تشظي الشيعة والكورد مقابل وحدة البيت السني

فرهاد علاءالدين
15 كانون الثاني 2022
تمكن التيار الصدري وعلى نحو مفاجئ فرض ارادته على منافسيه متسيدا الجلسة الأولى للبرلمان الجديد في التاسع من الشهر الجاري، لينتهي الى انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه وفي الموعد المحدد دستوريا، في حين تراجع حضور الاطار التنسيقي خاسرا الجولة الأولى من المواجهة البرلمانية الأولى ولم يخرج منها سوى بترديد القسم، برغم اخفاقه بمحاولة عرقلة انعقاد الجلسة للحيلولة دون إنتخاب هيئة الرئاسة، لتتوجه الانظار تحت ضغط الاطار نحو المحكمة الاتحادية للمرة الثانية ولكن لمنع تمرير مخرجات الجلسة الأولى هذه المرة.
القرار الولائي الذي أصدرته المحكمة الاتحادية يوم 13 كانون الثاني والذي تضمن “إيقاف عمل هيئة رئاسة مجلس النواب المنتخبة…. ايقافا مؤقتا لحين حسم الدعوتين” جاء بمثابة قارب انقاذ لسفينة الإطار ريثما يسترد انفاسه ومحاولة استعادة زمام المبادرة‫.
بات واضحا أن طريق تشكيل الحكومة القادمة كما توقعنا في مقالات سابقة لن يكون سهلا بعد رسائل العنف الذي حملته سلسلة الاستهداف الصاروخي لمقار دبلوماسية المنطقة الخضراء والقاء قنابل ومتفجرات على مكاتب تحالفي تقدم وعزم في منطقة الأعظمية.
الشيعة يترنحون تحت وطأة الانقسام
انقسم البيت الشيعي جراء ما حصل من خلافات وغياب التوافق بين الأطراف المتنافسة على السلطة، وسط هيمنة التيار الصدري على المشهد الإنتخابي واصراره على استبعاد بعض الأطراف المنضوية تحت لواء الاطار التنسيقي، يقابله إصرار من بعض كتل الاطار بعدم التخلي عن أي من مكوناته إرضاء لرغبة التيار.
التفوق اللافت الذي حققه التيار الصدري في الانتخابات المبكرة أثارت ولم تزل مخاوف قادة البيت السياسي الشيعي، اذ يرون بأن زعيم التيار مقتدى الصدر قد يذهب نحو استهدافهم واقصاءهم عند تمكنه من مفاصل الدولة وخصوصا مجلس النواب والحكومة والمؤسسات الأمنية.
يعتقد البعض منهم بأن الصدر سوف يعمل على تفكيكهم سياسيا واقتصاديا وانه سينصب نفسه وليا عليهم وبذلك يفقدون جزء كبير من نفوذهم، يضاف الى ذلك بان البيت الشيعي اصبح يتخوف من هيمنة الكورد والسنة على المشهد السياسي وسط خلافات كبيرة داخل ذات البيت، ويعتقد مراقبون شيعة بان تشكيل التحالف الثلاثي بين الصدر والديموقراطي والسنة يجعل الشيعة اقلية فاعلة، اذ ان عدد نواب الكورد والسنة (93 مقعداً) في تحالف يتفوق على عدد النواب الشيعة (76 مقعداً) مما ينذر بخطر اكبر فيما لو انضم الى هذا التحالف كتل أخرى من الكورد والسنة عند اتخاذ القرارات المهمة، وهذا ما حصل عند انتخاب رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي الذي نال 200 صوت بالرغم من انسحاب اكثر من نصف النواب الشيعة من الجلسة.
جدل حول الكتلة الأكبر
تشكيل الكتلة الأكبر شيعيا كما جرى عليه الحال في الدورات السابقة بات صعبا في ظل انسحاب نواب جدد نحو كتل صغيرة، اذ اعلنت كتلة امتداد (9 نواب) واشراقة كانون (10 نواب) وكتلة تصميم (5 نواب) ومستقلين من ضمن كتلة العراق المستقل (5 نواب) وبذلك فقدت الكتلة الشيعية الأكبر المتوقعة نحو 29 نائبا من مجموع النواب الشيعة البالغ عددهم في الدورة الحالية 179 نائبا.
لم يتم حسم الكتلة الأكبر في الجلسة الأولى، اذ تقدم الاطار التنسيقي بكتلة تضم 88 نائباً وسط شكوك بهذا العدد والتي تستبعد على سبيل المثال وزير العمل عادل حاشوش الذي لم يؤدي اليمين الدستوري وخمسة نواب ضمن تحالف العراق المستقل اصدروا بيانا موقعا يفيد بعدم تخويلهم لأي جهة بالتوقيع نيابة عنهم وأنهم لم يدخلوا في أي تحالف لتشكيل الكتلة الأكبر. واذا ما أخذنا عدد نواب التيار الصدري (75 نائباً) بنظر الاعتبار فأن عدد النواب الشيعة داخل كتلة الاطار التنسيقي يصبح 75 نائباً‫.
تحالف تصميم من جانبه اعلن في الجلسة الأولى بأنه “انسحب من كتلة (اصلاح وطن) او الكتلة البديلة (كتلة انقاذ وطن) ونؤكد سحب توقيعنا من كلا الكتلتين” جاء هذا البيان بعد ان اعلن محافظ البصرة والمسؤول الأول عن تحالف تصميم انضمامه الى التيار الصدري. وذكر مصدر مقرب من تحالف تصميم بان كتلة اصلاح وطن هي الكتلة التي شكلها التيار الصدري وتضم النواب الشيعة المتحالفين مع التيار.
كتلة انقاذ وطن هي الكتلة الوطنية التي شكلها التيار الصدري وتضم الأحزاب الأخرى التي تحالفت مع التيار الصدري الحزب الديموقراطي الكوردستاني وتحالف تقدم وعزم‫.
الى ذلك قدم رئيس الكتلة الصدرية داخل مجلس النواب حسن العذاري رسميا الكتلة الأكبر لهيئة رئاسة البرلمان، ولكن حتى اليوم لم يتم الإعلان رسميا عن الكتلة الأكبر، ومراقبون يتوقعون بان التيار الصدري قدم كتلتين وهما اصلاح وطن وإنقاذ وطن‫.
كتلة اصلاح وطن لن تتخطى عتبة الـ 75 مقعداً شيعياً اذا استخدمنا نفس فرضيات المعادلة أعلاه، (مجموع النواب الشيعة 179 – 29 نائبا خارج الكتلة – 75 نائباً الاطار)‫. الا ان كتلة انقاذ وطن تتضمن الكتلة الصدرية ومن معهم (75 نائبا) وتحالف تقدم ومن معه (42 نائبا) وتحالف عزم (14) والحزب الديموقراطي (31) بذلك يصبح عدد كتلة انقاذ وطن يقارب 162 نائبا وبذلك تكون هذه الكتلة عابرة للمكونات والتي ستشكل حكومة الأغلبية الوطنية التي ينادي بها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر‫.
هنا يبرز السؤال الأهم حول إمكانية أي جهة شيعية المضي بتشكيل الكتلة الأكبر برغم قلة عددهم وبقاء اكثرية النواب الشيعة خارج هذا التحالف؟! قوى سياسية نافذة داخل الاطار التنسيقي والبعض من اصحاب القرار السياسي الشيعي يرون بأن هذا السيناريو سيهدد وحدة البيت الشيعي ومستقبله على المدى الطويل عادين مثل هذه الخطوة بمثابة تجاوز خطير وخط احمر لا يمكن تجاهله. فيما يعتقد زعيم التيار الصدري بان التيار هو الكتلة الأكبر داخل هذا التحالف وبيده الحل والربط بمشاركة الاخوة في الوطن‫.
جدير بالذكر بان الجدل حول من سيشكل الكتلة الاكبر لم ينتهي بعد وقد نرى احتدامه من جديد في القريب العاجل وعندما استئناف مجلس النواب لاعماله بعد ان تبت المحكمة الاتحادية بالدعاوى المقامة امامها.
البيتان الكوردي والسني
لعلنا نرى هنا بأن الفائز الأكبر في الانتخابات وما انتهت اليه الجلسة الاولى هو المكون السني، اذ تمكنت قياداته المتمثلة برئيس تحالف تقدم محمد الحلبوسي ورئيس تحالف عزم خميس الخنجر من ابرام اتفاق واضح وصريح بالدخول في تحالف مع التيار الصدري والمضي بترشيح رئيس تحالف تقدم كمرشح وحيد لهم لرئاسة مجلس النواب وفوزه بأغلبية ساحقة في مجلس النواب وبذلك تخطى البيت السني فوضى تعدد المرشحين وتشتت اصواتهم داخل الجلسة الاولى لإختيار وتسمية رئيس البرلمان. الى جانب لملمة وتوحيد صف المكون الذي من شأنه ان يصبحوا العامل المؤثر الاساسي في حسم الجدل بين الكتل السياسية الشيعية حول الكتلة الاكبر او حسم منصب رئيس الجمهورية داخل البيت الكوردي، بمعنى اخر ان الكتل السنية لديها القدرة في التأثير على القرار وحسم الجدال داخل العملية السياسية عكس ما كانوا عليه في الماضي القريب‫.
لكن البيت الكوردي هنا أصابه المزيد من التصدع بعد دخول الحزب الديمقراطي الكوردستاني في تحالف مع التيار الصدري من دون شريكه الاساسي في الإقليم الاتحاد الوطني الكوردستاني برغم وجود وفد مشترك في بغداد للتفاوض السياسي مع الأطراف الأخرى، الى جانب الخلاف العميق بين الحزبين حول منصب رئيس الجمهورية.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني بات يتعامل بواقعية سياسية في كوردستان بوصفه الفائز الأكبر ولديه مقاعد كافية تبيح له التخلي عن الاتفاق الاستراتيجي الذي كان قائما بين الحزبين وبالأخص بين زعيم الاتحاد الوطني الراحل جلال طالباني وزعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني، معتقدا بان ما تم الاتفاق عليه لم يعد نافذا مع تغير الواقع الراهن وان منصب رئيس الجمهورية لم يعد حكرا على الاتحاد الوطني‫.
تبنى الحزب الديمقراطي فكرة الأغلبية في كوردستان عام 2011 خلال مؤتمره السنوي ساعيا لفرض واقع جديد بان يصبح الحزب ذات “أغلبية مريحة”، وتعتقد قيادته بان الوقت قد حان لتطبيق هذا المبدأ بعد ان التصدعات التي أصابت شريكه حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني. مما دفعه الى ترشيح القيادي البارز هوشيار زيباري كمنافس لمرشح الاتحاد وهو الرئيس الحالي برهم صالح، وهذا دليل واضح بان الحزب الديموقراطي يريد المضي بتطبيق سياسة الأغلبية السياسية في بغداد بل وحتى في الانتخابات القادمة في إقليم كوردستان‫.ثمة إشارات بهذا الصدد تفيد بأن الحزب الديمقراطي قد يسحب مرشحه للرئاسة في حال تغيير الاتحاد الوطني لمرشحه الرسمي برهم صالح وطرح مرشح بديل، لكن مصدر مطلع داخل الاتحاد الوطني أفاد بأن التنازل عن منصب رئيس الجمهورية او تغيير المرشح الرسمي سيعني فقدان الاتحاد لكل مقومات الاستقلالية في القرار وانه سيكون مرغما على الإستجابة لهذه الخطوة التي لم ولن تكون في صالحهم على المدى البعيد وخصوصا في الانتخابات القادمة.
منافسة الحزبين وعدم توافقهم في اختيار مرشح واحد وذهابهم مجزئين الى بغداد سيكون باعث ضعف للمكون الكوردي وسيضر بمصلحة الإقليم كثيرا، من المعلوم ان الكورد فقدوا ثقلهم السياسي عندما اصابهم التشظي بعد عام 2014، وأن تشكيل الحكومتين في 2014 و2018 تم بغياب النواب الكورد داخل قاعة مجلس النواب، وفقدوا العديد من المناصب المهمة في الحكومة الاتحادية مثل محافظ كركوك ورئيس اركان الجيش ونائب رئيس جهاز المخابرات وقائد القوة الجوية ورئيس الهيئة المستقلة للانتخابات وعدد كبير من وكلاء الوزارات والسفراء والمدراء العامين وغيرها، يضاف الى ذلك تراجع قدرة الكورد على إدارة الازمات في بغداد عندما كانوا يتمتعون بحضور قوي ومؤثر ويشكلون عامل استقرار في ظل تقاربهم اللافت مع الأحزاب النافذة داخل المكون الشيعي‫.
الخطوات القادمة
بعد اصدار المحكمة الاتحادية لقرارها الولائي الذي أوقف التوقيتات الدستورية مؤقتا لحين البت بالدعاوى المقامة امامها بخصوص دستورية إجراءات انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، يعتقد أغلب خبراء القانون بان المحكمة سترد الدعاوى حول ذلك، ولكن هناك من يعتقد بانه من الممكن ان تقرر المحكمة عكس ذلك وهذا يعني العودة الى المربع الأول واستئناف الجلسة الأولى وتربع محمود المشهداني كرسي رئاسة مجلس النواب كرئيس السن وإعادة انتخاب هيئة الرئاسة وهذا سيعقد المشهد السياسي أكثر من ذي قبل‫.
الامر الولائي فسح المجال امام الأحزاب والقوى السياسية مانحا أياها المزيد من الوقت لإجراء مفاوضات وحوارات قد تصل بها الى حلول ترضي الأطراف المتخاصمة، الا ان الفجوة بين هذه الأحزاب مازالت كبيرة وليس من بوادر اتفاق تلوح بالأفق‫.
اذا قررت المحكمة الاتحادية دستورية انتخاب رئاسة مجلس النواب، عندها يبدأ العد التنازلي لإنتخاب رئيس الجمهورية وتزداد حدة المنافسة بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني من جهة، ويتصاعد الجدل الدائر داخل المكون السني والشيعي حيال تأييد هذا المرشح أو ذاك‫. من المتوقع ان يكلف رئيس الجمهورية المنتخب فور انتخابه الشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة وهذا يعني ان انتخاب رئيس الجمهورية ليس شأنا كورديا بحتا بل ان الكتل الأخرى سوف تدخل في حسم هذا الأمر بشكل مباشر او غير مباشر‫.
في غضون ذلك يبقى المشهد السياسي معقدا لحين حسم الكتلة الاكبر من خلال المحكمة الاتحادية او من خلال التوافق داخل البيت الشيعي او الذهاب الى الفضاء الوطني وكل من هذه الحالات فيها جوانب ايجابية وسلبية لانها تؤثر بشكل مباشر على عملية اختيار وتسمية رئيس مجلس الوزراء القادم وعليه ان حسم الكتلة الأكبر شيعيا قد يطول أمده دون نسيان المفاجأت غير المتوقعة والتي قد تنفجر بين لحظة وأخرى‫.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *