مشاهد ما بعد تأجيل الانتخابات ـ المشهد الاول

فرهاد علاء الدين
26 كانون الثاني 2021
المشهد الأول: تأجيل انتخابات حزيران تمهيد لعقدها في ربيع 2022.
في ظل الاتفاق المفاجئ للقوى السياسية على تأجيل الانتخابات المبكرة والتي كان من المقرر اجراؤها في السادس من حزيران 2021 الى العاشر من شهر تشرين الأول 2021 فان الوضع السياسي سيكون منفتحا على احتمالات عدة. في مقالنا هذا سنتناول قراءه متأنية للاحتمالات المترقبة حتى حلول الموعد الجديد ان لم تكن هناك مفاجأة جديدة قد تذهب بالانتخابات المرتقبة الى موعدها الدستوري في 19 تموز 2022 او قبل ذلك بقليل.
بعد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الماراثونية بين الرئاسات الثلاث والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، الى جانب القوى السياسية الفاعلة والتي افضت الى الايعاز للمفوضية العليا بتأجيل الانتخابات وبالتالي اذعنت المفوضية لهذا الخيار واقترحت على مجلس الوزراء موعدا جديدا والحكومة اقرت الموعد الجديد. وبذلك شعرت القوى السياسية بنوع من الاسترخاء الذي يمكنها من اعادة ترتيب اوراقها استعدادا للانتخابات بموعدها الجديد.
كانت البواعث المعلنة للتأجيل تقع تحت ذريعة عدم إمكانية المفوضية العليا من الناحية الفنية للموعد السابق الذي الزمت حكومة الكاظمي نفسها به. ولكن الحقيقة مغاير لذلك تماما، فالأحزاب السياسية لم تبدأ بالاستعداد لإجراء الانتخابات ولم تعمل منذ ما يقارب ستة اشهر على إزالة عقبات الانتخابات منها حل معضلة المحكمة الاتحادية وتحديد موعد حل البرلمان طبقا للدستور الى جانب إشكالية الاشراف الدولي وتوفير الإمكانيات المالية والادارية اللازمة للمفوضية.
عوامل الضغط
ان تظاهرات تشرين سنة 2019 وما جرى في ساحات التظاهر والاعتصام خلق ضغطا جماهيريا كبيرا على أحزاب السلطة وكان السبب الحقيقي وراء الزام القوى السياسية بإجراء انتخابات مبكرة. بدورها انقسمت هذه القوى بين مؤيد لهذه التظاهرات ورافضة لها. والذي تجلى واضحا باستخدام شتى أساليب القمع والاسكات الممنهج لتلك التظاهرات وما نتج عنها من سقوط مئات الضحايا والاف الجرحى وتغييب وخطف العشرات من الناشطين المدنيين. والتي دفعت المرجعية العليا في النجف الاشرف الى الوقوف الى جانب المعتصمين ومطالبتها باستقالة حكومة عادل عبد المهدي، واجراء انتخابات مبكرة.
المرجعية العليا من جانبها رأت بان الحل السياسي الأكثر مقبولية للخروج من الازمة العاصفة هو تغيير المشهد السياسي بأكمله من خلال الانتخابات، ولذلك فانها اعتبرت الحكومة المنتخبة بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي حكومة مؤقتة وهذا ما ذهبت اليه بقولها “يقوم مجلس النواب القادم والحكومة المنبثقة منه بالدور المطلوب منهما في إجراء الإصلاحات الضرورية للخلاص من تبعات الفساد والمحاصصة وغياب العدالة الاجتماعية في المدة السابقة”.
بات من الواضح ان المرجعية لم تكن راضية عن الأداء السياسي للأحزاب الحاكمة بل انها تعتبر النظام السياسي الحالي غير قادر على اجراء الإصلاحات ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا التوجه لا يتناغم مع مصالح القوى السياسية ونواياها حيث عملت على التسويف والمماطلة بتحقيق مطالب المرجعية والالتفاف حولها، وهنا يكمن سر ما دأبت عليه الأحزاب خلال الاسابيع الماضية بالضغط على المفوضية ودفعها لتأجيل الموعد المفترض. المرجعية بالمقابل التزمت جانب الصمت منذ ان تلمست حقيقة تلك المحاولات ولم تنوه فيما بعد او تطرح رأيا واضحا حول ما يجري خلف الكواليس، وتشير التوقعات بانها ستشجع المشاركة في الانتخابات القادمة بشكل مؤثر.
لقد استطاعت تظاهرات تشرين من هز النظام السياسي وارباكه، حيث أرغمت الحكومة على الاستقالة واجراء تعديلات جوهرية في قانون الانتخابات وتبني نظام انتخابي جديد قد يساهم في استبعاد الكثير من القيادات التقليدية والكيانات التي سيطرت على المشهد السياسي. ولكن بعد ان تم اختراق ثورة تشرين ونزول الأحزاب بخيمها الى ساحات التظاهر ومن ثم تشكيل حكومة أزمة عُرفت بقربها من ساحات التظاهر، فخفت وهج الاعتصام وهدأت نار الثورة وتلاشى تأثيرها المقلق للأحزاب الحاكمة. مما منح الأحزاب فرصة ثانية لالتقاط الانفس والعودة من جديد الى أساليب المماطلة والتسويف.
جدية الموقف والاستجابة
هناك من يرى بان تأجيل الانتخابات الى تشرين الاول القادم مسوغ الى حد ما لتهيئة المتطلبات الفنية واللوجستية وتمكين المفوضية من أداء مهامها على الوجه الأفضل. في ذات الوقت جرى التأكيد بان الموعد الجديد ثابت واصدرت بعض القيادات السياسية على بيانات ترفض التأجيل مرة أخرى. مراقبون يعتقدون بان الأحزاب غير جادة بإجراء الانتخابات المبكرة لعدة أسباب كما يلي:
أولا: حل معضلة المحكمة الاتحادية
بدأت معضلة المحكمة الاتحادية عندما اقرت في 21 أيار 2019 “عدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي اصدرته السلطة الوطنية بالأمر التشريعي رقم (30) سنة 2005” وبذلك الغت حق ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية من قبل مجلس القضاء الأعلى وفي ذات الوقت عطلت الالية الوحيدة الممكنة لتعيين عضو جديد في المحكمة الاتحادية في حال وفاة او تقاعد احد القضاة، وخاصة وان اغلبية الأعضاء هم من الطاعنين في السن.
حاولت القوى السياسية منذ إقرار الدستور في 2005 تشريع قانون المحكمة الاتحادية، لكن الخلافات السياسية حالت دون تلك المحاولة، لان هذا التشريع بحاجة الى تصويت ثلثي مجلس النواب الذي يصعب تحقيقه في ظل استمرار مناكفات سياسية وخلافات مذهبية حول القانون. سعى البعض الى تشريع تعديل المادة ثالثا من قانون رقم 30 لسنة 2005 ولكن هذا المسعى لم يكتب له النجاح بعد، كون الجهات الساعية لهذا التعديل ترغب باستمرار الرئيس الحالي للمحكمة الاتحادية في منصبه لمدة سنتين قادمتين على الأقل، بينما تعارض جهات سياسية أخرى هذ المشروع مما عطل هذا التعديل.
شدد رئيس مجلس القضاء الأعلى في كلمة له بمناسبة يوم القضاء العراقي في 24 كانون الثاني الجاري بان لا يتم تشريع القوانين حسب الامزجة والرغبات والمصالح الشخصية داعيا مجلس النواب الى “تشريع القوانين الخاصة بالقضاء وفق رؤيا مؤسساتية بعيدة عن شخصنة النصوص” وهذا التصريح دليل بان مجلس القضاء الأعلى لديه قناعة بتوجه القوى السياسية نحو استخدام القضاء من اجل المصالح الذاتية والسياسية وليس بدافع بناء المؤسسات الرصينة مثل المحكمة الاتحادية كما ينص عليها الدستور.
احدى الدلائل الجدية لرغبة القوى السياسية في إجراء الانتخابات يتمثل بنجاحها في حل معضلة المحكمة الاتحادية عبر تعديل القانون، وبخلافه فان كل التصريحات المعلنة لا تغني ولا تسمن من جوع.
ثانيا: حل البرلمان
ان اجراء الانتخابات المبكرة تحكمه المادة 64 من الدستور حصراً، وهناك خلاف كبير حول تفسير المادة 64 من الدستور ببنديها الأول والثاني.
المادة 64 أولا تنص على “يُحل مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء”. هناك من يفسر بان حل البرلمان ممكن حله من خلال طلب ثلث الأعضاء وتصويت البرلمان بالأغلبية، اما الشق الاخر هو الحل بطلب من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية دون الحاجة الى تصويت مجلس النواب والدليل على ذلك انه هناك شرط عدم وجود استجواب لرئيس الوزراء عند تقديم الطلب، وهذا الرأي غير متفق عليه.
المادة 64 ثانيا تنص على “يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخاباتٍ عامة في البلاد خلال مدةٍ أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور اليومية”. فثمة رأي في مجلس النواب يفيد بإمكان المجلس حل نفسه في اليوم الذي يسبق موعد الانتخابات، على سبيل المثال لو تحدد موعد الانتخابات يوم 10 تشرين الأول، فيمكن للمجلس ان يحل نفسه يوم 9 تشرين الأول.
والرأي الاخر يفيد بان تحديد الموعد يجب ان يسبقه حل البرلمان، ومن ثم يحق لرئيس الجمهورية تحديد موعد الانتخابات في مدة أقصاها ستون يوما. ما معناه ان الستين يوما تعود الى تحديد الموعد وليس اجراء الانتخابات، حيث من الممكن على سبيل المثال، ان يحدد رئيس الجمهورية موعد الانتخابات بعد ثلاثة اشهر او ستة اشهر ما بعد حل البرلمان.
ان قرار حل البرلمان قرار سياسي خاضع لتوافقات الكتل المهيمنة على المشهد الحاكم، لكن انعدام الثقة بينهم وبين البرلمان والسلطة التنفيذية يحول دون حل المجلس من دون ضمان تحديد الموعد. ذلك ان حل البرلمان سيكون مضراً لبعض القوى التي لا تضمن عودتها الى الساحة السياسية في ظل قانون الانتخابات الجديد. بالإضافة الى ان أعضاء مجلس النواب غير راغبين على الاطلاق في حل البرلمان كونه سيفقدهم المنصب والامتيازات والسلطة.
في ظل غياب المحكمة الاتحادية للبت في الخلاف حول تفسير المادة 64 من الدستور، يبقى الوضع على ما هو عليه مما يعني ان الانتخابات لن تجري في موعدها المبكر وانما سيتم تأجيلها للعام القادم.
ثالثاً: مخاوف من اللاعبين الجدد
ثم مخاوف لدى اغلب القوى السياسية الفاعلة بتوافد لاعبين جدد تأتي الانتخابات بهم، كونهم يمثلون نتاج تظاهرات تشرين او انهم مدعومين من رئيس الوزراء او بعض الشخصيات السياسية النافذة.
حيث انه هناك تخوفاً كبيراً من عدم إمكانية اغلب الكيانات السياسية الحالية من جمع الأصوات الكافية بسبب آلية احتساب الأصوات في قانون الانتخابات الجديد والتصويت الفردي بدل القائمة، حيث ان الشعبية المناطقية سوف تكون العامل الأهم في نجاح أي مرشح، ولا تفيد الشعبية العامة على مستوى البلد، بالإضافة الى ان المرشح يجب ان ينجح لوحده دون الاعتماد على نجاح رئيس حزبه او قائمته.
الأحزاب الجديدة وفي مقدمتها العديد من الناشطين والمتظاهرين، لهم حضور نوعي مؤثر في مناطق نفوذ الأحزاب التقليدية وسيشكلون قوة منافسة لا يستهان بها، مما يعني ان المنافسة ستكون على اشدها في حال تلقي الأحزاب دعما شعبيا بحسب التوقعات. جدير بالذكر بان هذه الأحزاب الجديدة تتواجد في مناطق الناخب الشيعي وتنافس القوى الشيعية ولا وجود لها في المناطق السنية والكوردية.
من الممكن ان نضيف الوضع الأمني والمالي والاقتصادي كعوامل أخرى لتأجيل الانتخابات عن موعدها وسنتداول تلك العوامل في سلسلة مقالات لاحقة.
ان القوى السياسية اثبتت عبر سعيها المكشوف نحو التأجيل الأول بانها لم تكن جادة بإجراء الانتخابات مبكراً، وان عوامل الضغط لإجراء الانتخابات لم تعد قائمة، وعليه فإنها ترى نفسها غير ملزمة بإجراء الانتخابات ما لم تتوفر الشروط الإيجابية لصالحها. واذا لم تعمل القوى السياسية على إزالة العقبات وخصوصا ما يتعلق بالمحكمة الاتحادية واستتاب الامن والاشراف الدولي وغيرها من عوامل نجاح الانتخابات، فان هذه دلالات واضحة على نية القوى السياسية على اكمال الدورة الحالية والعبور الى أواخر ربيع 2022 لإجراء الانتخابات.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *