التيار الصدري في البرزخ السياسي والمشهد الحاكم يزداد تعقيداً

فرهاد علاءالدين
25 تموز 2021
اعلن زعيم التيار الصدري في كلمة متلفزة يوم 15 تموز 2021 انسحابه من الانتخابات بقوله ” نعلمكم بأنني لن أشترك في هذه الانتخابات” مشيرا الى حل عمل الهيئة السياسية والذي سيغيب دورها القيادي وتحكمها بالقرار لأكبر كتلة سياسية. كانت الهيئة السياسية مسؤولة بشكل مباشر عن توجيه المسؤولين الصدريين في الحكومة وإدارة الشؤون اليومية للكتلة النيابية الصدرية في مجلس النواب واعطاء التوجيهات بالحضور او المقاطعة والتصويت على القرارات والتشريعات البرلمانية. قرار الصدر يعني كذلك تعطيل الماكنة الانتخابية للتيار وتوقف عجلة النشاط الانتخابي الصدري بالكامل. كما ان غياب الكتلة الصدرية في البرلمان يعني شلل مجلس النواب فمن الصعب تحقيق النصاب لأي جلسة او قرار من دون وجود نواب التيار الصدري.
توالت الدعوات السياسية من قادة وزعماء الكتل والأحزاب مناشدين الصدر العدول عن قراره في الانسحاب، ويعتقد المراقبون بان غياب التيار الصدري عن المشهد الانتخابي سوف يعقد المشهد السياسي اكثر ويضع العملية السياسية امام خيارات صعبة منها المضي بالانتخابات من دونهم وازدياد احتمال عودة الجماهير الصدرية للشارع كمعارضة للعملية السياسية برمتها.
أهمية التيار الصدري في العملية السياسية
من الواضح ان التيار الصدري لديه حضور قوي في الساحة السياسة والجماهيرية، حيث يمتلك كتلة متماسكة ومنضبطة هي الأكبر في مجلس النواب، بالإضافة الى قاعدة جماهيرية واسعة ومؤثرة على الشارع.
عدم مشاركة التيار في العملية الانتخابية معناه فقدان كتلة كبيرة وحليف اكبر للكتل السياسية الأخرى فأكثرية القوى السياسية تعول بشكل مباشر على التحالف مع الصدر للتصدي للمنافسين السياسيين وتشكيل تحالف كبير يضمن تشكيل الحكومة، خاصة وان التيار الصدري لم يكن طامحا برئاسة الوزراء في الماضي مما جعله موضع اهتمام وانجذاب القوى الأخرى للتحالف معه بدافع اغتنام فرصة الظفر بمواقع رئاسية امام زهد التيار ازاء تلك المواقع.
لقد كانت بصمات التيار الصدري واضحة ومؤثرة في تشكيل الحكومات الأربع الماضية، وكانت أولها في حسم انتخاب نوري المالكي لدورة ثانية، اعقبها اختيار حيدر العبادي كبديل له عقب انتخابات 2014، ومن بعدها تحالفه الثنائي مع كتلة الفتح لتكليف عادل عبدالمهدي في تشكيل حكومته عام 2018، في حين وقف التيار وراء تنصيب مصطفى الكاظمي كرئيس لمجلس الوزراء في أيار 2020. لذلك فمن المؤكد أن الميزان السياسي الشيعي سيختل بغياب التيار في تشكيل أي حكومة قادمة.
التصعيد المضاد للتيار الصدر
اطلق مقتدى الصدر تصريحه الشهير في 22 تشرين الثاني 2020 عندما قال “إن بقيت وبقيت الحياة.. سأتابع الأحداث عن كثب وبدقة، فإن وجدت أن الانتخابات ستسفر عن أغلبية (صدرية) في مجلس النواب وأنهم سيحصلون على رئاسة الوزراء وبالتالي سأتمكن بمعونتهم وكما تعاهدنا سوية من إكمال مشروع الإصلاح من الداخل سأقرر خوضكم للانتخابات” وتلاه تصريح المتحدث باسمه صلاح العبيدي في 29 كانون الأول 2020 بانه “هناك نية وطموح للحصول على 100 مقعد في الانتخابات المقبلة لمسك زمام الأمور”
بعد هذين التصريحين، اصبح التيار الصدري هدفا واضحا لبعض للمنافسين والذين اخذوا هذه التصريحات على محمل الجد وكثفوا من نيران اعلامهم الخفي والمعلن ضد التيار، حتى بلغت الهجمة إستهداف رموز التيار وفي مقدمتهم زعيم التيار وقيادات الخط الأول والوزارات الصدرية في الحكومة مثل وزارتي الصحة والكهرباء والبنك المركزي.
بالرغم من محاولة التيار الصدري النأي بنفسه عن هذه المؤسسات والادعاء بانه ليس معني بتعيين الوزراء، الا ان الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص تويتر وفيسبوك كانت شديدة وقاسية، واشتدت الحملة بشكل شخصي على مقتدى الصدر بعد فاجعة الحريق الدامي في مستشفى الحسين بالناصرية ليلة الاثنين 13 تموز 2021 والذي أودى بحياة اكثر من 92 مدنيا، وهذا الحريق جاء بعد حريق مماثل في مستشفى ابن الخطيب في بغداد في 27 نيسان 2021 وراح ضحيته 82 مدنيا. حمل الكثيرون التيار الصدري وزعيمه مسؤولية ما آلت اليه أوضاع القطاع الصحي من تدهور وسوء خدمات، برغم أن الصدر من جانبه القى باللائمة على الفساد المستشري في مؤسسات الدولة وغياب الإصلاح.
مع اقتراب الصيف اللاهب ودرجات الحرارة العالية، تعرضت أبراج نقل الضغط العالي التابع لوزارة الكهرباء الى تدمير ممنهج، اذ تم تفجير قرابة 135 برجا خلال أسبوع مما أدى الى انهيار الشبكة الكهربائية وحرمان الكثير من مدن وسط وجنوب العراق من الكهرباء في ظل موجة حر لاهبة مما زاد من معاناة المدنيين والذين بدورهم صبوا جام غضبهم على التيار الصدري والوزارة بوصفها تابعة للتيار مما دفع وزير الكهرباء لتقديم استقالته.
اعتبر التيار الصدري هذه الحملات سياسية ومدبرة وبرغم تصدي قيادات التيار في الدفاع والنأي به عن مسؤولية ماجرى الا انها لم تفلح بالوقوف امام المد الهائل من الموجات الإعلامية، وخصوصا وأن التيار الصدري يعتبر الأضعف في ميدان الاعلام الحزبي مقارنة ببقية الأحزاب، اذ لا يمتلكون قنوات ومواقع إعلامية بارزة ومؤثرة، ونشاطهم الإعلامي يتركز بحسابات زعيم التيار والمقربين منه مثل صفحة محمد صالح العراقي في الفيسبوك وتويتر وكذلك الحال مع ممثليه من اعضاء مجلس النواب والهيئة السياسية والذين لايمتلكون وسائل دفاع وإيصال وجهة نظر التيار بين نخب ومجاميع الواتساب الفعالة مثل المركز الخبري والرأي عراقي وغيرهما.
رجل في الحكومة واخرى في المعارضة
تعود التيار على اللعب في ساحتي الحكومة والمعارضة في آن واحد، اذ كانوا يشاركون في تشكيل الحكومة ويستلمون المناصب لمدة عام او عامين، لينقلبوا عليها ويسحبوا الوزراء ويعلنوا المعارضة، كما حصل في حكومة المالكي الأول بعد عام من تشكيلها في عام 2006، أذ انسحب وزراء التيار في عام 2007 وكذلك في حكومة المالكي الثانية في 2010 انسحب وزراء التيار في عام 2013. ولعب التيار دورا أساسيا في انهاء حكومة المالكي وتنصيب حيدر العبادي كرئيس للوزراء في 2014 لكنه انسحب معلنا معارضته التي بلغت حد تطويق ومحاصرة واقتحام المنطقة الخضراء ومقر مجلس النواب في عام 2016.
قاد التيار تشكيل حكومة عادل عبدالمهدي في 2018 وحجز اربع وزارات رئيسية في الحكومة واشترط على رئيس مجلس الوزراء اختيار وزراء تكنوقراط وعين قيادي صدري كأمين عام للأمانة العامة لمجلس الوزراء ووكالة بعض الوزارات، ومع ذلك نزل التيار في أكتوبر 2019 وشارك في التظاهرات ضد الحكومة في حينها وساهم بشكل فعال في دفعها لتقديم استقالتها.
كما قاد التيار الحملة في تشكيل الحكومة الجديدة وكان له دور كبير في تنصيب مصطفى الكاظمي على رأس الحكومة الحالية مع نفس الاشتراط بالحصول على اربع وزارات هي الصحة والكهرباء والمالية والموارد المائية. وقال زعيم التيار الصدري في بيانه يوم 15 تموز “أعلن سحب يدي من كل المنتمين لهذه الحكومة الحالية واللاحقة وإن كانوا يدعون الانتماء إلينا آل الصدر”
جدير بالذكر بان التيار لم يعلن معارضته للحكومة الحالية بعد وانما اعلن سحب يده منها.
انسحاب التيار وتأجيل الانتخابات
لعل السؤال الأكثر رواجا الآن داخل أروقة السياسة العراقية يتمثل بمدى إمكانية اجراء الانتخابات من عدمه، وهذا السؤال ينسحب الى كل القيادات والزعماء السياسيين والدبلوماسيين والمهتمين بالشأن العراقي، مما يثير شكوك ومخاوف الكثير من المراقبين حول إمكانية اجراء الانتخابات في تشرين أول القادم خاصة بعد اعلان مقتدى الصدر انسحابه من المشاركة.
أن عدم مشاركة التيار الصدري يعني فقدان أصوات شريحة مهمة داخل البيت الشيعي وجمهور انتخابي واسع يناهز المليون ناخب، مضافا اليه جمهور التيار المدني وقوى تشرين الشبابية فضلا على الحزب الشيوعي العراقي الذي أعلن أمس عدم مشاركته وكذلك عزوف واضح لعموم الناخبين ممن يشعرون باليأس من إمكانية أي تحول أو تغيير عبر الانتخابات، سيضع العراق أمام إنتخابات فاقدة للشرعية الجماهيرية بسبب قلة نسبة مشاركة الناخبين وسط هذا العزوف الكبير، مما يعني ان أي حكومة منبثقة عبر هذه الانتخابات لن تمثل الأغلبية العظمى من الشعب.
رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أبلغ الكتل الشيعية في اجتماع هذا الاسبوع بأنه لا إنتخابات من دون مشاركة التيار الصدري، وهذا الرأي قد لا يكون مقبولا من قبل بعض الأحزاب، الا انه هو الرأي الأرجح حيث ان غياب التيار الصدري يحدث خللا كبيرا وفراغا اكبر في الساحة السياسية الشيعية اذ هيمن التيار الصدري على القرار الشيعي منذ 2010 وازدادت هذه الهيمنة مع كل انتخابات، حيث ازدادت اعداد مقاعدهم من 32 الى 44 ومن ثم الى 54 الى جانب تزايد تأثيرهم السياسي تباعا.
الصدر في بيانه المذكور تمنى ” لهذه الانتخابات النجاح ووصول كل الصالحين وأنْ تبعد الفاسدين” وهذا يعني بانه مع اجراء الانتخابات ولهذا السبب يتمنى لها النجاح، ويرى مراقبون بان تعيين كل من رئيس الهيئة السياسية نصار الربيعي ونائبه محمد الموصلي كمستشارين لديه يعني بانه سيكون هناك استمرارية لعمل الهيئة بشكل غير مباشر. وفي نفس الوقت، لم يطلب التيار ولا المرشحين عن التيار من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الانسحاب، وهذا يعني بان القرار النهائي لانسحاب التيار الصدري لم يصدر بعد.
مراقبون يعتقدون بان التيار الصدري لن يتمكن من خوض الانتخابات من دون إشارة دعم واضحة من زعيمه مقتدى الصدر الذي اعلن الانسحاب برغم اقتراب موعد الانتخابات. والذي يمتلك دون غيره قرار المشاركة من عدمها، ولعل الطريق لحسم الامر هو بدء حملة تطهير من قبل زعيم التيار تطال مفاصل الفساد المتهم به التيار من قبل المنافسين السياسيين ومحاسبة من يستغل اسم التيار لمصالحه الشخصية، ومثل هذه الحملة قد تكون ردا مناسبا على الاتهامات التي طالت التيار الصدري وبابا مرضيا من أبواب عودة التيار الى المشهد السياسي.
ان المصلحة العليا للبلد تتطلب من التيار الصدري وزعيمه مراجعة موضوعية ومسؤولة لقرار ستكون له آثاره الواضحة، كون العراق امام مشهد سياسي معقد للغاية والتحديات التي تحدق به لايستهان بها، وان أي شلل يطال الدور التشريعي داخل البرلمان سيضيف أزمة جديدة لإزمات السلطات الحاكمة. وكذلك الحال سينسحب الى صعوبة تشكيل حكومة تمثل كامل الطيف العراقي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *