المشهد الثالث: الإشراف الأممي ظاهره طلب عراقي وباطنه تسويف

فرهاد علاء الدين
17شباط 2021
أكدت المرجعية العليا في النجف الأشرف في 13 أيلول 2020 بان “الإنتخابات المبكرة ليست هدفا بحد ذاتها وإنما هي المسار السلمي الصحيح للخروج من المأزق الراهن الذي يعاني منه البلد نتيجة لتراكم أزماته سياسياً واقتصادياً وأمنياً وصحياً وخدمياً وغير ذلك ….. لا بد من أن تجرى وفق قانون عادل ومنصف بعيداً عن المصالح الخاصة لبعض الكتل والأطراف السياسية، كما لا بد من أن تراعى النزاهة والشفافية في مختلف مراحل إجرائها، ويتم الإشراف والرقابة عليها بصورة جادة بالتنسيق مع الدائرة المختصة بذلك في بعثة الأمم المتحدة”.
تأكيد المرجعية العليا واضح، فهي تطالب بإجراء الإنتخابات المبكرة، وان الموعد المبكر ليس هدفاً، وإنما تصحيح لمسار أمتد طويلاً لعدة سنوات شهدت تراكم أزمات مازالت بإنتظار حلول ومعالجات حقيقية، في ذات الوقت دعمت ضرورة توفر الإشراف والرقابة بصورة جادة بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة.
وبشأن الإشراف الدولي فقد انقسمت مواقف القوى السياسية، وبحسب آراء وبيانات الأحزاب وقادتها ذهبت بعض القوى السياسية نحو الطلب من مجلس الأمن إرسال بعثة مستقلة بموازنة خاصة لاعلاقة لها ببعثة يونامي العاملة في العراق، تكون مهمتها مراقبة الإنتخابات. في حين ترفض قوى أخرى الإشراف الأممي والمراقبة الدولية واصفة هذه الخطوة بأنها تشكل وصاية جديدة على العراق وتدخل في شؤونه السيادية. وإزاء هذا الإنقسام، وجدت حكومة الكاظمي نفسها مضطرة الى الذهاب الى مجلس الأمن الدولي لطلب المراقبة الدولية، والذي جاء عبر رسالة وزارة الخارجية في 15 شباط المعنونة الى مجلس الأمن تطلب فيها مراقبة دولية ترأسها بعثة الأمم المتحدة يونامي ويشارك فيها مراقبون من عدة دول.
الإشراف الأممي أم المراقبة ؟!
إعتاد القادة والزعماء اصدار بيانات دعم ومساندة لكل ما تطرحه المرجعية من أراء ومواقف سياسية او إجتماعية ذات الصلة بطبيعة الإداء السياسي والحكومي وعلى نحو خاص كل مايتصل بإدارة الدولة، لا بل أن بياناتهم تذهب الى ابعد ما تطالب به المرجعية في بعض الأحيان، لكنها سرعان ماتتوارى خلف التنصل والتسويف والمماطلة عندما يحين موعد التنفيذ الفعلي لتلك المطالبات.
بعد تأكيد المرجعية العليا مطالبتها بالإشراف الأممي، ايدتها على الفور الرئاسات الثلاث، إذ قال رئيس الجمهورية برهم صالح في بيان له في 20 آب 2020 ان “إجراء انتخابات مبكرة حرة ونزيهة، يستوجب تعاونا أمميا مع المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات، فضلا عن إشراف المراقبين الدوليين”. في حين شدد رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي في 1 تشرين اول 2020 على إصراره “بضرورة أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة وبعيدة عن سلطة الأحزاب والميليشيات المسلحة وتحت إشراف دولي” وأعلن رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي من جانبه وبعد لقاء السفير الأمريكي في 3 كانون الاول 2021 عن “ضرورة إشراف الأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالشأن الإنتخابي لتحظى بقبول شعبي وسياسي ودولي”. فالرئاسات الثلاث متفقة مع رأي المرجعية بأن تكون الإنتخابات تحت إشراف دولي.
موقف قادة وزعماء القوى السياسية أختلف بين مؤيد ومعارض، فرئيس تحالف عراقيون عمار الحكيم ذهب الى تأييد الإشراف والمراقبة شريطة عدم المساس بسيادة العراق. أما زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فقد أوضح في 10 شباط 2021 ” أطلب تدخل الأمم المتحدة للإشراف عليها…. الإشراف الأممي على الانتخابات المبكرة مرغوب به”. في حين إختار رئيس دولة القانون نوري المالكي معارضة الإشراف الأممي “بشكل قاطع” وأعتبره “خطير جدا” لأنه “يمثل خرقاً للسيادة الوطنية” فيما ابدى موافقته على المراقبة فحسب. تحالف الفتح بوجه عام لم يكن مع الإشراف الأممي، حيث حذر زعيم حركة عصائب اهل الحق قيس الخزعلي في 19 كانون الاول 2020 بقوله ” نحذر من الإشراف والتدخل التفصيلي في الإنتخابات النيابية المقبلة….. لا بأس برقابة فقط… أما الإشراف فهو مسألة خطيرة” ، وهذا الموقف يتوافق مع موقف إيران الذي عبر عنه مستشار المرشد الأعلى علي اكبر ولايتي بعد لقائه ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في 31 كانون الثاني 2021 في طهران حيث اعتبر الإنتخابات القادمة في العراق مصيرية و دعا الى “عدم تدخل الأجانب والدول الاجنبية في شؤون العراق”.
الأحزاب السياسية والرئاسات ترضخ
عقدت القيادات السياسية عدة إجتماعات موسعة شاركت فيها الرئاسات الثلاث والمفوضية العليا للإنتخابات وبعثة يونامي في العراق، وتم تداول موضوع الإشراف الأممي مطولا، وطرحت مقترحات من بينها ان يكون الإشراف من قبل بعثة خاصة خارج بعثة يونامي ولهذا السبب يجب اصدار قرار من مجلس الامن الدولي بهذا الشأن مع تخصيص مالي يقارب أربعين مليون دولار للبعثة الجديدة. الحكومة العراقية اجتمعت بسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الامن لمناقشة هذا الطلب، والبحث عن الآلية التي يتم بموجبها تخصيص الأموال ومساهمة الدول المانحة. ونتيجة لتلك المباحثات قررت الحكومة إرسال رسالة بهذا الصدد، لكنها سرعان ماتراجعت عن موقفها.
أستمر الضغط المعارض للإشراف الأممي لغاية الاتفاق بين الحكومة المتمثلة بمجلس الوزراء ووزارة الخارجية والقوى السياسية الفاعلة على اعداد صيغة اكثر مرونة واقل سطوة من الإشراف الأممي لتصبح الرقابة الدولية من خلال بعثة اليونامي. وهذا يعني تقليص دور المراقب الدولي الى مجرد المراقبة في يوم الانتخابات واجراء زيارات ميدانية لمجموعة مراقبين أجانب للمراكز الإنتخابية في عدد من المحافظات، ومن ثم اعداد تقرير يؤيد نزاهة الإنتخابات والإشارة الى المخالفات التي تصادفهم خلال زياراتهم الميدانية.
اما دور بعثة اليونامي فسيكون أكثر من المراقبة حسب مصدر مطلع، فهي ستواكب اعمال المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات عن كثب وتتبادل الآراء والأفكار معها في جميع مراحل الانتخابات، وستكون على تواصل دائم مع المفوضية ومكتب رئيس الوزراء ورئاسة الجمهورية، وستدعم المفوضية فنيا ولوجستيا، خاصة ما يتعلق بتذليل العقبات والتفاوض مع الشركات والمتعاقدين لتطبيق النظام الانتخابي وتجهيز مكائن العد والفرز واختيار الشركة الفاحصة وغير ذلك من وسائل الدعم الفني واللوجستي.
لاشك أن القوى السياسية لا تريد أن تحظى الإنتخابات المرتقبة بإشراف خارجي ومراقبة حقيقية، لأنها تعلم علم اليقين بأن الإنتخابات لن تكون نزيهة بشكل مطلق وستشوبها مخالفات وخروقات كسابقاتها، لذلك فهي تصر على رفض أي مراقبة دولية مخولة بالتحقيق. وأن جل ما تريده تلك القوى من المجتمع الدولي أن يبصم لها على النتائج النهائية التي ستسفر عنها الإنتخابات من دون رصد ومتابعة وتوثيق ومسائلة. لكن اللافت ان الحكومة الحالية وهي حكومة أزمة وتشكلت على أساس تلبية المطالبة بإجراء إنتخابات مبكرة بإشراف اممي حسب ما طلبت المرجعية، ولكنها تناغمت مع إرادة القوى السياسية الحاكمة في تقليص دور الإشراف الأممي، بعد استبدال طلبها الى المراقبة الشكلية فحسب. من المهم الإشارة هنا الى أن عامل التغيير في الإنتخابات ليس المراقبة الدولية لوحدها، إنما تتحقق بالمشاركة الواسعة وخصوصاً الشباب الذين عزفوا عن المشاركة بالانتخابات السابقة. لذا فأن حجم مستوى الإقبال كفيل بتغيير قبضة الأحزاب الحاكمة وإحداث التحول المنشود في المشهد السياسي الراهن.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *