حقيقة ماجرى في الانتخابات المبكرة

فرهاد علاء الدين
29 تشرين الاول 2021
جرت الانتخابات المبكرة في العاشر من تشرين الأول بإشراف وإدارة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومساعدة بعثة الأمم المتحدة في العراق بعد ان قرر مجلس الامن الدولي في شهر أيار الماضي توسيع مهام البعثة الأممية لتشمل مساعدة العراق في اجراء الانتخابات وتقديم الدعم الفني والتقني والخبرة ومراقبة عملية الاقتراع بطلب من الحكومة العراقية قدمه وزير الخارجية فؤاد حسين بكتاب رسمي موجه لمجلس الامن.
بعد اعلان النتائج الأولية للانتخابات اعلنت كتل كثيرة لم تحصل على عدد المقاعد المتوقعة اعتراضها على العملية برمتها واتهمت المفوضية والحكومة على حد سواء بـ (سرقة الأصوات) و(التلاعب) بنتائج الانتخابات، وحشدت قواعدها عند مشارف المنطقة الخضراء في اطار رفضها للنتائج مطالبة باجراء العد والفرز يدويا. الى جانب اتهامها لبعثة الأمم المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة بالمساهمة في التلاعب لصالح جهة ضد جهة أخرى.
حقائق حول نظام واجهزة التصويت
لابد من التطرق هنا لبعض الحقائق المهمة حول عمل المفوضية والمشرفين على العملية الانتخابية. فالنظام الالكتروني والأجهزة التي استخدمتها المفوضية هما من صنع شركة كورية تحمل اسم  (ميرو)، والنظام يتضمن مجموعة أجزاء تشمل مايلي:
الجزء الأول يسمى جهاز التحقق الذي  يتضمن قاعدة سجل الناخبين الإلكترونية للمحطة الانتخابية ومهمته التعرف على هوية الناخب من خلال البصمة والبطاقة الالكترونية وتطابق المعلومات المخزون في الجهاز مسبقا.
الجزء الثاني يسمى جهاز (بيكوز) المثبت على صندوق الاقتراع وهو عبارة عن ماسح ضوئي يقوم بقراءة ورقة الاقتراع ويعد ويفرز الأصوات الكترونيا وموصول بجهاز ارسال نتائج المحطة عبر الستلايت إلى المركز الوطني.
الجزء الثالث يتمثل بجهاز إرسال نتائج المحطة الى المركز الوطني عبر الستلايت لغرض جمع وتبويب النتائج، علما ان المعلومات المرسلة عبر الستلايت بشكل مباشر تكون مشفرة، ومفاتيح التشفير تحتفظ بها الشركة الكورية حصرا. بالإضافة الى ربط جهاز العد والفرز الالكتروني بعصا الذاكرة الذي يخزن نتائج المحطة ويتم نقل عصا الذاكرة جوا او برا الى المركز الوطني لغرض التطابق فيما بعد مع النتائج المرسلة. وتكون المعلومات المخزونة في عصا الذاكرة مشفرة هي الأخرى ومفاتيح التشفير لدى الشركة الكورية حصرا.
اما الجزء الرابع والأهم هو غرفة السيطرة المركزية وأجهزة الحاسبات (سيرفرات) التي تحتوي على النظام الانتخابي برمته من برامج التحقق ومفاتيح تشفير اجهزة المحطات ومفاتيح تشفيرعصا الذاكرة وتخويل العاملين بالدخول في النظام وبرامج العد والفرز وبيانات المرشحين والكيانات السياسية وبيانات المحطات ومواقعهم وغيرها من معلومات مهمة تتعلق بالنظام الانتخابي.
الجزء الخامس والمكمل للنظام الانتخابي يتمثل ببرامج اعداد النتائج والتي تم تصميمها من قبل بعثة الأمم المتحدة قبل الانتخابات وتولت الشركة الكورية ضمها الى النظام الانتخابي بعد فحصها أولا من قبلها للتأكد من تطابق البرنامج مع النظام كما تم فحصها أيضا من قبل الشركة المانية الفاحصة (هانسولدت) المتعاقد معها المفوضية لفحص النظام الانتخابي برمته، وقد أرسلت الشركة رسالة الى المفوضية مؤرخة في 7 تشرين اول 2021 تفيد بأن “عملية التدقيق التي تم اجراؤها قبل الانتخابات، وتوضيح نتائج التدقيق التفصيلية في التقارير المدرجة في الملحق، وفقا لما هو مفصل في تقارير التدقيق تلك، يمكن ان تؤكد شركة هانسولدت اننا لم نكتشف أي تهديدات او مجموعة في نظام الانتخابات لم يتم معالجتها والتي من شأنها إعاقة عملية التصويت”.
من المهم الإشارة هنا الى ان غرفة السيطرة والسيرفرات تشرف عليها الشركة الكورية بشكل حصري، وهي من تقوم بكافة عمليات التشغيل تحت اشراف المفوضية العليا للانتخابات دون غيرها. ولا يوجد طرف ثالث حتى بعثة الأمم المتحدة وشركة الستلايت الناقل أو غيرهما لا يمتلك صلاحية دخول النظام الانتخابي بأي شكل من الاشكال. علما ان غرفة السيطرة المركزية تقع داخل مقر المفوضية العليا للانتخابات الواقع في المنطقة الخضراء وليس خارج العراق كما يتردد الآن.
ومن الأهمية هنا الإشارة أيضا الى ان الشركة الكورية هي الجهة الحصرية الخارجية الوحيدة التي لديها حق كتابة وقراءة البيانات والنتائج بالإضافة الى موظفي المفوضية المخولين وعددهم اثنان لكل وجبة عمل. أما بعثة يونامي فلديها حق القراءة فقط، أي انها لا تستطيع التلاعب بالبيانات بأي شكل من الاشكال.
من خلال ماتقدم يتبين ان السيرفرات موجودة في العراق وليس في دولة أخرى، وان البيانات التي يتم ارسالها من خلال القمر الصناعي الاماراتي مشفرة ومفاتيح التشفير لدى الشركة الكورية حصرا،  كما وان بعثة يونامي لاتمتلك صلاحية او إمكانية التدخل بتلك البيانات، لذلك فأن كل الاتهامات الموجهة لها بالتلاعب بنتائج الانتخابات لا أساس لها من الصحة. من الواضح ان الشركة الكورية لديها صلاحيات واسعة جدا تتيح لها التحكم بالنظام الانتخابي.
وبما أن الشركة لاتخضع للرقابة والتدقيق  وبالتالي توفر إمكانية محاسبتها من قبل أي جهة حكومية سواء كانت داخلية أم خارجية، فأن السؤال الأكثر أهمية هنا هل تستمر المفوضية في اطلاق يد الشركة؟! خاصة والكل يعلم ان المفوضية لاتمتلك قدرات فنية ترتقي لمستوى التحقق الموازي لخبرات ومؤهلات تلك الشركة. ولكون الشركة تسعى أساسا لتحقيق الربح فهي بالتأكيد ستكون حريصة على ضمان استمرار عملها مع المفوضية، فمن يضمن عدم خضوعها للتهديد والابتزاز لهذا الغرض أو ذاك! خشية فقدانها لفرصة تجديد عقدها المجزي بالتأكيد.
من الضروري ان تعمل المفوضية وعلى مدى السنوات القادمة وقبيل حلول موعد الدورة الإنتخابية القادمة على اعداد وتأهيل كادر فني عراقي متمرس يتمكن من السيطرة والتحكم على النظام الانتخابي، وجعله يمثل جهة رقابية على الشركة المتعاقد معها لإدارة العمليات الفنية للإنتخابات أي كانت جنسيتها.
مالذي جرى يوم الانتخابات؟
حصلت بعض الإشكالات البسيطة في بدء عملية الانتخابات عندما لم تتمكن بعض المحطات من فتح أبواب التصويت وذلك لوجود خلل في جهاز التحقق، وتأخير ارسال الباسورد لفتح المحطات في بعض الحالات، وكذلك إطفاء بعض الأجهزة وإعادة تشغيلها من قبل كادر بعض المحطات والتي تم حلها بعد وقت قصير نسبيا، حيث سارت الأمور بشكل جيد حتى انتهاء عملية التصويت عند الساعة السادسة مساء. برغم ان بعض المحطات لم تتوقف عن العمل في تمام الساعة السادسة بالضبط.
تلقت المفوضية العليا للانتخابات ما مجموعه 94% من نتائج محطات الاقتراع البالغة 55 الف محطة، فيما واجهت ستة بالمئة (3681 محطة) منها مشاكل اما في ارسال النتائج عبر الستلايت او تأخر وصول عصا الذاكرة جوا او برا.
تنص المادة ٣٨ من قانون الانتخابات النيابية “تجري عملية العد والفرز اليدوي لغرض المطابقة بواقع محطة واحدة لكل مركز انتخابي”، فيما قامت المفوضية بإجراء القرعة للمحطات التي يجب ان يتم فيها العد والفرز اليدوي ومطابقة النتائج الالكترونية مع نتائج العد اليدوي. وأوعزت للشركة الكورية بعزل 8547 محطة (11% من مجموع المحطات) لإجراء العد والفرز اليدوي في يوم الاقتراع والتي جاءت متطابقة مع جميع الصناديق فعلا.
وقعت المفوضية في خطأ كبير عندما أعلنت النتائج الأولية ليلة العاشر من تشرين من دون الايعاز الى الشركة الكورية برفع العزل عن المحطات التي جرى فيها العد والفرز اليدوي (8547 محطة)، علما ان الإيعاز يوجه بكتاب رسمي صادر من المفوضية وموجه الى الشركة الكورية. لذلك فأن إعلان النتائج على انها 94%، في حين كانت تمثل فقط 83 بالمئة، فكان التباين واضحا في الاعداد المعلنة.
ادركت المفوضية من جانبها هذا الخطأ وقامت بإضافة المحطات المعزولة لمجموع الأصوات المعلنة في 12 تشرين لتصل نسبة الاعلان الى 94 بالمئة من النتائج الأولية منتظرة اكمال البت في المحطات المتبقية (3681 محطة).
لاحقا تم مطابقة النتائج الورقية مع أجهزة العد الالكتروني  لهذه المحطات بعد ان تم عد وفرز 260 محطة يدويا فيما تم طبع نتائج المحطات المتبقية من جهاز البيكوز لكل محطة واجراء التطابق مع عصا الذاكرة المرسلة من قبل مدير المحطة للمفوضية العليا واطلق على هذه العملية التطابق اليدوي – الالكتروني  ليتم اعلان النتائج الأولية كاملة  وبنسبة 100 بالمئة في 16 تشرين الأول.
بالرغم من كل الاتهامات الموجهة الى المفوضية والجهات الأخرى مثل يونامي والحكومة، تبقى الحقيقة بان الخلل الأكبر في يوم اعلان النتائج كان سببه خطأ اداري بحت تسبب بالتشكيك بنزاهة الانتخابات واطلاق الاتهامات بالتلاعب بالنتائج، المراقبون المحليون والدوليون يقرّون بان النظام الانتخابي عمل بشكل جيد جدا والأجهزة والنظام الانتخابي انجز ما كان مطلوبا بشهادة الشركة الفاحصة.
كان يفترض على الشركة الكورية اخطار المفوضية بان المحطات التي تم عزلها (8547 محطة) يجب ان تعاد الى المجموع قبل الإعلان ولكنها لم تفعل ذلك، وكان يفترض على المفوضية ان تنتبه لهذا الموضوع وتوعز الى الشركة الكورية برفع العزل عن هذه المحطات واضافتها للمجموع قبل الإعلان. اما دور يونامي في هذه العملية فلم يكن سوى مراقب واستشاري دون امتلاك صلاحية او تخويل للدخول في نظام النتائج على الإطلاق.
الطعون والاحتجاجات
قدمت الكتل السياسية 1346 طعنا في نتائج الانتخابات تم رد معظمها من قبل مجلس المفوضين، الا ان مجلس المفوضين  اعلن بانه “اتخذ قراراً بفتح عدد من المحطات وفق الطعون التي تم تقديمها والبالغة أكثر من (2000) محطة موزعة على مختلف المحافظات”،  وبدأت فعلا عملية العد والفرز اليدوي لهذه المحطات والتي قد تستغرق مدة 10 أيام تقريبا.
كما أشارت المفوضية  بانها “سترسل توصياتها إلى الهيئة القضائية للانتخابات بخصوص هذه الطعون في ضوء نتيجة العد والفرز اليدوي”، مما يعني ان الهيئة القضائية للانتخابات سوف تبت في الطعون وعلى ضوء قراراتها ستعلن المفوضية النتائج النهائية تمهيدا لإرسالها الى المحكمة الاتحادية للمصادقة عليها وبذلك تصل العملية الانتخابية مرحلتها النهائية والمتمثلة بإصدار المرسوم الجمهوري من قبل رئيس الجمهورية لدعوة مجلس النواب المنتخب لعقد جلسته الأولى والمتضمنة إداء اليمين الدستوري من قبل الأعضاء الفائزين وانتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة الجديدة.
قبول او رفض النتائج
هناك حشود من جماهير الكتل الرافضة للنتائج المعلنة مازالت ترابط امام أبواب المنطقة الخضراء مطالبة “بإستعادة أصواتها” واجراء العد والفرز اليدوي الشامل، من دون أي مؤشر في إمكانية الإستجابة لمطالبها، كل المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية تشير وبوضوح الى ان نتائج الانتخابات التي سوف تعلن بعد البت بالطعون المقدمة ستتم المصادقة عليها مستبعدة إحتمال إلغاء وإعادة إجراء الانتخابات من جديد إستجابة لما تطالب به بعض الكتل السياسية الخاسرة.
الاتهامات الموجهة لأطراف دولية بينها بعثة الأمم المتحدة او دول أخرى مثل الامارات لاتستند الى أدلة ملموسة ومقنعة، كون تلك الأطراف غير متحكمة أصلا بالنظام الانتخابي وان هذا النظام مسيطر عليه بشكل كامل من قبل الشركة الكورية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
أغلبية المراقبين يعتقدون بان هذه الانتخابات كانت من افضل الانتخابات السابقة وجرت في ظروف صعبة سياسيا وامنيا واقتصاديا وكانت انزه بكثير من الانتخابات السابقة. ولا شك ان الإنجاز الذي حققه رئيس المفوضية وأعضاء مجلسها كان جيدا ومرضيا مع الأقرار بحصول بعض الأخطاء الفنية والادارية، الى جانب كونهم قضاة ولديهم دراية قانونية في قراراتهم برغم أنهم يفتقرون للخبرة الفنية والتقنية مما استوجب الاعتماد على المستشارين والكادر الفني في المفوضية، مع الإشارة هنا الى احتمال قيام بعض هؤلاء بالتحكم بتفاصيل قد تكون خافية على المفوضين ولعل ما حصل عند اعلان النتائج الأولية خير دليل على ذلك.
ان القبول بنتائج الانتخابات بات مسألة حتمية لجميع القوى السياسية خاصة وان القوى الفائزة سوف لن تتنازل عن استحقاقاتها، وان المجتمع الدولي والإقليمي بارك للعراق نجاح الانتخابات، بعد اعلان مجلس الامن الدولي ترحيبه بنجاح العملية الانتخابية، وهذا يعني ان كل المعطيات تشير الى القبول بنتائج الانتخابات والمضي في اكمال المراحل السياسية المترتبة عليها، مما يضع القوى الرافضة للنتائج المعلنة في موقف صعب والذي ينقسم الى القبول بالنتائج برغم اعتراضها ورفضها الصريح او الاستمرار بهذا الرفض وزيادة منسوب التصعيد، والذي قد يؤدي الى نتائج عكسية على العملية السياسية برمتها ويضع الجميع امام تحديات كبيرة يصعب التكهن بنتائجها.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *