العراق بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني

فرهاد علاء الدين
07 كانون الثاني 2020
ان ما حصل من الهجوم الصاروخي الأمريكي في مطار بغداد الدولي على موكب قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس ومرافقيهم والذي أدى الى استشهادهم جميعا كان خرقا كبيرا للسيادة العراقية واعتداء سافر على العراق، لقد كان الشهيدين بالنسبة للكثير من العراقيين ابطال معارك التحرير ضد داعش واستشهادهم بهذه الطريقة كان له وقع مرير في النفوس العراقية.
تعالت أصوات الاستنكار وتوالت بيانات التنديد بالحادث المروع ومابينهما من هياج للمشاعر على نحو لافت، والتي بلغت الإصرار على دعوة مجلس النواب لعقد جلسة استثنائية لمناقشة تداعيات الهجوم وما آل أليه والتصويت على إخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، لكننا لم نرى جلسة في هذا الإطار بقدر مارأينا عرضا لشعارات وهتافات عكست النقمة المتزايدة ضد الأمريكان، وسط غياب كوردي و سني كبير وهذا يعني ان ممثلي المكونات العراقية لايلتقون عند ذات النتيجة التي خلفها الهجوم داخل نفوس من حضر وصرخ عاليا مستنكرا ومنددا ورافضا لما اقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية.
حضر الجلسة رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي وقرأ فيها رسالة مطولة كتبها مسبقا ويشرح فيها الأسباب القانونية واللوجستية والعسكرية لتواجد قوات التحالف وعلى رأسها القوات الامريكية، وفي ختامها اقترح على مجلس النواب انهاء تواجد القوات العسكرية الأجنبية، لكن مجلس النواب أهمل خطاب رئيس مجلس الوزراء كليا و اقترح قرار برلماني يتسم بمزيج من النقاط يلزم فيها الحكومة بتنفيذ بنود القرار برغم علمه المسبق بأن قرارات مجلس النواب غير ملزمة للحكومة في الأساس. كما أن المجلس لم يناقش تداعيات الحادث من الجوانب السياسية والقانونية والعسكرية والاقتصادية على العراق ومحاولة تدارك حقيقة ان المنطقة اصبحت على شفا حرب كبرى وصفها الكثيرون بأنها قد تكون الحرب العالمية الثالثة.
طبول الحرب تقرع من جديد
وقع الهجوم على ايران كان صاعقا، لإنها فقدت احد اهم رموزها القيادية والذي يعتبر واحدا من أقوى رجالاتها ممثلا بالجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الشهير ومجموعة من ضباطه، لذلك تسيدت لغة الانتقام والثأر الخطاب السياسي والإعلامي وعلى مختلف المستويات من قيادات الصف الأول، وبما يتناسب وحجم الخسارة الكبيرة. حتى أن المرشد الأعلى اية الله العظمى السيد الخامنئي هو من تولى ملف الرد شخصيا والتلويح بقسوة وفداحة هذا الرد على المصالح الأمريكية في المنطقة، بل أنه سارع الى ترؤس اجتماعا عاجلا للأمن القومي الإيراني وأختيار البديل لقيادة فيلق القدس. كما أشرف على مراسم العزاء وشارك في اقامة صلاة الجنازة على جثامين الضحايا، والأهم من هذا كله انه وعد بالرد والانتقام لدم سليماني ورفاقه. في مقابل ذلك اطلق الرئيس الأمريكي تهديدات كثيرة بالرد على ايران في حالة تعرضها للمصالح والقواعد الامريكية، وتحرك وزير الخارجية بومبيو بدوره لإجراء إتصالات عاجلة مع زعماء دول المنطقة لشرح الموقف الأمريكي ووضعهم في صورة الهجوم والمسوغات الداعية له، الى جانب إعتماد لغة التصعيد في ضرب ايران وبقوة. وأعلن الرئيس الأمريكي عن رصد وتحديد نحو ٥٢ هدفا ايرانيا سيتم ضربه في حال الرد عسكريا على أي هجوم متوقع. في اشارة هنا الى عدد رهائن حادث اقتحام السفارة الأمريكية في طهران نهاية السبعينات عقب الإطاحة بنظام الشاه.
ليس خفيا بأن لدى ايران خيارات عدة بإمكانها استخدامها في حال أندلاع الحرب، من بينها قوى وفصائل مسلحة تدين لها بالولاء في اليمن ولبنان و سوريا والعراق وأفغانستان، كما تمتلك اطلالة واسعة على مياه الخليج ومضيق هرمز، الى جانب امتلاكها لترسانة حربية لايستهان بها، مقابل العديد من الأهداف الأمريكية في المنطقة، وهذا مادفع أمين المجلس الاعلى للأمن القومي الايراني علي شمخاني للإشارة اليها بوضوح بقوله ” هنالك بالإجمال 19 قاعدة من ضمنها 11 قاعدة رئيسية تعد قواعد قيادة اميركية في المنطقة وتقع على بعد مسافات قصيرة من الحدود الشرقية والغربية مع 8 قواعد عسكرية اميركية في شمال وجنوب البلاد هي الان في وضع طارئ ونحن على علم بالإحصائيات الدقيقة لعدد عناصرها ومعداتهم العسكرية ونرصد ادنى تحركات لهم” أضافة الى أهداف أخرى بطبيعة الحال.
كما أشار شمخاني الى سيناريوهات عدة لضرب أمريكا بقوله “لدى ايران 13 سيناريو للرد على اميركا ثأرا لدم قائد فليق القدس السابق قاسم سليماني أدناها سيكون كابوسا تأريخيا لأميركا” مامعناه ان ايران تعد العدة لضرب أمريكا و أمريكا بدورها لم تخفي عزمها إعادة الرد بلا هوادة.
ان توقيت اندلاع الحرب او على الأقل الضربة الإيرانية المتوقعة ليس معروفا لكن هناك القليل من المراقبين ينفون وقوعها بحسب اعتقادهم، برغم أن القيادات الإيرانية وعلى رأسها المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية وقادة المؤسسات العسكرية والأمنية كلهم وعدوا بالثأر طبقا لجسامة الخسارة التي آلمت أيران بكل مفاصلها.
العراق الضحية
في الوقت الذي تتبادل ايران و أمريكا التهديدات، يستعد العراق بكل اطيافه لحرب لا ناقة له فيها ولاجمل، ذلك أن طرفي النزاع لايكترثان لما قد يحل بالعراق وشعبه،
مراقبون يتفقون على ان العراق هو الحلقة الأضعف في الصراع الدائر والأكثر ضعفا في المواجهة المرتقبة، وقد ساهم القادة السياسيون في العراق بشكل مباشر في اضعاف دور العراق من خلال تخليهم عن مسؤولية تكثيف وتوحيد الجهود الرامية لوحدة الموقف والتصدي معا للأثار المتوقعة للنزاع الدائر بين الطرفين منذ سنوات، فهم منقسمون بين مؤيد لإيران وآخر لأمريكا وثالث اتخذ موقف المتفرج تحت ذريعة الحياد او محاولة النأي بالنفس.
قوى شيعية متنفذة ومسلحة جميعها وقفت منذ البدء مع ايران ضد أمريكا وتوعدت الامريكان بإخراجهم من العراق ومقاتلتهم في حال إندلاع الحرب، في حين أنقسمت قوى أخرى بين من لاذت بالصمت وبين من عارضت على استحياء كون العراق لايقوى على مثل هذه المواجهة وهي تمثل قلة قد لاتؤخذ بالحسبان.
الكورد من جانبهم لايتشاركون التوجه القائم لقادة الكتل الشيعية، فهم يرون ان الوضع الراهن لكوردستان والصراع الإقليمي والدولي لا يخدم المصلحة العليا للعراق ولأهل كوردستان، ولا يرون سببا مقنعا يبرر أدخال العراق كطرف في الصراع القائم والمواجهة المرتقبة وبأي شكل من الاشكال، كما أنهم يرون ضرورة تواجد قوات التحالف في العراق واستمرار الدعم اللوجستي والمادي الذي يتلقونه منها ضمن برامج متعددة تشمل التدريب والجهد الاستخباراتي وتوفير الغطاء الجوي والتسليح أحيانا في محاربة داعش. وهم لايملكون بديلا عن كل هذا الدعم. في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الكوردي من ركود غير مسبوق ولا يتحمل أية تحديات جديدة وفي مقدمتها فقدانه لموارده النفطية، وهذا مايتهدد العراق أيضا بطبيعة الحال.
المكون السني لم يعلن بشكل واضح موقفهه، لكن عدم مشاركة أغلبية كتله البرلمانية في الجلسة موضوعة الحديث، دليل لا يقبل الشك بأنه لا يرى خروج القوات الامريكية في صالحه وان خطر داعش على مناطقهه وأهله في المناطق المحررة مازال قائما، والقوى السنية ترى من جانبها أيضا بأن القوات العراقية بوضعها الحالي غير قادرة عن مليء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب قوات التحالف.
عواقب الانحياز لأي من طرفي النزاع
ان الانقسام في الرؤى والمواقف للكتل والقيادات السياسية يضع العراق على حافة الانهيار، في حال انحياز العراق لاحد طرفي النزاع ويحمله عواقب وخيمة. ذلك أن كل من ايران وأمريكا لديهما آليات عديدة لمعاقبة العراق بشكل مباشر وغير مباشر، حيث لإيران ذراع عسكري داخل العراق وبإمكانه مواجهة أي حزب او قائد سياسي يقف مع الجانب الاخر، كما انه لديهم ما يكفي من أدوات الضغط السياسي بان ترغم أي جهة على الإذعان من خلال التعبئة الإعلامية والضغط السياسي، كما أنها لها اليد الطولى داخل أروقة القرار العراقي الحكومي والسياسي والبرلماني وبإمكانها استخدام قبضتها طبقا لمصالحها وقتما تشاء.
اما أمريكا فإنها لم تخفي شعورها في حالة كون العراق طرفا مع ايران، فقد لوح الرئيس الأمريكي الى أنه “سيفرض عقوبات اقتصادية صارمة على العراق”، ومن امثلة هذه العقوبات هي قطع تدفق السيولة النقدية من الدولار وخصوصا أن الدخل القومي العراقي من مبيعات النفط بأكمله هو تحت سيطرة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اضافة الى قطع العلاقات المصرفية الامريكية مع المصارف العراقية والبنك المركزي، وحضر التعامل مع الدولار، رفع الحصانة عن الأموال والأصول العراقية في الولايات المتحدة، بالإضافة الى قطع التعاون العسكري والاستخباراتي ورفع الغطاء الجوي عن العراق، ليصبح العراق فريسة سهلة لأطماع دول الجوار او من تنظيم داعش.
في نفس الوقت، اذا اصبح العراق طرفا ضد الاخر، فيصبح العراق مسرحا لأي حرب او ضربة عسكرية يشنها أي من الطرفين ضد الاخر، ولا يخفى ان العراق ليس في موقع الدفاع عن النفس ضد احدى هاتين القوتين و بهذا سيتلقى الضربات دون ان يكون له إمكانية الرد، ليصبح الضحية بلا سند لأنه اصبح خصما لأحد الطرفين.
القول في ماقالته المرجعية
وصفت المرجعية الوضع الراهن بشكل دقيق في خطبة الجمعة يوم ٣ كانون الثاني ٢٠٢٠ عندما قالت ” تتسارع الاحداث وتتفاقم الازمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات…. ان هذه الوقائع وغيرها تنذر بأن البلد مقبل على اوضاع صعبة جداً، وإذ ندعو الاطراف المعنية الى ضبط النفس والتصرف بحكمة”
ان المرجعية محقة في وصف الأوضاع المقبلة بالصعبة جدا و مرور البلد بأخطر المنعطفات، فهي تناشد الجميع بضبط النفس ومعناه عدم الانجرار وراء العواطف وأنما التفكير بمصلحة العراق أولا، والتصرف بحكمة معناه تقييم شامل للأوضاع قبل اتخاذ أي قرار. في ظل هذه الارشادات على قادة العراق التفكير جليا بما تمليه عليهم مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية في هذا الصراع وعليهم ان لاينسوا بأن من أولى مهامهم حماية مصالح العراق والدفاع عن أرضه وشعبه أولا وأخيرا، ولايمكنهم المغامرة بالعراق حاضرا ومستقبلا من أجل عيون الأخرين.
من الضروري ان تجتمع الرئاسات الثلاث بالإضافة الى السلطة القضائية وقادة الكتل السياسية بكل اطيافهم وممثل المرجع الأعلى، والاستئناس برأي قادة النخب الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتدارس الوضع الراهن وتدارك المخاطر المحدقة بالعراق، لأنها مسؤولية الجميع دون استثناء أو تهميش او أقصاء لأي فئة أو كتلة او مكون، فالعراق التعددي الديموقراطي الفيدرالي هو عراق الجميع، ومسؤولية حمايته تقع على الجميع على حد سواء.
هنا تجدر الإشارة أيضا الى ان كلا الطرفين الأمريكي والايراني لا يحسبان أي حساب للعراق عدا كونه أداة او عامل متمم لمعادلة معقدة، حيث نرى ان الضربة كانت على ارض عراقية وراح ضحيتها قائد عسكري وسياسي عراقي رفيع المستوى، لكن الوفود والتعازي والمواساة تتوالى على ايران، وكذلك الحال مع أمريكا ودول أخرى والتي تبعث بوفود ورسائلها السرية والعلنية الى ايران تتوسلها بعدم اتخاذ أي اجراء عسكري ! من دون أن يتلقى العراق أية أشارة تواسيه بما أرتكب على أرضه وقدمه من ضحايا جراء هذا الأعتداء الصارخ على أرضه وسيادته !! وكأنه لابواكي له، في حين نرى أن أيران تطلق تهديداتها بالثأر والأنتقام لمصرع رجالها ، بل وتعلن استعدادها لاستئناف التفاوض على الملف النووي. نحن امام طرفين يتحدثان علنا وبوضوح عن مصالحهما وبطولاتهما وابطالهما، إلا العراق وضحاياه ومعاناته المتفاقمة من الصراع القديم الجديد والذي وضعه بين المطرقة الأمريكية والسندان الأمريكي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *