حكومة جديدة بواقع سياسي جديد

فرهاد علاء الدين
11 ايار / مايو 2020
وأخيرًا تمكّن المرشح مصطفى الكاظمي من الوصول إلى خط النهاية في السباق على رئاسة مجلس الوزراء العراقي، وشكّل الحكومة العراقية السابعة منذ تغيير النظام عام 2003. وفي ساعات الصبح الأولى من يوم السابع من أيار/مايو، قامت الحكومة الجديدة بحلف اليمين، ولكنّ 15 من أصل 22 من وزرائها نالوا الثقة. ومع سقوط ترشيح خمسة وزراء وشغور حقيبتين وزاريتين، من المتوقع أن يُصار إلى ملء المناصب السبعة المتبقية في الأسابيع المقبلة. ولا بد من الإشارة إلى أن عملية الانتقال السلمي والتسليم الودّي بين رئيسَي الوزراء عبد المهدي ومصطفى الكاظمي تشكّل دلالة أخرى على سلامة العملية الديمقراطية في العراق بالرغم من التحديات الجمة التي يواجهها.
وإذا بالمجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة وإيران، يوجّه رسائل تهنئة إلى القادة العراقيين مع أفضل التمنيات للعراق مع تشكيل حكومته الجديدة. غير أن هذا الاعتراف الدولي هو مشهدٌ لم يمرّ علينا منذ تعيين حيدر العبادي رئيسًا للوزراء عام 2014. وبالرغم من الترحيب الحار الذي نالته الحكومة الجديدة في الداخل وفي الخارج، يبقى طريقها محفوفًا بتحدياتٍ وصعوبات لا بد من التغلب عليها من أجل إعادة العراق إلى المسار الصحيح.

¤ ︎الأهمية السياسية
يحمل تشكيل هذه الحكومة جوانب سياسية مهمة تستحق التوقف عندها، خصوصًا مع انتخاب مصطفى الكاظمي رئيسًا للوزراء. فالكاظمي هو أول رئيس وزراء لا ينتمي إلى جيل القادة القديم ولا إلى أيٍّ من الأحزاب السياسية الكبرى في العراق، مع أنه جاء بترشيح من هذه الأحزاب. وليس للكاظمي أي انتماءات سياسية قوية، وهو أمرٌ يتجلى في غيابه عن مجالس القيادة في كل الأحزاب. أضف إلى ذلك أن الوزراء المختارين أنفسهم (باستثناء عددٍ ضئيل) ليسوا من السياسيين المتحزّبين، كما أن الانتماء الحزبي لكل الوزراء المرشحين تقريبًا ليس ثابتًا أو قويًا.
كان من اللافت أن العملية هي عملية عراقية بحت غاب عنها أي تأثير يُذكر لإيران والولايات المتحدة. ومع أن كلتا هاتين القوتين راقبتا العملية عن كثب، لم تتمكن أيٌّ منهما من إملاء مسار المفاوضات بشكل مباشر. 
كان لافتًا أيضا المسار الذي أوصل إلى ترشيح الكاظمي، فقد رشّحه في بادئ الأمر رئيس “تيار الحكمة الوطني” عمار الحكيم ورئيس الجمهورية برهم صالح، لكن الأحزاب السياسية – وخصوصًا تحالف “الفتح” – رفضته. وبعد تسمية مرشحَين آخرين بدون جدوى، عاد الكاظمي إلى الواجهة باعتباره المرشح المفضّل، لكن ترشيحه هذه المرة كان مدعومًا من داعميه السابقين ومن عدة أعضاء بارزين من قياديي “حزب الدعوة الإسلامية” على حدٍّ سواء. فمهّد هذا المزيج الطريق أمام تكليف الكاظمي وتشكيل حكومته بالرغم من معارضة أمين عام “حزب الدعوة” الذي آثر الاعتراض على المرشح حتى النهاية. روا به خيرًا: فوجود شخصٍ يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير في مرحلة يستعد خلالها البلد لانتخابات جديدة يؤشّر أقلّه على مستقبل أفضل للعراقيين في الأفق.

¤ الموالاة والمعارضة
شهدت المرحلة التي سبقت تشكيل الحكومة تحولات ومنعطفات كثيرة، وما لثبت نشوة الترشيح أن تلاشت في أروقة المفاوضات. إذ أن الكثير من الذين بدوا أنهم يرحبون بترشيح الكاظمي اعترضوا لاحقًا عليه، في حين أن الآخرين الذين اعترضوا في البداية على تسميته تحوّلوا إلى أشدّ مناصريه.

¤ الأحزاب الشيعية
• “سائرون”: لم تضطلع هذه الكتلة بدورٍ كبير في ترشيح الكاظمي ببادئ الأمر مع أن مقتدى الصدر كان قد طرح اسمه وشخصَين آخرين في كانون الأول/ديسمبر 2019 كمرشحين لرئاسة الحكومة. لكن أهمية دعم “سائرون” للكاظمي تنامت بشكل كبير في الأيام الخمسة الأخيرة من ترشيحه في وقتٍ بدت فيه الأمور كلها على شفير الانهيار. إذ ساهم تدخّل “سائرون” مع “الفتح” في إعادة هذا الأخير إلى طاولة المفاوضات، وبعد ثلاثة أيامٍ مضنية طرحت كتلة “سائرون” توجيهات خطية لتشكيل الحكومة، وكان من شأن هذه التوجيهات أن أعطت “الفتح” ضمانات بشأن وزارات عدة، ووافق عليها الكاظمي. وفي الوقت نفسه، تعهّدت كتلة “سائرون” بحذو حذو “الفتح” إذا ما قرر هذا الأخير رفض الكاظمي. وفي النهاية، أصبح تأييد “سائرون” – بعد ثباته – الدعامة الأساسية التي قامت عليها الحكومة الجديدة. 
• “الفتح”: لا يخفى على أحد أن “الفتح” اعترض على ترشيح الكاظمي في المرة الأولى. ولكن عند ترشيحه المرة الثانية، احتاج “الفتح” في البداية إلى دعمه كبديلٍ عن المرشح السابق عدنان الزرفي وكوسيلة لإخراج الزرفي من السباق إلى رئاسة الحكومة. وحين قدّم الكاظمي تشكيلته الحكومية الأولى في 22 نيسان/أبريل، رفضها “الفتح” جملةً وتفصيلاً وأبى حتى المشاركة في المفاوضات لعدة أيام. وبعد طرح قائمة ثانية بالتشكيلات الوزراية في 26 نيسان/أبريل، رفضها “الفتح” مرة أخرى في موقفٍ بدا أنه يزداد تعنّتًا. غير أن الحدث الذي شكّل نقطة تحول في هذا الإطار– كما هو مذكور أعلاه – هو التشجيع الذي بدر من “سائرون” خلال الأيام الأخيرة من مشاورات التكليف. وفي يوم التصويت، حين أراد الكاظمي أخذ وزارة الشؤون الاجتماعية من يد “الفتح”، كادت المعارضة التي أبداها التحالف في اللحظة الأخيرة أن تعرقل العملية بأسرها، إلا أن الكاظمي عاد عن قراره واختار مرشّح “الفتح” لتلك الحقيبة، وبذلك صوّت “الفتح” لصالح الحكومة.
• “ائتلاف دولة القانون”: لعل المفاوضات التي أجراها الكاظمي وفريقه مع رئيس الائتلاف نوري المالكي كانت الأصعب، ويعود ذلك بالدرجة الكبرى إلى أن ترشيح الكاظمي تم بمساعدة أعضاء من قيادة “حزب الدعوة” لا ينسجمون مع ائتلاف المالكي. واعتُبر الائتلاف صعب المراس بشكل خاص لأن المالكي لعب دورًا حاسمًا في إسقاط ترشيح الأسماء الأخرى. وإذ رأى الكاظمي في كسب تأييد المالكي عاملاً بالغ الأهمية، تلقّى طلبات صعبة من الائتلاف الذي أراد الحصول على وزارتين (هما وزارة العمل ووزارة التربية) وعلى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء. وفي نهاية المطاف تداعت المفاوضات، وأصدر الائتلاف بيانًا رسميًا أعلن فيه معارضته للحكومة. وقد أملت قيادة الائتلاف أن يؤدي هذا الرفض إلى ضم المشككين إلى صفّها من أجل تشكيل معارضة متماسكة ضد تكليف الكاظمي. ولكن بينما انضمّ “ائتلاف الوطنية” بزعامة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي إلى جبهة المعارضة مع “ائتلاف دولة القانون”، لم ينجحا في إحداث التأثير الجماعي المنشود بعد أن ازداد نشاط “سائرون” من أجل حشد الدعم للكاظمي.
• “تيار الحكمة” و”النصر”: اضطلع هذان الحزبان بدور داعم حيوي في عملية الترشيح، ولا سيما “تيار الحكمة”. ولكن مستوى الدعم الذي قدّمه الحزبان تفاوت ما بين التفاني والفتور بحسب مرحلة المفاوضات. مع ذلك، استمر سياسيو الحزبَين بدعم الكاظمي، وأدّوا في مرحلة التصويت الأخيرة دورًا مهمًا في تخطّي الكاظمي عتبة الأصوات اللازمة لتكليفه.

¤ الكتل السُّنية
• “تحالف القوى العراقية”: شهدت المفاوضات مع “تحالف القوى” هي أيضًا سلسلةً من التقلّبات، خصوصًا حين أعلن الكاظمي عن لائحته الوزارية الأولى. في البداية، اغتاظ السياسيون التابعون لـ “تحالف القوى” من أسماء الوزراء المختارين، وتعهّدت بعض الأحزاب المنتمية إلى التحالف بمعارضة الكاظمي في كل شي. لكن من خلال المفاوضات المعمّقة التي نظّمها رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، والاتفاقات التي تم التوصل إليها بشأن المرشحين لبعض الوزارات، أيّد “تحالف القوى” الكاظمي أخيرًا، وكان لهذا التأييد دورٌ فعال في حصول الحكومة الجديدة على الثقة.
• “تحالف المدن المحررة”: في خضم المفاوضات، ظهر تحالفٌ جديد برئاسة السياسي ورجل الأعمال خميس الخنجر، زاعمًا أنه يمثّل 22 نائبًا سُنيًا في مجلس النواب. وسعى هذا التحالف إلى التأثير على قرار الكاظمي بشأن المرشحين الوزاريين، فعمل عن كثب مع الكاظمي وفاوضه بنجاح على حقيبتين على الأقل من الحقائب الوزارية الستة المخصصة للسُّنة. لكن تأييد هذا التحالف للكاظمي سبّب توترًا بين “تحالف القوى” والكاظمي، وأصبح للمفارقة عاملاً دفع “تحالف القوى” إلى الانضمام للكاظمي من أجل الحد من قدرة “تحالف المدن المحررة” على التأثير في التعيينات. وفي النهاية، أبرم “تحالف القوى” مع الأحزاب الأخرى صفقةً حرصت على فشل المرشح الرئيسي لـ “تحالف المدن المحررة”.
 
¤ الأكراد
• كما كانت عليه الحال في السابق، أعلنت الأحزاب الكردية تأييدها للكاظمي منذ البداية ولعبت دورًا فعالاً في عرقلة مساعي رئيس الوزراء المكلّف السابق الزرفي وتعزيز فرص تكليف الكاظمي. لكن تأييدها الأولي والقاطع أضعف موقفها خلال المفاوضات اللاحقة بشأن تشكيل الحكومة. وبالنتيجة، لم يتم تعيين إلا وزير كردي واحد. ومع أن الكاظمي قدّم للأكراد كل تعهدات الدعم اللازمة، وجدت الأحزاب الكردية نفسها في موقفٍ أضعف بكثير للتفاوض مع الكاظمي حين أصبح رئيسًا للوزراء مما كان عليه حين كان مكلّفًا. ويبدو أنه من عادة الأحزاب الكردية الوصول متأخرة والمغادرة باكرًا بدون أن تحقق مكاسب تساوي جهودها – ولم تكن هذه المرة استثناءً للقاعدة.

¤ التوقعات السياسية
بدأ الكثير من المتابعين يتوقعون ما ستؤول إليه هذه الحكومة وفرص نجاحها أو فشلها. لكن تعقيد التحديات التي يواجهها العراق – كما وصعوبة التكهن بالأزمات العالمية المتزامنة والعديدة – يزيد صعوبة التنبؤ بما سيحدث بعد الآن. وعلى افتراض أن يتم إجراء انتخابات قريبًا، من المرجح أن تكون الأحزاب الشيعية أول مَن يبادر إلى حملاتٍ انتخابية معارِضة للحكومة كونها تعتقد أنّ لعب ورقة المعارضة يعطي تأثيرًا أفضل على ناخبيها. ويوحي هذا الضغط السياسي المحتمل في المستقبل القريب أن فترة “شهر العسل” التي ستعيشها الحكومة الجديدة ستكون قصيرة الأمد.
علاوةً على المعارضة السياسية العادية، ستضطر الحكومة إلى اتخاذ مجموعة من الخيارات الصعبة في ما تبقّى من العام. ولن تلقى هذه الخيارات استحسان الناخبين، بل من المرجح أن تشجّع الأحزاب أكثر على الانضمام إلى المعارضة. كما أن تعاظم الضغوط النيابية يبشّر مستقبلاً بجلسات صاخبة داخل البرلمان. والأرجح أن يُجرّ بعض الوزراء على الأقل إلى البرلمان لحجب الثقة عنهم. وبالرغم من هذه الضغوط، لا بد للحكومة من الصمود ومواصلة مسارها حتى الانتخابات. من المرجّح أن تركّز الحكومة خلال الأشهر القليلة المقبلة على إدارة أزمة كوفيد-19 وما يصاحبها من انهيارٍ مالي. من هنا، وإذ يجدر بالعراقيين أن يشهدوا على دوران عجلة الديمقراطية، من المستبعد أن يجدوا ما يستحق الاحتفاء في المستقبل القريب. وصحيحٌ أن تسليم السلطة السلمي ساعد العراق على الخروج من فراغ السلطة الذي نجم عن استقالة الحكومة السابقة، إلا أن رئيس الحكومة الجديد سيواجه التحديات السياسية نفسها علاوةً على القضايا المالية والصحية الخطيرة، بدون أي دعم مباشر وصريح من أي كتلة سياسية وبدون أي حزب سياسي ينتمي إليه، ما ينذر بمشاكل سياسية كثيرة في المرحلة المقبلة.
وحتى ذلك الحين، يبقى الكاظمي، بصفته رئيسًا للوزراء، شخصًا يجدر بالكثير من العراقيين أن يستبشروا به خيرًا: فوجود شخصٍ يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير في مرحلة يستعد خلالها البلد لانتخابات جديدة يؤشّر أقلّه على مستقبل أفضل للعراقيين في الأفق

المقال منشور في منتدى ( فكرة ) لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *