بين التنظير والتبصير

د.طورهان المفتي
23 شباط 2021
قد يتبادر للوهلة الاولى للقارىء الكريم بأن هذا المقال هو من باب الفلسفة الكلامية وجدال المصطلحات، الا ان واقع الحال مختلف كلياً وذلك لضرورة القاء الضوء على ذلك المصطلحين، فالتنظير والتبصير على طرفي نقيض، كما وان التنظير قد اخذ مأخذه من حياتنا اليومية وبكل تأكيد الحياة السياسية والمجريات الخطيرة للدولة العراقية .
فماهو التنظير وماذا يعني التبصير ؟
التنظير في الغالب الأعم يسبق تقديم النظرية اي ان التنظير هو طرح افكار او فكر معين مع محاولة تحشيد رأي عام لهذا الفكر وغالباً يكون التنظير بعيدا نوعا ما عن مناقشة أليات تحقيق وتطبيق النظرية وانما هو طريقة لتهيئة الاجواء حيث يتم اطلاق النظرية والتي تكون بدورها بنوعين:
النوع الاول: نظريات مسلمة بها مستندة الى بديهيات الحياة مثل نظرية (الخطان المتوازيان لا يلتقيان )
النوع الثاني: نظريات محتملة التطبيق الى حين اكتشاف استحالة تطبيقها، وفي هذه الحالة تقبع النظرية في حيّز التنظير والفلسفة الكلامية مع تجنب النظر في عيون المجتمع للمعرفة البديهية ببقاء النظرية غير مطبقة وضياعها في طوفان التنظير.
كما ان التنظير يكون بتفاصيل متشعبة وعميقة معتمدين بذلك على اسلوب الطرح الدقيق .
اما التبصير فالموضوع مختلف جذرياً، التبصير لا يبحث حول النظريات ولا بالتنظير للنظريات بصورة عامة وإنما يكون التبصير على حالتين:
الحالة الاولى: استبيان خطأ النظرية والتنظير من خلال المقارنة بحالات متشابهة والبحث عن مخاطر ذلك التنظير والفكر فيما اذا عمم على المجتمع ومحاولة تجنيب المجتمع من تقبل هذا التنظير والايمان بتلك النظرية فيما بعد .
الحالة الثانية : تسليط الضوء على نتائج التنظير فيما اذا تحولت الى النظرية ودخلت مرحلة التطبيق فعلي او قبعت ضمن التطبيق الصوري، اي ان التبصير بواقع الامر هو عملية لاحقة وختاميه لما حصل ويحصل نتيجة النظرية وتطبيقها .
وهذا يعني ان التبصير يحتوي في جنباته على مواد ملموسة وعلى نتائج حقيقة وضمن رؤى صحيحة للنتائج في حين يكون التنظير مجرداً من اي ما سبق ذكره ولم يغادر خانة الفضاء الافتراضي مع التركيز على دقة الطرح.
العراق تحت وطأة التنظير
يبدو ان اهم اشكالات الدولة العراقية منذ التأسيس والى الان هي كثرة التنظير مع استجلاب نظريات من خارج البلاد الى داخل العراق من خلال اعجاب اصحاب التنظير لتجارب مجتمعات اخرى (قد يكون هذا ناتج من عدم تبلور فكرة الحدود والشعور المحلي بالمواطنة حيث ان الحدود الاقليمية ورسمها لا تتجاوز قرن من الزمان، حتى ان العائلة المالكة تم استجلابهم من خارج جغرافية ارض الرافدين العراق، وكذلك الكثير من النظريات وطرق تنظيرها مثل المد الشيوعي، الفكر القومي، المد الديني، البعث وعشرات النظريات المقترنة بتنظيراتها) وهنا لابد من ملاحظة ان اجواء البلاد المجتمعية مفتوحة بصورة ملفتة للنظر في تقبل (أصل) الافكار والنظريات ولكن هذا لايعني تطبيق هذه الافكار والنظريات من خلال تنظيرات ممهدة في البلاد، حيث ان المجتمع يتقبل التنظير كافكار ولا يتقبل النظريات كتطبيق في غالب الاحيان ( هذا على فرض ان النظرية الخارجية قابلة للتطبيق فما حال التنظير لنظريات غير قابلة للتطبيق؟).
ان وجود كم هائل من التنظير لنظريات مجتمعية واتجاهات سياسية زادت من هشاشة التطبيق لهذه التوجهات وعلى هذا المنوال انعكست على الحياة السياسية في البلاد اذ نجد ان عدد مرات تغير رؤساء الحكومات التي تشكلت في العهد الملكي (1921-1958) هي (47) مرة في (37) سنة فقط وهذا رقم كبير جدا يشير الى عدم الاستقرار السياسي الناتج من التنظير، وبصورة رئيسية التنظير في ادارة الدولة بفلسفة دينية ام قومية ام شعوبية ام عسكرية…الخ.
ليأتي بعد ذلك العهد الجمهوري بما حملت من نظرية جديدة تمثلت بـ (عدم قدسية الدولة والدستور والكيان العراقي ) من خلال الانقلاب العسكري وادخال مفهوم جديد والتنظير له بان الانقلاب العسكري ضرورة حتمية لتغيير وجهة وواجهة الدولة في حين نرى ان اقرب تعريف للانقلابات العسكرية ما هي الا نتيجة فشل التنظير السلمي فتتحول الى التنظير العسكري والانقلاب لغرض تطبيق ما لا يمكن تطبيقه عمليا ولتكون جميع الحكومات منذ 1958 الى 2003 حكومات عسكر وبتنظير لنظريات مؤامرة وتطبيق عسكري .
الملاحظ حالياً ان التنظير اخذ ماخذا كبيرا جدا في العراق بعد 2003 ولا يكاد يخلو اي تحرك او اجراء سياسي من تنظير له مهما كانت هذه الحركة السياسية بسيطة وحتى ان كانت مختلقة. وتشعب التنظير مع تفنن المنظرين في الدخول في التفاصيل وتجاوز الطرق الرئيسية في التنظير السياسي وذلك بدءا بالديني مرورا بالقومي والجغرافي والاقتصادي وحتى التنظير غير المعقول .
المتابع للتنظير في العراق يراه دقيقاً جدا ومكررا على الغالب الاغلب مع اختلافات قليلة او هامشية من تنظير لاخر وعليه نجد فترة الحكومات المتعاقبة بعد 2003 دقيقة في التنظير ولكن هل هي صحيحة في التنظير؟
كمثال للتنظير الدقيق ما نجده في كل منهاج حكومي ( المنهاج الوزاري ) عند تشكل اي حكومة فمثلاً نجد فقرة خاصة لتشجيع الاستثمار وفقرة خاصة للخدمات والكهرباء وفقرة حول السلاح غير الحكومي …الخ .
فبذلك ممكن القول ان المناهج الحكومية دقيقة جداً (على مبدأ الدقة) ولكن هل هي صحيحة ايضا (على مبدأ الصحة)؟
كيف ذلك؟ و ما هي الدقة و الصحة ؟
يمكن تعريف الدقة (Precision) بانها تكرار نفس العملية كل مرة تعاد فيها اي اجراء بغض النظر ان كانت العملية ناجحة ام مخيبة. ولتقريب الفكرة : لو رمى احد الاشخاص بسهم باتجاه دائرة الهدف وتم بالفعل التهديف بالفعل لكن ضمن الحلقة الخارجية للهدف وفي كل مرة يعيد الشخص رمي السهم يكون التهديف لنفس الحلقة ولنفس البقعة من الهدف، وبهكذا عمل يكون ما يقوم به هذا الشخص دقيق ولكنه غير صحيح ذلك ان الصحة (Accuracy )ان يستهدف مركز الهدف وليست الحلقة الخارجية .
بالتالي فهناك فرق جوهري بين الدقة والصحة فالمناهج الحكومية دقيقة في ذكر المشاكل ولكنها بعيدة عن الصحة في المعالجة، لذلك نرى فقرات مكررة وحكومات تاتي وتغادر دون ان تحقق الكثير مما موجود في المنهاج الحكومي بالرغم من دقتها.
التبصير هنا يكون الاجراء الصحيح او الصحة في اطلاق السهم نحو الهدف او المسك بزمام اطلاق السهم لمنع الاطلاق ففي كل الاحوال التوقف افضل من التحرك بالاتجاه المغاير .
كما و ان كثرة المنظرين والتنظير يزيد من توهان البلاد وحيرة القائمين على الامر من خلال كثرة المنظرين ذات الغايات الكثيرة والمتشعبة، فالدولة العراقية لا تحتاج الى تنظير ولا الى نظريات وانما تحتاج الي خطط بحيثيات صحيحة لتوجيه دفة البلاد نحو الاتجاه الصحيح محلياً قبل ان يكون دولياً .
بناءً على ما تقدم نجد ان ارض الرافدين بحاجة ماسة الى مُبَصّرِين مع تحديد طرق ومن ثم أليات النهوض بالبلاد ،وقديما قالوا صديقك من صدَقَكَ وليس من صدّقَكَ.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *