الحوكمة الإلكترونية .. حلول إدارية لمنع الفساد

د. لبنان الشامي
9 حزيران 2020
يكثر الحديث اليوم عن منع الفساد الإداري والمالي ، فيما تتفق الادبيات للإدارة الاستراتيجية على أهمية الاتمتة في الحوكمة الالكترونية ، التي تقوم على تطبيق تقنيات متجددة لتحسين الكفاءة و الفعالية في تحقيق السياسات في مختلف مجالات التخطيط الاقتصادي وبرامجه الإدارية والمالية. ولعل واقع عراق اليوم يتطلب النهوض بمفردات هذا البرنامج في الفصل الكامل بين الموظف الحكومي مقدم الخدمة والمستفيد منها سواء اكان مواطنا او مؤسسة اعتبارية من القطاع الخاص مثل الشركات او مؤسسات المجتمع المدني، حيث ان الحكومة الالكترونية تعرف بكونها ( ما تفعله الحكومات لتسليم الخدمات الكترونيا ) فيما تعرف الحوكمة الالكترونية بكونها ( فن و سياسة لإشراك العديد من الجهات الفاعلة لتقديم خدمات للمواطنين و الاعمال ، بما يضمن اتمتة تقديم الخدمات في مجال الرعاية الصحية، تقديم الخدمات الحكومية من خلال الاكشاك / مراكز الخدمات الالكترونية . الخ ، وعادة ما يتم استعمال مصطلح الحكومة الالكترونية للدلالة على الحوكمة الالكترونية، والتي تعني أيضا اشراك الاطراف الفاعلة الاخرى (المواطنين، منظمات المجتمع المدني، القطاع الخاص) وهو اتجاه هام معاصر في بناء الدولة المدنية الحديثة .
وبعرف البنك الدولي يشير تعريف الحكومة الالكترونية الى (استخدام المؤسسات تقنيات المعلومات والاتصالات “مثل شبكة الانترنت) التي تمتلك القدرة على تحويل العلاقة مع المواطنين والاعمال والاذرع الاخرى للحكومة، وهذه التقنيات تمكن من خدمة اغراض متنوعة: تحسين تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين، تحسين التفاعل مع قطاع الاعمال و الصناعة، تعزيز المواطن من خلال الحصول على المعلومات، رفع مستوى كفاءة الادارة الحكومية، ومما ينتج عنها الحد من الفساد، زيادة الشفافية، المزيد من الملائمة، ونمو الدخل و/او تقليل الكلفة))
والتطبيق العراقي لما ورد في هذا التعريف الدولي يمكن ان يؤدي الى تعزيز التفاعل بين المواطنين والدولة لتعزيز مشاركة المجتمع المدني في الشؤون العامة ، وتعزيز الاندماج الاجتماعي .اضافة الى نشر ودعم خدمات الحوكمة الالكترونية الجديدة داخل المحافظات حتى يتسنى لجميع المواطنين الوصول لتعزيز تكافؤ الفرص ، بما يؤدي الى زيادة قدرات واستجابة المؤسسات العامة من خلال الاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحقيق الحكم الرشيد وتعزيز الكفاءة والشفافية والمسائلة، فضلا عن المساهمة في تطوير بيئة مؤاتيه لنمو اقتصادي سليم تؤدي الى تعزيز تنمية مجتمع قائم على المعرفة وردم الفجوة الرقمية. وهناك عدة طرق يمكن توظيفها في انجاز هذا الهدف الكبير في اتمتة وحكومة الاعمال الإدارية الحكومية ، منها ما يمكن ذكره عن تجارب الدول الاوربية التي تقوم على المرحلة الأولى جمع وحصر المعلومات الضرورية للحصول على خدمة عامة على الانترنت، ثم مرحلة التفاعل باتجاه واحد من خلال مواقع الانترنت المتوفرة للجمهور توفر الامكانية للحصول على الاستمارات بطريقة غير الكترونية (تحميل الطلبات والاستمارات من الانترنت) للابتداء بالحصول على الخدمة المطلوبة وهذه المرحلة متواجدة بكثرة اليوم في مكاتب الأنترنيت الاهلية ولكنها تحتاج الى منظومة اتصال حكومية لترتيب اعمالها ضمن خطة حكومة الإدارة العامة . اما المرحلة الثالثة فتكون من خلال التفاعل بالاتجاهين ، حين توفر مواقع الانترنت للجمهور توفر الامكانية لملئ الاستمارة الالكترونية الرسمية على الانترنت، للبدأ بإجراءات الخدمة المعنية, وهذا يتطلب شكل من اشكال التوثيق الالكتروني لهوية المواطن وهذه المرحلة ما زالت غير مطبقة عراقيا ، وتتطلب حتى الان حضوره الشخصي للحصول على جواز سفر او أي وثيقة حكومية ، فيما تبدأ المرحلة الرابعة في انجاز التعاملات الإدارية اليكترونيا، مثل مواقع الدفع للضرائب وجباية أجور الكهرباء والماء واي رسوم مالية من خلال شبكة الانترنيت ، التي توفر للجمهور الامكانية لاستكمال ومعالجة الخدمة الالكترونية كاملة من خلال الموقع الالكتروني، متضمنة القرار بالخدمة والاستلام لها، ولا يتطلب اي اجراء رسمي اخر او تعبأة اية وثائق ورقية من قبل طالب الخدمة.
وهناك مجموعة خدمات يمكن ان تقدم عبر شبكة الانترنيت مثل خدمة الاتصال الفورية بالطبيب ، او خدمة الحصول على مساعدة من الشرطة او الشركات الأمنية لتامين الدور والمحلات او الإطفاء ، ولكل من هذه الإجراءات نظام اليكتروني ، كتطبيق يمكن تحميله على الهاتف المحمول الشخصي او حاسبة المنزل .
ما يهمنا في كل ما تقدم هو إيجاد حالة عدم اتصال مباشرة بين الموظف الحكومي الذي يقدم الخدمة والمواطن الساعي للحصول عليها ، حيث يمكن باستخدام هذه النظم الالكترونية لحوكمة الإجراءات الإدارية في المعاملات العامة اليومية لاغلب الدوائر الخدمية ، بما ينجز العمل بأسرع وقت ومن دون التقابل المباشر بين المواطن الساعي لإنجاز معاملته بسرعة وربما يتعرض نتيجة الحاحه لتوفير الخدمة بوقت مناسب له الى الابتزاز وتقديم الرشوة فقط لانجاز معاملته مقابل عدم الوقوف في طابور الانتظار ، فهذا الأسلوب من اتمتة مراجعة المواطن لمختلف دوائر الدولة كافي بإلغاء الكثير من جرائم الفساد الإداري .
يفترض اليوم بكل من يدعو لمنع الفساد الإداري والمالي وتعظيم موارد الدولة اللجوء الى هذه الحلول التي تبدو ابسط مما كانت عليه من التعقيد اثر تطور هائل في تقنيات الحاسوب ، والخدمات التي يمكن تقديمها من خلال شبكة الانترنيت فلا يمكن الغاء رسوم او تخفيضها لأسباب تتعلق برغبة الموظف الشيء بالاستحواذ على المال العام ، فالإجراءات كلها مسجلة على شبكة الانترنيت ولايمكن لاي طرف كان التدخل فيها ، سؤال يبقى يطرح نفسه لماذا حتى اليوم لم يستطيع واضعوا السياسات العامة للدولة الاتيان بمثل هذه الحلول ؟؟

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *