القوى السياسية ومسؤولية تدارك الإنهيار

فرهاد علاء الدين
الجمعة 27 كانون الاول 2019
أعلنت المرجعية العليا وعلى غير عادتها في بيان نشر يوم الخميس: “لن تكون للمرجعية الدينية في يوم غدٍ الجمعة خطبةٌ تتناول الشأن السياسي”، ليتبين فيما بعد أن صدى صمت المرجعية عن الشأن السياسي ليوم الجمعة كان أقوى بكثير من خطبها التي بدت وكأن القوى السياسية لا تريد أن تسمعها! برغم غرقها في لجة البحث عن مخرج آمن للوضع السياسي من محنته الراهنة.
المشهد السياسي أصبح أكثر تعقيداً بعد “اعتذار” رئيس الجمهورية عن تكليف المرشح الثاني لكتلة البناء، وسط إصرارها على ترشيح من تراه مناسباً لتشكيل الحكومة باعتباره حقاً دستورياً كونها الأكثر عددا طبقاً لرسالة مجلس النواب العراقي إلى رئيس الجمهورية، برغم أن هذا الإصرار يتجاهل رفضاً واسعاً من جهات سياسية مؤثرة وكذلك من قبل ساحات التظاهر والاعتصامات في مدن وسط وجنوب العراق بل وفي المقدمة منها ما تطالب به مرجعية النجف الأشرف.
لقد كان العرف السياسي السائد في الماضي القريب يقضي بأن على الكتل السياسية أن تجتمع للتداول بشأن أبرز الشخصيات التي تراها مناسبة للمنصب ثم يتم عرض المرشح المتفق عليه مبدئياً على الجهات المعنية الداخلية والإقليمية والدولية، بهدف الحصول على مباركاتها، ليبدأ التفاوض حول تقاسم المناصب والمواقع التنفيذية، وبعد الاتفاق النهائي والأخير بين تلك الكتل يتم تمرير المرشح التوافقي داخل مجلس النواب ليحظى بموافقة الجميع دون اعتراضات تذكر.
لكن الغريب بالأمر هذه المرة أن القوى والكتل الفاعلة مصرة على ما يبدو على تغافل المتغيرات الواضحة والملموسة المحيطة بالمعادلة السياسية، والتي غيرت قواعد اللعبة وطرحت قوانينها الجديدة وإضافة لاعبين مؤثرين الى المشهد القائم منها:
استمرار ومواصلة التظاهر والاعتصام بوتائر متصاعدة ودخول المتظاهرين للمشهد السياسي بات جزءاً مهماً من المعادلة على نحو لايمكن تغافله.
استخدام القوة المفرطة واستمرار عمليات القتل والخطف والإخفاء القسري للناشطين المدنيين العزل وبحصيلة إجمالية بلغت نحو 520 شهيداً وأكثر من 20 ألف جريح بينهم 1900 معاق خلال 80 يوماً، بحسب المفوضية العليا لحقوق الأنسان في العراق، خلفت جواً سياسياً متوتراً وناقماً على مستوى الشارع والقابل للانفجار بين ساعة وآخرى.
انفراط العقد السياسي الذي تشكل بموجبه الحكومة الحالية وانسحاب بعض الكتل و الأحزاب عن الائتلافات السياسية المعلنة، وسط تصاعد حدة الخلافات حيال أسماء المرشحين لتشكيل الحكومة المرتقبة.
اشتداد الصراع بين إيران وأميركا هذه المرة على غير العادة، بعد أن كان التوافق بينهما سواء بالسر أو بالعلن يفضي إلى تمرير المرشح المتفق عليه في نهاية المطاف.
ولعل العامل الأهم هو ضعف إمكانية الأحزاب المتنفذة بالخروج من التفكير التقليدي وافتقارها لإرادة الإقرار بالواقع الجديد إلى جانب التناقض الحاد في الرؤى والطروحات، فهي من جهة تتماهى مع تلبية شعارات التظاهر بقبول استقالة الحكومة وتمرير قانون انتخابي جديد واختيار مفوضية عليا مستقلة للانتخابات من القضاة، وتلبية مطالب المحتجين بالشروع بتوزيع قطع الأراضي السكنية وفتح أبواب التعيين بالجملة للعاطلين عن العمل والخريجين وغيرها من الإجراءات، ومن جهة أخرى يتغافلون عن عمد استمرار حركة التظاهر والاحتجاجات الشعبية عند اختيار وتسمية المرشح الجديد لتشكيل الحكومة طبقاً لمصالحها دون الالتفات إلى ما تنادي إليه المرجعية والشارع على حد سواء، بل تصر تلك الأحزاب على فرض مرشحها حتى وإن كان مرفوضاً من حراك دفع أرواحاً ودماءً على مدى قرابة الثلاثة أشهر ومازال! لذا فإن هذا التناقض في الموقف والسلوك سيفضي إلى نتائج كارثية دون الالتفات على ما سيحل بالبلاد.
لقد آن الأوان لقيادات البلد أن تفكر بشكل عميق ومسؤول، لأن الخطر على الأبواب وقد ينزلق العراق إلى منحدر التصادم ليحرق الأخضر واليابس، ويخطئ من يظن أنه معصوم من الحريق القادم حتى وإن كان يمتلك الرجال والسلاح والمال!
طرح عدد كبير من المفكرين والباحثين حلولاً جذرية للأزمة الحالية ومن الممكن تبني أحداها أو بعضها للخروج بخارطة طريق واحدة تضع البلد على المسار الصحيح، لقد مرر مجلس النواب قانونين مهمين، قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وقانون الانتخابات النيابية وكلاهما ضروريان للمرحلة القادمة، ولا بد للقوى السياسية أن تجتمع للتوافق على مرشح يحصل على موافقة الأغلبية (وليس الكل) من الكتل السياسية ليتولى مسؤولية المرحلة القادمة. وهنا أود أن أذكر بما نشرته في مقال لي في ١٧-١١-٢٠١٩ تحت عنوان “المرجعية تناشد والسلطة تماطل، فهل فات الأوان ؟”
“إن الطريق الأنجع والأسرع لرسم خارطة طريق تكون موضع قبول واسع لدى شرائح وأوساط المجتمع يتمثل بجمع كل الأفكار والمقترحات المطروحة من قبل مختلف الجهات وتكليف فريق متخصص مكون من الخبراء والآكاديميين وممثلي النقابات ومنظمات المجتمع المدني، لدراسة وتحليل المضامين المطروحة والتوافق على خارطة واحدة تلبي ما ذهبت إليه المرجعية العليا والتي كانت انعكاساً حقيقياً لمطالب حركة الاحتجاجات الشعبية التي سادت مدن وسط وجنوب العراق على نحو مخيف ويبعث على القلق، وبالتالي إنقاذ حاضر البلاد ومستقبلها”.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *