حراك سياسي مبكر للسيطرة على المشهد العراقي الحاكم

فرهاد علاء الدين
27 تموز 2020
يتداول المراقبون المواعيد المقترحة للانتخابات القادمة في ضوء لقاء رئيس مجلس النواب ونائبه مع قادة الكتل البرلمانية في ٢٢ تموز ٢٠٢٠، والذي كرس لمناقشة إكمال قانون الانتخابات وتحديد الدوائر الانتخابية. وهذا التداول يشير إلى بداية حراك محموم لإدراك مواضع النفوذ السياسي والقوة الحاكمة بكل أنواعهما والتمسك بمراكزها، تمهيدا لإعادة صياغة المشهد السياسي القائم. وإن الوضع الراهن في طريقه للتغيير هو الآخر بحكم الأزمات القائمة. وبذلك من المتوقع أن تساهم الانتخابات المرتقبة في إعادة توزيع مكامن النفوذ وتعيد رسم الخارطة السياسية.
إلى ذلك فإن الانقسامات الداخلية التي تعاني منها أكثرية الأحزاب مثل حزب الدعوة و تنظيم بدر أفضت إلى تفكيك التحالفات التي أعقبت الانتخابات الماضية. وتحاول الأحزاب السياسية استقطاب الحلفاء وتحديد المسار المستقبلي بالبحث عن المرشح الأوفر حظا لدخول الانتخابات وتحديد الحلفاء قبل الانتخابات القادمة. وتأتي هذا الحراك الجديد عقب انتخابات ٢٠١٨ التي حظي فيها كل من تحالف الفتح وسائرون بالنفوذ الأكبر وتمكنا من تشكيل الحكومة مناصفة، لكنهما سرعان ما فقدا هذا النفوذ بعد استقالة الحكومة واختيار حكومة جديدة، فتلاشت مكامن النفوذ على محاور وأقطاب حاولت ولا تزال أن تؤثر على مجريات الأحداث وتقوية وتعزيز مواقعها السياسية.
الرئاسات الثلاث
الملاحظ أن ضعف إداء الأحزاب ساهم في بروز دور مؤسسات الدولة وخصوصا الرئاسات الثلاث في تحديد مسار السياسة الداخلية والخارجية، حيث يلعب كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء دورا محوريا في الملفات المهمة السياسية والتنفيذية. فيما يبدو واضحا أن دور البرلمان شهد تراجعا ملحوظا، وذلك بسبب عدم عقد مجلس النواب لجلساته الدورية (جلستان خلال ٦ أشهر)، والذي تسبب في غياب وتعطل التشريعات الملحة لإصلاح مؤسسات الدولة، وفقدان دوره الرقابي والتشريعي المؤثر. بالرغم من ذلك تبقى الرئاسات الثلاث مجتمعة تشكل مرتكزا مهما للسلطة والنفوذ في الساحة السياسية في المرحلة المقبلة، فيما تشكل القوى السياسية المكامن الأخرى للنفوذ الذي كان ومازال وسيبقى يشهد تنافسا حادا بين مراكز القوى ومراكز السلطات لتصدر وقيادة المشهد.
الكتل الشيعية
وتأكيدا لهذا التنافس فقد سارعت بعض القوى السياسية لانتهاز الفرصة المواتية في تغيير المعادلة السياسية عبر تشكيل تحالف جديد باسم (عراقيون) بزعامة عمار الحكيم يضم ٤١ نائب. حيث كسر هذا التحالف قالب (الفتح وسائرون) في الساحة الشيعية وتمكن من جمع عشرات النواب المتفرقين مثل دولة القانون (٦ نواب) وبعض الكتل الصغيرة مثل الإرادة والفضيلة. ويواصل هذا التحالف محاولاته لاستقطاب عدد أكبر من النواب لتخطي حاجز الـ ٦٠ نائبا، ليصبح أكبر كتلة شيعية، وكانت قريبة عن هذا الرقم لو انضمت كتلة النصر النيابية ولكن الخلاف على قيادة الكتلة الجديدة حالت دون ذلك حيث طالب زعيم كتلة النصر حيدر العبادي أن تكون الكتلة بقيادته. وكانت الفكرة هي تشكيل كتلة برلمانية شيعية كبيرة ثم التحالف مع كتل سنية وكردية ولتصبح الكتلة الأكبر في البرلمان وتكون داعمة للحكومة وسياساتها، لتتمكن بالتالي من تمرير القوانين والتعديلات الضرورية لتصحيح المسار السياسي.
من جانبها شعرت كتلة دولة القانون بخطورة وضعها وتراجع نفوذها، خصوصا بعد إعلانها معارضة حكومة الكاظمي وخروج مجموعة من نوابها لينضموا للتحالفات والكتل الأخرى أو إعلان بعض النواب عن استقلالهم عن الكتلة، وهي تدرك جيدا أنها فقدت دورها المعروف بتأثيره المباشر على الأحداث، لذلك باتت تبحث عن حلفاء جدد لتشكيل كتلة برلمانية معارضة داخل البرلمان، وعملت على استقطاب تحالف الفتح وبالذات زعيم التحالف هادي العامري، الذي كان ينتقد حكومة الكاظمي وشخص رئيس مجلس الوزراء، إلا أن الكاظمي وبوساطة من مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي التقى مع هادي العامري لترطيب الأجواء بينهما، والتي حالت دون انضمام الفتح لدولة القانون في المعارضة حاليا. وقد لا تتمكن دولة القانون من تشكيل كتلة معارضة مؤتلفة مع الآخرين بعدد كبير لكنها تعتقد أن بإمكانها أن تكون كتلة معارضة قوية لوحدها كونها تمتلك نفوذا عميقا داخل الدولة ومؤسساتها، فضلا على استنادها على قوة شخصية زعيم الكتلة نوري المالكي وقدرته على جذب الأضواء.
تحالف الفتح من جهته فقد قبضته على الحكم بعد استقالة الحكومة السابقة وهناك حديث حول انقسامات داخلية كبيرة في صفوفه، والتي دفعت بأحد هذه الكتل المنضوية في كتلة الفتح إلى محاولة الانضمام إلى كتلة (عراقيون) وهناك أيضا خلاف كبير بين عصائب أهل الحق وتنظيم بدر حول الاتجاه السياسي الحالي وما آلت إليه الأمور من فقدان السيطرة على الأحداث. ولم تتمكن الفتح من البقاء في صدارة الأحداث بعد انفراط كتلة البناء التي كانت تجمع القوى الأخرى المنضوية تحت مظلتها مثل كتلة العطاء بقيادة فالح الفياض أو تحالف القوى بزعامة محمد الحلبوسي، بالإضافة إلى تراجع شعبية كتلة الفتح بشكل لافت بعد تردي أوضاع مدن وسط وجنوب العراق وما شهدته من حركة احتجاجات غير مسبوقة، بسب تردي الخدمات والنقص الحاد في أبسط مقومات الحياة فيما يرون مدن مثل الرمادي والفلوجة تبدو عليها مظاهر العمران والخدمات والاستقرار وكذلك الحال في مدن إقليم كردستان. بالرغم من التصدعات التي أشرنا إليها فإن مصادر داخل العصائب يؤكدون على ضرورة استمرار الفتح كتحالف في الانتخابات القادمة وهم يعتقدون أنهم سيتصدرون المشهد من خلال خطاب المعارضة والمقاومة وسيستفادون من وجود كتلة الفتح ككيان واحد، لأن الانتخابات القادمة ستكون مفصلية في تحديد المسار الجديد للبلد، مع العلم أن العصائب يرون أن لديهم مقومات النجاح كحزب مستقل في الانتخابات.
أكثر الكتل والتحالفات السياسية استقرارا وثباتا في التوجه والحضور والنفوذ هو تحالف سائرون وزعيمه مقتدى الصدر حيث لعب ومازال دورا محوريا في السلطة ويحظى بمناغمة الحكومات ومعها الأحزاب والقوى السياسية بشكل مستمر، حيث أصبح الجميع على بينة بأنه لا يمكن المضي في ترسيخ الاستقرار من دون كسب ود ودعم تحالف سائرون. والتوجه الداعم للحكومة الحالية ساهم في استقرار الوضع السياسي، ولكن تكهنات المراقبين تشير إلى أن هذا الدعم قد يبدأ بأن يضعف مع مشهد نزول أنصار “سائرون” للشارع مطالبين بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل في الأشهر المقبلة، وتزايد حجم النزول مع اقتراب موعد الانتخابات ودخول الجميع للأجواء الانتخابية.
من الجدير بالذكر أن هناك محاولات حثيثة تقوم بها شخصيات شيعية مؤثرة خارج الكتل السياسية، لجمع شتات القوى الشيعية ونجحوا في تنظيم اجتماعين موسعين شاركت فيهما أقطاب الأحزاب الشيعية الكبيرة إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى اتفاق يلم البيت الشيعي لكون الخلافات بين هذه الأحزاب كبيرة إذا لم نقل جوهرية.
القوى السنية
انقسام القوى السنية فيما بينها وتوزعها بين الكتل السياسية المتعددة مثل تحالف القوى، وائتلاف المحافظات المحررة، الإنقاذ والتنمية وغيرها، ساهم بشكل كبير في إضعاف التأثير السني على مكامن النفوذ والقرار. تعاني هذه القوى من عدم الاستقرار بسبب عدم التزام أكثرية النواب بهذه الكتل حيث نرى بين الحين والآخر تقافز نواب هذه القوى إلى هذه الجهة أو تلك، وخصوصا عند توزيع المناصب وتشكيل الحكومة، ولعل تشكيل الحكومة الجديدة خير مثال على ذلك، بالإضافة إلى تبعثر النواب داخل الكتل الكبيرة وبقائهم كأقلية. ولا يختلف وضع القوى السنية عن الشيعية بما يتعلق بالزعامات، فإنها مختلفة فيما بينها، وليس سهلا على الناخب والسياسي السني أن يصوت لأحدهم ليكون زعيما أوحدا، وقد حاول رئيس مجلس النواب لعب هذا الدور وجمع أكبر عدد من النواب السنة إلا أن حظوظه تراجعت مؤخرا بسبب تشكيل تحالف جديد بزعامة خميس الخنجر باسم ائتلاف المحافظات المحررة بواقع ٢٠ نائبا وعدم انضمام المنافسين الآخرين لتحالف القوى واستمرار تحالفه مع تحالف الفتح مما أدى إلى الصدام مع الكتل الأخرى وخصوصا كتلة “سائرون” الذين ضغطوا باتجاه إقالته من منصبه ولكنهم كفوا عن ذلك بعد أن أخذوا التطمينات الكافية بتصحيح المسار.
القوى الكردية
الكتل السياسية الكردية بدورها تعاني من انقسامات شديدة وتباعد فيما بينها، أضف إلى ذلك سلسلة الأزمات التي تواجه حكومة الإقليم وفي مقدمتها الأزمة المالية، وقطع الحكومة الاتحادية تمويل الإقليم في الشهرين الماضيين، والذي أدى بدوره في بروز فجوة كبيرة داخل البيت الكردي. إلى جانب الخلافات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني التي بلغت مداها مؤخرا حينما طالب الاتحاد الوطني بتطبيق اللامركزية بهدف الخروج من سلطة أربيل المركزية. الحزب الديمقراطي دعم مصطفى الكاظمي أملا باستمرار الاتفاق المبرم بين أربيل وبغداد في عهد الحكومة السابقة، إلا أن بغداد هي الأخرى تعاني من أزمة مالية كبيرة، والحكومة تحت ضغط سياسي كبير من الأحزاب بشكل عام وليس بإمكان الكاظمي ان يطلق الأموال بدون تنفيذ الشروط التي حددتها اللجنة الوزارية المشكلة في المفاوضات مع الإقليم، كل ذلك أدى إلى عدم إطلاق حصص الإقليم تحت ذريعة عدم التزام الإقليم بتسليم النفط وإيرادات المنافذ الحدودية مما أدى إلى جفاء العلاقة بين زعامات الحزب الديمقراطي والكاظمي.
وجدير بالإشارة أن دور الأحزاب الكردية وتأثيره على القرار السياسي بدأ يضعف، وفشل الكرد أن يصبحوا قطبا من أقطاب النفوذ في بغداد بشكل مباشر وذلك لبقائهم منعزلين وعزوفهم عن الدخول في التحالفات الكبيرة بشكل رسمي ليصبحوا مؤثرين على صلب القرار السياسي من الداخل بدل البقاء خارج الإطار سواء كان عند تشكيل الحكومات او لتصحيح المسار السياسي.
وتزيد تبعثر مكامن النفوذ في الساحة السياسية العراقية ليصل جهات أخرى لهم تأثير على الأحداث، مثل الفصائل المسلحة والمتظاهرين والمرجعية وإيران وأمريكا، وكل منهم لديه نفوذ غير مباشر على الساحة السياسية، ولكن تبقى الأحزاب هي التي بيدها الحل والعقد، وتوجيه قرار المستقبل السياسي العراقي، ولكن قد يلعب أي من هؤلاء دورا مهما في تغيير الأحداث أو القناعات أو مسار الخط السياسي بشكل عام.
من الواضح أن النفوذ السياسي في العراق متبعثر بين شخصيات وكتل متعددة مختلفة فيما بينها وتصعب عليها الاتفاق والمضي نحو مسار واحد لمصلحة البلد، فالمصالح الذاتية المتقاطعة والولاءات المختلفة طاغية وسبب من أسباب عدم الاستقرار السياسي ولا يوجد أمل في الأفق إذا ما لم تغير الأحزاب السياسية اتجاهات مسيرتها وأن تتنازل عن مصالحها الذاتية من أجل المصلحة العليا للبلد، ولعل الانتخابات القادمة ستشهد تغيرات كبيرة لتجمع النفوذ السياسي بيد عدد أقل من هذه الأحزاب وتتمكن هذه الأحزاب القليلة من تحديد مسار جديد لمصلحة العراق وإلا فإننا أمام مستقبل مجهول للبلاد بمشهدها الحالي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *