب بالنتائج في السابق “. علما بان هناك معارضة شديدة للتدخل الدولي حيث ترى بعض القوى السياسية بأن ذلك تدخلا في الشأن العراقي وأن الإشراف الأممي غير مبرر، في حين ترى قوى أخرى خلاف ذلك معتبرة غياب هذا الإشراف سيفضي الى إننتخابات غير نزيهة.
ثامنا : التخوف من التغيير السياسي، ليس واضحا لحد اللحظة ان كانت القوى السياسية جادة وبما يكفي لإجراء الانتخابات المبكرة كون بعضها ان لم تكن معظمها تتخوف من تغيرات متوقعة في خارطة الحضور السياسي، وقد تعمد هذه القوى الى المماطلة والتسويف بهدف تعطيل اجراء الانتخابات، وسيستمر الجدل حول الموعد القادم بين المبكر والأبكر والمقبل، وبما أن الإنتخابات مقترنة بحل البرلمان، فان الحديث عن موعد الانتخابات لا يعني شيء اذا امتنعت الكتل السياسية من حل البرلمان. لقد رمت الحكومة ورئاسة الجمهورية الكرة في ملعب مجلس النواب وبالذات رئاسة المجلس، لذلك الجميع بإنتظار الخطوة القادمة التي سيقدم عليها البرلمان.
من هنا نرى بأن التحديات التي اشرنا اليها آنفا متعددة ومتباينة فمنها سياسية ومنها فنية ولوجستية، وان كان بالإمكان حل التحديات الفنية واللوجستية، فأن التحديات السياسية صعبة الحل اذا لم تتفق الكتل السياسية، وهذا الاتفاق يكاد يكون بعيد المنال في الوقت الحاضر. فالكتل السياسية لاتعيش إلا في أجواءها الخاصة وتراعي مصالحها الذاتية، ولا تلوح بالأفق أية مؤشرات لوجود أو إنبثاق مصالح مشتركة تجمع هذه الكتل على التوافق وإتخاذ قرار مصيري كقرار خوض الانتخابات مبكرا الا في حال حدوث ما لم يكن بالحسبان من وقوع تحولات دراماتيكية من شأنها أن ترغِم الزعماء على قرار من هذا النوع.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *