البرلمان ومسؤولية إنهاء أزمة الحكومة!

٢ آذار ٢٠٢٠
فرهاد علاء الدين
قبيل ساعات من انتهاء المدة الدستورية للمكلف بتشكيل الحكومة أعلن محمد توفيق علاوي انسحابه من إكمال مهمته، عبر رسالة متلفزة خاطب فيها رئيس الجمهورية بقوله “اسمح لي ان أرفع لمقام فخامتكم اعتذاري عن التكليف راجياً تفضلكم بقبولها”. مقدما اعتذاره للشعب العراقي لعدم تمكنه من إنجاز ما تعهد به أمامهم قبل نحو شهر. وبرسالة الاعتذار هذه يكون علاوي قد وضع حدا للجدل الدائر منذ اسابيع حول قدرته على تخطي الأزمة الراهنة والانتقال نحو ظرف مناسب يتيح تخطي اسباب ودوافع الأزمة وتحقيق مطالب الحراك الشعبي المستمر منذ أربعة أشهر.
من المؤكد أن علاوي وهو يعود أدراجه من حيث أتى بات مقتنعا وطبقا لما أفصح عنه في رسالته بأنه أدى ما عليه، برغم اختلاف المراقبين في تقييمهم لإدائه خلال مرحلة التكليف. وقد لا يختلف اثنان على كونه تعمد الحفاظ على ما تعهد به والدفاع عما الزم به نفسه أمام الشعب عامة وساحات التظاهر والاحتجاجات في بغداد ومدن وسط وجنوب العراق، ونجا بنفسه قبل احتدام التوتر والتقاطع بين القوى والتيارات المسيطرة على المشهد السياسي. من هنا يمكن اختصار القول إن خطوته كانت محل ثناء وتقدير.
مكتب رئيس الجمهورية سارع من جانبه في إصدار بيان رسمي شكر به المكلف على جهوده، مطالبا الكتل السياسية بـ “العمل الجاد للتوصل إلى اتفاق وطني حول رئيس الوزراء البديل، والمقبول وطنيًا وشعبيا، خلال الفترة الدستورية المحددة، من أجل تشكيل حكومة قادرة على التصدي لمهامها في ضوء التحديات الجسيمة التي تواجه العراق”.
في الوقت الذي لم يجف فيه حبر الاعتذار على رسالة المكلف تسارعت وتيرة التكهنات حول من سيحل في مقعد التكليف القادم، ومن هو سيء الحظ الذي سيخلف المعتذر لإنجاز المهمة الصعبة إن لم تكن شبه المستحيلة. تزاحمت إسماء عدة في فضاءات التواصل الاجتماعي ومجالس النخب السياسية، والتي توزعت بين مرشح جوبه بالرفض وآخر انسحب قبل ترشيحه وثالث لم يتم الإعلان عنه حينها. وبرغم أهمية الأسماء المتداولة إلا أن الأهمية كانت ومازالت تكمن في مواقف وآليات وطبيعة تحركات وتوافقات الكتل السياسية لاختيار المكلف القادم. ومما زاد المشهد تعقيدا فشل الاتفاق بين تحالفي فتح وسائرون الذي تمخض عن اختيار مرشحيهم خلف أبواب مغلقة، حيث استقال مرشحهم الأول ولم يكمل مهمته في حين انسحب الثاني لعدم تمكنه من إنجاز ما كلف به. لذا ليس من المعقول تكرار السيناريو للمرة الثالثة، مما يستوجب البحث عن سبيل آخر يختلف عما أنتهى اليه الاخرون.
من بين أسباب فشل المكلف افتقاره لإمكانية دفع أعضاء مجلس النواب لدخول قبة البرلمان والتصويت على كابينته الوزارية، بالرغم من اتفاق قادة الكتل الشيعية في اجتماعاتهم المطولة مع المكلف وتعهدهم له بتحقيق الدعم البرلماني، لكن الملاحظ أن الكتل النيابية وقفت بالضد من موقف قادتها، ولم يحضر جلسة التصويت سوى ٧٠ – ٨٠ نائبا شيعيا من بين ما يقارب الـ ١٧٠ نائبا، ما يدل على فقدان بعض القادة لقدرتهم بالتحكم في إيقاعات تحرك أعضاء كتلهم برلمانيا! وثمة من يذهب الى اعتبار أن مقاطعة السنة والكرد كانت الفيصل في إفشال جلسة التصويت، بالمقابل هناك من يدحض هذا الرأي انطلاقا من تمكن الكتل الشيعية من التحشيد لجلسة البرلمان التي شهدت التصويت على قرار دعوة الحكومة لإنهاء التواجد الأجنبي على الأراضي العراقية والتي تحققت بحضور ١٧٠ نائبا، ما يعني بأن الكتل الشيعية لو كانت متوافقة ومصممة على تمرير كابينة علاوي لتمكنت من ذلك على غرار تلك الجلسة.
ومن بين الآراء الأكثر مقبولية التي طرحت مؤخرا، رأي يتمثل في إعادة الكرة الى ملعب البرلمان، ليختار مرشحا أو أكثر بتوافق الكتل السياسية وعرض الأمر على رئيس الجمهورية ليكلف من يرتأيه منهم، لضمان تمريره وكابينته المقترحة دون عرقلة. ويعتقد البعض بأن هذا الخيار يعد الأفضل في ظل التقاطعات السياسية واختلاف الرؤى بين قادة الكتل قبل أعضاء كتلهم ذاتها. وبذلك يتحقق التوافق أصلا عند تسمية المرشح داخل قبة البرلمان وبالتالي يلزم هذا التوافق غالبية أعضاء الكتل من جميع المكونات بالتصويت لصالح من رشحوه للتكليف. فضلا على ذلك سيتم تخطي وحسم الجدل المستمر والمتكرر حول الكتلة الأكبر عبر اعتبار البرلمان بغالبيته هو الكتلة الأكبر، برغم ان الدستور وبحسب المادة ٧٦ خامسا أوضح انتفاء الحاجة الى الكتلة الأكبر.
ومن الأهمية بمكان الإشارة الى التحديات الامنية والسياسية والاقتصادية والصحية التي تواجه العراق والمنطقة، ما يحتم على الجميع إدراك المخاطر الجدية المحدقة بالعراق، من عجز مالي وخروقات سيادية وصراع إقليمي وانتشار فايروس كورونا على نحو سريع ومقلق للغاية في دول المنطقة والعالم، فضلا على المشاكل والأزمات الداخلية من ركود إقتصادي وبطالة وارتفاع مستويات الفقر وتدني مستوى الخدمات الأساسية وضعف البنى التحتية، كل ذلك يضاف اليه استمرار وضغط حركة التظاهر الاحتجاجي والاعتصامات المستمرة منذ الأول من تشرين اول الماضي. لذلك ينبغي عدم الاستهانة او التقليل من المخاوف الحقيقية من تلك التحديات وضرورة الإسراع في حسم ملف تشكيل الحكومة المرتقبة والتي طال أمدها تمهيدا لعودة الاستقرار والمضي في معالجة الملفات الأساسية بحسب اولوياتها.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *