الشفافية .. حاجة ام وسيلة ؟؟

د. لبنان الشامي
26 ايلول 2020
رغم التحديات والصعوبات ، فان الحديث عن الشفافية يراه البعض صعباً، وآخرين مستحيلاً، كون الشفافية وسيلة لغاية أكبر في تعزيز النزاهة ومحاربة الفساد، ومفاهيم مجتمعية لا تزال قاصرة عن استيعاب قيمة الشفافية والبناء عليها في المواقف والتوجهات، لذلك نرى تضارب المصالح السياسية يوسع فجوة الثقة بين المواطنين بسبب نوع الفجوة في شفافية تداول المعلومات ،مما يؤكد فشل إدارة الازمة الإعلامية من النواحي الأمنية والاقتصادية والإدارية في بلد تتعارض فيه الشائعات حسب كل قاعدة (كل حزب لما لديهم فرحون ) كون وسائل الإعلام هي جزء من هذه الشراكات المجتمعية في تعزيز قيم الشفافية، وأكثر من يعوّل عليها اليوم في كشف التجاوزات، والاختلاسات، وتعرية الثغرات التي ينفذ من خلالها الفساد، ولكن السؤال الكبير هل وسائل الإعلام في المملكة قادرة على هذا الدور؟، وهل هناك ضمانات كافية لممارسته؟، أم أن هذا الدور لا يزال اجتهادياً في سلوكه، ، مرتبكاً في تقييمه، متسرعاً في الحكم عليه في توقيته وتداعياته؟.
لذلك ساهمت التغيرات التي شهدها واقع الاتصال الجماهيري في تعدد البدائل الاتصالية المتاحة حيث أدت هذه التغيرات بفضل التطورات التقنية والمهنية التي سادت هذا المجال إلى تزايد استخدام وسائل الاتصال غير التقليدية، وبالذات استخدام شبكة الإنترنت، إلى جانب تلاشي الحدود الفاصلة بين أنماط ووسائل الاتصال المختلفة.
الهدف الكبير في محاربة الفساد ان تكون وسائل الإعلام شريكا استراتيجيا في تعزيز قيمة الشفافية مع مؤسسات المجتمع، وجوهر هذه الشراكة هي المعلومة، والإفصاح عنها بين وسائل الإعلام ومصادر المعلومات وتأخذ أربعة مستويات من الشراكة:
ـ نموذج تقليدي: من خلال الاعتماد المتبادل بين الوسيلة والمصدر، من خلال نشر وسائل الإعلام للمعلومات التي ترد إليها من المصدر، أو البحث عنها بالتنسيق مع المصدر ذاته من دون أي انتقاء او تحيز مفترض .
ـ نموذج توفيقي: ما بين وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع، من خلال سعي تلك الوسائل إلى نشر المعلومات المثارة في المجتمع، والرد عليها من مصادرها، بأسلوب النقد البناء من دون أي تجريح او ازدراء
ـ نموذج مدافع: يعبّر بمستوى التوحد الذي يشير إلى قوة المصدر، وسقوط حدود القيم والأدوار بين المصدر والوسيلة، وهو النموذج الساعد في اعلام أحزاب مفاسد المحاصصة
ـ نموذج مبادر : وهو الذي يعتمد على ابراز الاستقلالية بين الوسيلة والمصدر، حيث لا يوجد تأثير لأيهما على الآخر، ويبرز معها دور وسائل الإعلام في استقصاء المعلومات من أكثر من مصدر، والبحث عنها بوسائل متعددة، بهدف نشر تلك الحلول المفترضة للمعالجة.
كل ذلك يعتمد على اتاحة المعلومة للمتلقي عبر مختلف وسائل الاعلام ، وهذا يؤكد في الدستور العراقي وفي مواثيق حقوق الانسان الأممية أهمية حرية التعبير القائمة على مبادئ الاستقلالية، والاعتمادية، والمصداقية، والمعالجات النقدية، وحرية الاختيار، والتنوع، والقابلية للتغيير.، والتي لابد وان تنهض من خلال برامج إعلامية لا تقوم على انتقاء معلومات معينة وتجاهل أخرى، فتغادر الموضوعية، وتلغي الحيادية، والالتزام بالحقيقة، والنزاهة ، وهذا يعني بالتأكيد العمل ضد المصلحة الوطنية المعبر عنها في هوية وطنية قائمة على عقد دستوري للحفاظ على وحدة المجتمع وعدم إثارة صفه المتماسك، وتعزيز قيم الولاء، والهوية، واستقلالية العدالة، واحترام الأنظمة.
ويبقى السؤال المطروح ما الذي يعيق وسائل الإعلام في التعبير عن المعلومات بشفافية ووضوح، والجواب: أن حرية التناول والنقد في وسائل الإعلام العراقية ما زالت تحتكم إلى اجندات أحزاب سلطان الحكم من جهة، وقيم وثقافة المجتمع من جهة أخرى، وتحرص وسائل الاعلام العراقية استحضار كل منهما في ممارسة المهنة الإعلامية لكسب الجمهور ، لكن مع الأسف هناك من يخل بهما، أو القفز عليهما، وهو ما يتأكد أيضاً من رغبة وسائل الإعلام في عدم تناول عدد من القضايا التي تثير حساسية ، مع سعيها أثناء معالجاتها الإعلامية لهذه القضايا إلى العرض المحايد الامر الذي غادرته كثير من وسائل الاعلام اليوم ..

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *