التأريخي و اللَّاتأريخي ومابينهما

د. طورهان المفتي
30 مايس 2020
هناك فرق كبير جدا بين التأريخ و التأريخي و هذا الفرق بعبارات بسيطة كالفرق بين الحاضر و الماضي ، و يمكن وضع هاتين العبارتين بعد مسميات لافراد كأن نقول شخص له تأريخ و شخصية تاريخية ،وكذلك ممكن ان تردف هذه العبارتين مسميات شعوب كاملة ،ومثال ذلك شعب له تاريخ و شعب تأريخي. وعلى مر العصور فالشعب والشخص الذي له تأريخ يتقدم ويتطور والشعب والشخص التأريخي يتقوقع ويتأخر وينسحب من الحياة اليومية ليكون بالختام جزء من التاريخ وهو يعيش الحاضر .الفرق بين التأريخ و التأريخي إذًا شاسع جدا وهو في الحقيقة أسلوب حياة .
فالشعب التأريخي لا يستطيع التقدم لانه ببساطة يتباهى بتأريخه المجيد و ابتكاراته الفريدة ، ولا يمتلك متسعا من الوقت للتفكير بالحاضر والتخطيط للمستقبل وبذلك نجد هكذا شعب يتغنى بماضيه ويعمل على القياس بين الحاضر و الماضي ليرجح كفة الماضي امام كفة الحاضر ويزداد هكذا شعب إيغالا في ماضيه و تتتحول لديه الحياة الى مجرد إطلالة على الماضي. و بذلك تتوقف حركة التطور و يختفي أسلوب الحوار ويسدل الستار على طرق التقدم والنهضة، ويكون التأريخ لهكذا شعب عبارة عن عقدة غير قابلة للحل، و غير وارد فيها التجاهل و يكون الشعب سجين أفكاره ليدور في حلقة مفرغة .(و هنا الموضوع ليس له علاقة بالنستولوجيا و الذي هو الحنين إلى الماضي بجميع زواياه و مكنوناته). بالمقابل فأن الشعب الذي له تأريخ . الموضوع مختلف كليًا ، ذلك ان الذي له تأريخ يعني متمكن من تأريخه متباهيًا به و غير محرج من حاضره ولا يشكو من عقدة التأريخ ، بالتالي يتمسك بقصص و إنجازات التاريخ كطريق للتفكير و ليست طريقة حياة او أسلوب معيشة و تنمو عنده الأفكار، ويتم نسج التخطيط ليزدهر مثل هكذا شعب .
اما اللا تأريخ او الشعب الذي لا يمتلك تأريخ، فأن اللافت للنظر هنا ان هكذا شعب يتطور بصورة فائقة جدا و ينمو بنسق متوازن لانه يكون بصدد بناء تأريخ لنفسه. و خير مثال على ذلك ماليزيا و الولايات المتحدة ،فشعوب هذه الدول ليست لها تاريخ مقارنة ببقية الدول. بالتالي هذه الشعوب لا تشكو من عقدة التأريخ و كيفية التعامل مع التأريخ وإنما في حالة أرادوا التأريخ فأنهم يتكلمون عن تأريخ لشعوب اخرى ويأخذون منه ما يناسبهم لبناء شعب متمدن ليكون هذا الحاضر تأريخ للشعب بعد قرون .
الان أين نحن ؟! بكل تأكيد نحن لسنا في خانة اللا تأريخ. وعليه نحن اما شعب تأريخي او شعب له تأريخ. عامة المنطقة هي تأريخية و لذلك نجد توالد لافكار كانت ناجحة في الماضي و الان العمل جارٍ على ان تنجح هذه الأفكار في الحاضر لتتحول هذه المنطقة الى جزء من تأريخ وتفشل المعيشة في الحاضر ، لذا من المهم جدا ان لا نكون نحن تأريخيين مثل المنطقة وإنما علينا ان نكون شعب له تأريخ و هذا فعليا صحيح بالنسبة للعراق و هذا ما يميزنا عن بقية المنطقة، لذالك نرى كثرة الخطط بالضد من العراق لان العراق يرفض الانحصار في التأريخ .فنحن نتملك تأريخ وحضارة ناصعة و متطورة في حينه، والعراق يمتلك قابلية الاستفادة من طرق تفكيرهم وأسلوب بناءهم التأريخي ،وتطوير أسلوب تفكيرهم و تطعيمه مع التطور الحاصل حاليا لإيجاد منافذ خروج من الأزمات لهذا الشعب، وبغير ذلك فان الانسجام مع التيار العام في المنطقة سوف يجعل منا محصورين في زوايا التأريخ كما يجعل منا شعبا تأريخيا، مما يتوجب على الجميع مكافحة أحتمالية الانقراض !

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *