حكومة الكاظمي تتأرجح بين النجاح والفشل

فرهاد علاء الدين
٧ تشرين الثاني ٢٠٢٠
حصلت كابينة مصطفى الكاظمي وبرنامجه الحكومي في السادس من أيار 2020 على ثقة البرلمان ليصبح خامس رئيس وزراء منذ عام 2005 بعد إقرار الدستور العراقي الجديد.
وأختير الكاظمي بعد استقالة رئيس مجلس الوزراء السابق عادل عبد المهدي على خلفية ما شهدته بغداد ومدن جنوب العراق من تظاهرات وإحتجاجات حاشدة تطالب بالخدمات وتوفير فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل أن تتحول الى مطالبات موحدة بإقالة الحكومة وإجراء إنتخابات مبكرة. وقدم الكاظمي في حينها برنامجه المقتضب لمجلس النواب لمعالجة سلسلة الأزمات التي تعصف بالبلاد.
بعد مضي ستة اشهر، أختلف مراقبون في تقييم مستوى الإداء لحكومة الكاظمي في ضوء ما يراه كل منهم من نجاح أو فشل بهذا الملف أو ذاك، آخذين بنظر الإعتبار التركة الثقيلة التي ورثتها وحجم التحديات التي تواجهها وخطورة الأزمات القائمة وتفاقمها، حتى بات العراق على شفا إنهيار وشيك.
ويعزو الفريق الذاهب الى تأكيد فشل الكاظمي الى تردده الواضح في اتخاذ القرارات المصيرية وإفتقاره لاستراتيجية واضحة وغياب الحزم المطلوب في التعامل مع ملفات أساسية وحساسة.
الملف الاقتصادي:
لعل اهم انجاز يسجل للحكومة في الجانب الاقتصادي برغم الجدل الذي أثاره، طرحها لمشروع الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي، والتي تنطوي على رؤية شمولية لمشاكل وأزمات العراق الاقتصادية، وهي بمثابة خارطة طريق للحكومة لإجراء الإصلاحات المنتظرة. الا أنها أي الحكومة لم تباشر بعد بتنفيذ بنودها، كون معظمها بحاجة الى قرارات حاسمة وسريعة من قبل مجلس الوزراء، والجزء المتبقي منها بحاجة الى موافقة مجلس النواب، ولكن حتى اللحظة مازالت العلاقة متوترة مع البرلمان والتنسيق غائب لتسريع وتيرة تشريع القوانين الهادفة لتنفيذ بنود الورقة على الفور. واذا استمر غياب اتخاذ القرار الحكومي فان الورقة تبقى مركونة على رفوف الإنتظار عدا مايشار اليه في المؤتمرات والتصريحات والبيانات الصحفية، ليطويها النسيان كما جرى مع العديد من المشاريع والمبادرات الحكومية السابقة.
عمد القائد العام للقوات المسلحة الى إجراء تغييرات في القيادات الأمنية واستحدث قيادة عمليات سومر لضبط الأمن في محافظات ذي قار والمثنى وميسان .
لم تقدم الحكومة موازنة سنة 2020 بالرغم من كونها تحتل أولوية في برنامج الحكومة. في بداية الامر تجاهلت الحكومة اعداد مشروع قانون الموازنة واكتفت بمشروع قانون الاقتراض الداخلي والخارجي في حزيران. وعادت في شهر أيلول لتقدم مشروع قانون الموازنة وسحبها في نفس اليوم لتعوض عنه بمشروع قانون تمويل العجز واعتمدت الاقتراض من جديد لتطلب نحو 41 تريليون دينار لتمشية الأمور في 2020 في الوقت التي تعاني البنك المركزي من هبوط نسبة السيولة الى مستويات خطيرة وحسب المصادر المقربة من البنك المركزي انه لا يوجد لديهم المبالغ التي تطلبها الحكومة. ولم تعطي الحكومة سببا مقنعا بعدم تنفيذ وعدها بتقديم قانون الموازنة ولجوؤها الى الاقتراض في إطار إدارتها للسياسة المالية مرتين. وادى هذا التردد في القرار الى عدم إقرار الموازنة وعجز الحكومة دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين.
يتضمن البرنامج الحكومي أيضا مجموعة من الإجراءات الجيدة والكفيلة بتحسين الوضع الاقتصادي العراقي ومنها “ترشيد الانفاق الحكومي، وإيقاف الصرف غير الضروري وتطوير نظام الجباية والتعرفة ” وتشكيل “المجلس الأعلى للإعمار والاستثمار” و”اطلاق مشروع (صنع في العراق) لتشجيع الصناعة الوطنية والزراعة” و”تطوير الأداء المصرفي” و”البدء بالإصلاح الإداري الشامل في مؤسسات الدولة والقضاء” و”اعتماد برنامج لتمكين وتشغيل الشباب في القطاع الخاص” و”اعتماد نظم الأتمتة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في مؤسسات الدولة وخاصة في هيئة المنافذ الحدودية والنظام الكمركي”. كل هذه الخطوات المهمة اذا وجدت طريقها للتنفيذ ستكون كفيلة بتنشيط الاقتصاد والبدء بحلحلة الازمة الاقتصادية، ومن الواجب على الحكومة اتخاذ قرارات مدروسة بمشاركة القطاع الخاص والخبراء المستقلين لتنفيذ هذه تلك الخطوات ووضع إقتصاد البلاد على طريق الإنقاذ الحقيقي. الى جانب تفعيل المبادرات الصناعية والزراعية لتنشيط وتفعيل دورة الاقتصاد. وينبغي على الحكومة إيلاء الاهتمام المناسب لهذين القطاعين.
أي خلل يعتري الملف الأمني ممكن أن يؤدي الى انهيار نظام الحكم وبالتالي سقوط الدولة
الملف الأمني والعسكري:
شهد الوضع الأمني استقراراً امنياً نسبياً في الأشهر الستة الماضية وعمد القائد العام للقوات المسلحة من جانبه الى إجراء تغييرات في القيادات الأمنية واستحدث قيادة عمليات سومر لضبط الأمن في محافظات ذي قار والمثنى وميسان، كما عمل على إعادة تجهيز وتدريب القوات العسكرية بالتعاون مع التحالف الدولي وقوات الناتو.
ومن بين الأولويات المهمة في حكومة الكاظمي ملف “حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية” ولكن بقى السلاح المنفلت بيد الجماعات المنفلتة وجماعات الجريمة المنظمة. فيما تم استهداف شخصيات معروفة في الوسط السياسي والاجتماعي مثل اغتيال الباحث والكاتب هشام الهاشمي المقرب من الكاظمي وصديقه الشخصي في تموز الماضي وعدد من الناشطين من بينهم تحسين أسامة الخفاجي وريهام يعقوب وغيرهم وهذه الحملة كشفت عجز الحكومة عن ملاحقة واعتقال القتلة، ولم تتمكن حتى اللحظة من كشف هوية منفذي هذه الجرائم وتقديمهم للعدالة.
كما تعرض الكاظمي شخصيا لتهديدين قبل وبعد تسنمه منصبه، الأول كان ليلة تكليفه بتشكيل الحكومة في 9 نيسان عندما دخلت قوة مسلحة المنطقة الخضراء وهددت باغتياله، والثاني في 25 حزيران عندما دخلت قوات كتائب حزب الله المنطقة الخضراء مطالبين باطلاق سراح 14 من عناصرها اعتقلتهم قوة تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب في منطقة البوعيثة في الدورة بضواحي بغداد وارغموا الحكومة على اطلاق سراحهم فيما بعد.
فيما لم تتمكن الحكومة من تنفيذ بنود اخرى متعلقة بالأمن تضمنها برنامجها الحكومي مثل تولي “التشكيلات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية مهمة حماية الأمن الداخلي” وعدم تدخل الجيش في حماية المدن. فيما تم توريط قوات جهاز مكافحة الإرهاب في قضايا أمنية داخلية مثل احتجاز المسؤولين على ذمة التحقيق بقضايا فساد في مقرات الجهاز، او ارسالهم لتحرير ناشط مدني اختطف في الناصرية، ومثل هذه الواجبات تندرج ضمن مهام وزارة الداخلية.
كما شهدت العاصمة بغداد تدهوراً امنياً ملحوظاً أثر تعرض موكب السفارة البريطانية لعبوة ناسفة، بالإضافة الى الهجمات الصاروخية المتتالية على منشأت السفارة الاميركية، فيما أصبح استهداف ارتال الدعم اللوجستي للتحالف الدولي مشهدا مألوفا دون رادع او ملاحقة من قبل أجهزة الدولة المعنية. وأثارت هذه السلسلة من الهجمات ردود أفعال قوية من حكومات الدول المشاركة بالتحالف الدولي. وهددت الحكومة الأميركية من جانبها الحكومة العراقية بغلق السفارة واستهداف الفصائل المسؤولة عن القصف بشكل مباشر. ويرى مراقبون بأن الحكومة عاجزة حتى عن احتواء هذه الجماعات المسلحة وليس لديها القدرة على ردعها او على الأقل منعها من الاستمرار في تنفيذ هذه الهجمات.
حملة مكافحة الفساد لم تستهدف كبار المسؤولين المدعومين من قبل الأحزاب المتنفذة كما لم يتم فتح ملفات كبرى باتت معروفة للقاصي والداني
يعد الملف الأمني من اهم أعمدة الحكم وأن أي خلل يعتريه يؤدي الى انهيار نظام الحكم وبالتالي سقوط الدولة، لذا يجب على القائد العام للقوات المسلحة ان يعيد النظر في الأولويات الأمنية وان يبدأ بحصر السلاح بيد الدولة ويشرع بالسيطرة على الجماعات المنفلتة وعصابات الجريمة المنظمة، وتنفيذ ما جاء في البرنامج الحكومي بهذا الصدد، لضمان تحقيق الاستقرار الأمني، ومما لاشك فيه أن عزوف المستثمرين عن العمل في العراق مرده تراجع الوضع الأمني.
ملف العلاقات الخارجية:
رحب المجتمع الإقليمي والدولي بتشكيل حكومة الكاظمي معرباً عن أمله بعودة العراق كعنصر ايجابي في المحيط الدولي، بعد عزلة شهدها في الماضي. والملاحظ أن مصطفى الكاظمي يتمتع بعلاقات شخصية مع بعض حكام البلدان المجاورة، كما استقبل بحفاوة لافتة عند زيارته لواشنطن وباريس وبرلين ولندن. وكان من المؤمل أن يزور أولا المملكة العربية السعودية ولكن تم الغاء الزيارة ومن ثم تأجليها أكثر من مرة لاحقا. فكانت طهران اول عاصمة يزورها، ومن بعدها واشنطن (بعد تأجيلها لأكثر من مرة من قبل الجانب الاميركي) ثم تبعتها زياراته لكل من باريس وبرلين ولندن. رافقه خلالها وفد كبير من الوزراء والمستشارين، اذ جرى التوقيع على مذكرات تفاهم وتعاون في مختلف المجالات. وواصل الكاظمي مباحثاته مع كل من مصر والأردن على خطى رئيس الوزراء السابق كما عقد اجتماع قمة في العاصمة الأردنية عمان لتفعيل التعاون مع هذين البلدين.
لكن الملاحظ أن ما يتمخض عن هذه الزيارات سرعان ما يطويه النسيان ولا يجد طريقه للتنفيذ وهذا ماينطبق على جميع الحكومات السابقة. ولا تخفي حكومات الدول المضيفة وفي مقدمتها الأوروبية خيبة أملها جراء افتقار العراق لجدية التعامل مع هذه الزيارات وأهميتها لكلا الطرفين. في الوقت الذي يجب أن تدفع حاجة العراق حكوماته الى ترجمة الدعم الدولي المتأتي من وراء تلك الزيارات وإستثماره على النحو الأفضل والحرص على حلحلة ومعالجة أزماته المتفاقمة خاصة في الجوانب الاقتصادية والصناعية والزراعية والمالية. ولعل زيارة الكاظمي لواشنطن خير مثال، اذ تم توقيع تسع مذكرات تفاهم وبعد مرور شهر هددت الولايات المتحدة بالانسحاب من العراق كليا ولم يتم تفعيل أي من المذكرات الموقعة.
ملف حقوق الانسان ومكافحة الفساد:
من المعروف عن الكاظمي اهتمامه بحقوق الانسان قبل وبعد تسنمه رئاسة الحكومة الحالية، كونه عمل سابقاً كناشط مدني، لذلك حرص خلال تعامله مع المتظاهرين على منع استخدام السلاح وإطلاق الرصاص الحي ضد المدنيين العزل، وتجلى ذلك واضحا خلال الستة أشهر الماضية بتعاطيه مع إحتجاجات 25 تشرين الأول، برغم مما شابها من خروقات بسيطة. وانفرد الكاظمي بإستخدام تكتيك نزع الأسلحة عن القوات المكلفة بحماية التظاهرات، وعمل مصدات بشرية للحيلولة دون اقتراب المتظاهرين من المصالح العامة والمؤسسات الحكومية. الا انه يجب الإشارة الى استشهاد متظاهر في تظاهرات البصرة يوم 6 تشرين الثاني بالرصاص الحي.
يندرج ملف مكافحة الفساد ضمن أولويات الحكومة، والذي أشارت اليه في برنامجها، ولابد من الإشارة هنا الى مبادرتها بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد ومنحها صلاحيات واسعة، والتي سرعان ما بدأت حملتها بمداهمة بعض المسؤولين المتهمين داخل منازلهم واعتقالهم تمهيدا للتحقيق معهم بملفات فساد كبيرة، وجرى توقيفهم في مواقع غير معروفة من تلك التي تعود لوزارتي الداخلية او العدل. بل تم توقيفهم في موقع امني تابع لجهاز مكافحة الإرهاب، ولا يخفي مراقبون قلقهم المتزايد من انتهاك حقوق المعتقلين على ذمة التحقيق اذ حرم البعض منهم من حق توكيل محامي او مقابلة ذويهم، ومنهم لم يتم التحقيق معه برغم مرور ثلاثة أسابيع على إعتقاله. وثمة ادعاءات بتعرض البعض منهم الى تعذيب جسدي ونفسي. ان محاربة الفساد والقضاء عليه مطلب جميع العراقيين لكن احترام حقوق الانسان والالتزام بالمعايير الدولية والإنسانية والقانونية تحتم التعاطي مع هذا الملف بشفافية وتؤمن حرية الوصول للمعلومة واطلاع الرأي العام على ما يجري بهذا الصدد، بالإضافة الى تحويل ملفاتهم بعد التحقيق الى المحاكم بشكل اصولي وكما ينص القانون.
جدير بالذكر ان حملة مكافحة الفساد لم تستهدف كبار المسؤولين المدعومين من قبل الأحزاب المتنفذة. كما لم يتم فتح ملفات كبرى باتت معروفة للقاصي والداني، ولكي تكسب هذه الحملة مصداقيتها، يجب فتح هذه الملفات والتعامل مع كافة المتهمين على نحو متساوي.
المجتمع الدولي من جانبه يراقب أداء الحكومة في محاربة الفساد وفي مقدمته الفساد الإداري والمالي وكثيراً ما يطالب الحكومات العراقية بإجراءات سريعة وصارمة لإنقاذ الدولة والمجتمع من هذه الآفة، لذا يجب على الحكومة تفعيل حملة مكافحة الفساد من خلال تقوية الأجهزة الرقابية مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ودعمهما لتمكينهما من أداء مهامهما في هذا المضمار بدلاً من إستحداث هيكليات جديدة من دون سند قانوني او دستوري. وزيادة الاعباء المالية والادارية على كاهل الدولة.
تصحيح المسار:
يرى مراقبون انه يجب على حكومة الكاظمي الالتزام ببنود البرنامج الحكومي وترجمتها الى نقاط عملية للتطبيق في مؤسسات الدولة، وأن تعطي الأولوية الآن لحل الازمة المالية والتعامل مع أزمة جائحة كورونا بشكل افضل. ولابد لها من الانفتاح على منظمات المجتمع المدني بما تمتلكه من خبرات واسعة وملاكات كفؤة قادرة على مساعدة الحكومة في شتى المجالات، كما أنها لم تسعى بجدية لخلق شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وهو الأكثر تأهيلا لدعم برامج الحكومة ومشاريعها لتحريك عجلة التنمية والبناء ومكافحة البطالة وتوفير فرص عمل جديدة.
ان محاولة مسك العصا من الوسط، لم تعد سياسة ناجحة في دولة مثل العراق، كونه بات يقترب شيئاً فشيئاً من الانهيار الوشيك، لذا يجب على الكاظمي وحكومته العمل الحثيث مع رئاستي الجمهورية والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والقطاع الخاص لتصحيح مسار العمل ومعالجة الإخفاقات والبدء الفعلي في الاصلاحات، في إطار خطة واضحة الأهداف والمعالم، فعامل الزمن بات يضغط بقوة ولم يعد أمام الجميع سوى بضعة أشهر لاغير للعمل بشكل جدي ومسؤول لحل الازمات القائمة وإنقاذ العراق وشعبه.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *