القوى السياسية والضغوط المتوقعة لتمرير حكومة علاوي

فرهاد علاء الدين
12 فبراير 2020
مع بدء العد التنازلي لقرب الإعلان عن الحكومة المرتقبة، اتسعت دائرة الجدل السياسي مؤخرا بين أغلب المراقبين والمحللين وعلى مختلف المستويات والأصعدة، مع التركيز على مجموعة العوامل الضاغطة محليا واقليميا ودوليا على شكل وتوجهات كابينة الخروج من الأزمة الراهنة. بالمقابل فإن كل المؤشرات تؤكد أن رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي بات على وشك الإعلان عن حكومته المنتظرة.
ويأتي الجدل الدائر حاليا متزامنا مع تسريبات شبه مؤكدة تفيد بأن علاوي منشغل حاليا بوضع اللمسات الأخيرة لكابينته الوزارية، لكن يعوزه وبحسب مقربين الدراية الكاملة بشخوص المرشحين! ولا يعرف إلا القليل عنهم. وطبقا لنفس المصادر فأنه بصدد تغيير التشكيلة غير المعلنة بأكملها !! تمهيدا لإختيار وزراء آخرين وفقًا لمعاييره الخاصة بدلاً من اختيارات الأحزاب السياسية. وقد أغضب تحول علاوي المفاجئ العديد من القادة السياسيين الذين اعلنوا إنهم سيذهبون إلى المعارضة بدلاً من المشاركة والدعم.
تخطي العتبة البرلمانية؟
ثمة تساؤلات عدة حول قدرة المكلف على تخطي العتبة البرلمانية. والذي يعد الآن الموضوع الأكثر سخونة، ويعتقد البعض أنه وقع بين المطرقة والسندان ، فالمطرقة هي التعهدات التي قطعها على نفسه للمتظاهرين يوم ترشيحه حيث قدم ( ١٤ ) تعهدا ، يصفها البعض بأنها “قائمة الأمنيات” بدلاً من الوعد الفعلي الذي يمكنه الوفاء به. والسندان هو مطالبة الأحزاب السياسية ب “حقها الانتخابي” في الحكومة، دون الالتفات الى مطالبات الشارع المنتفض. جدير بالذكر ان الأحزاب السياسية هي التي تصوت للحكومة في البرلمان عبر كتلها البرلمانية، والمكلف بحاجة الى استمالتها لتمرير حكومته ونيل الثقة، لذا لايمكنه تجاوز إرادة تلك الاحزاب وتمكنه من المرور برلمانيا بسلام.
وتتفاوت آرا المراقبين حيال نسبة نجاح المكلف، فهناك من يعطيه نسبة 50% ، والبعض الآخر يقول 70 ، بينما يعطي من يدعمه نسبة 90 %، أما معارضيه برغم قلتهم فلا يعطونه سوى 20%
عوامل الاستجابة
يرى البعض بأن ثمة عوامل عديدة قد تسهل مهمة علاوي وتشكل بمجملها إستجابة حقيقية لتمرير حكومته وتخطيها لعتبة البرلمان من بينها ما يلي:

١- الشيطان الذي تعرفه
استغرقت الأحزاب السياسية الشيعية قرابة الشهرين للوصول إلى مرشح توافقي فيما رفض رئيس الجمهورية مرشحين رسميين تم ترشيحهم من قبل كتلة الفتح ، مما اجبر الأحزاب السياسية للبحث عن بديل توافقي يحظى برضا الأطراف الاساسية وانتهى بهم المطاف الى أسمين فقط، وهما رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي والوزير السابق محمد توفيق علاوي، فاختارت كتلة الفتح دعم ترشيح علاوي على حساب الكاظمي وذلك بعد معارضة قوية له داخل كتلتي بدر و سند المنضويتين داخل كتلة الفتح.
وفي ذات الوقت، فإن الدستور العراقي يمنح رئيس الجمهورية حسب المادة ( 76 ) ثالثا الحرية في اختيار وترشيح من يراه مناسبا إذا فشل المرشح الرسمي في تشكيل حكومته في غضون ( 30 ) يومًا، وهذا يعني أن الرئيس برهم صالح سيكون قادرًا على ترشيح من يراه مناسبا لتشكيل الحكومة. حرية الرئيس في الاختيار تخشاها الكتل الشيعية أكثر من غيرها، لإنها ببساطة لا تستطيع ضمان من سيختاره الرئيس ! وقد لا يروق لهم !! لذلك هي تفضل بما يعرف بالمثل الإنكليزي القائل “إن الشيطان الذي تعرفه أفضل من الملاك الذي لا تعرفه.

٢ – استمرار الفوضى
مراقبون يؤكدون بأن فرص نجاح المكلف تزداد مع ازدياد الضغوطات على الأحزاب السياسية للوفاء بالوعود التي قطعتها للإصلاح، لإنها ببساطة لا يمكنها الاستمرار بالتسويف والمماطلة ، وهي تدرك جيدا أن الضغط سيزداد مع مرور الوقت وقد يفضي الى ما لا يحمد عقباه
الى ذلك اكتسبت حركة الاحتجاج والتظاهر زخماً جديداً بعد إعلان الهدنة بين أنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وحشود ساحات الاعتصام، حيث يتدفق الآلاف من طلبة الجامعات والكليات نحو ساحات التظاهر، في مؤشر على تصاعد وتيرة المطالبات بالإصلاح والتي يمكن أن تتحول في المستقبل المنظور إلى عامل ضغط ذو تأثيرات غير متوقعة على الطبقة السياسية الحاكمة لإرغامها على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

٣- مخاوف المكون الشيعي
بات من المسلم به تسيد شباب المكون الشيعي لحركة الاحتجاج والتظاهر في جميع مدن وسط وجنوب العراق منذ بدايتها وحتى الآن، والتي تشكل الغالبية الشيعية، ابتداء من العاصمة بغداد مرورا بالفرات الاوسط وانتهاء بالجنوب
ومن البديهي طبعا أن يكون اكثرية ضحايا محاولات قمع التظاهرات هم شباب الشيعة ، ومن الصعب ان يستمر سفك الدماء على هذا النحو من دون احتمالات أن يفضي الى تصادمات متوقعة بين الطرفين والتي قد تنزلق الى حرب أهلية داخل المكون الواحد، خاصة مع انتشار السلاح المنفلت أضافة الى وجود جماعات شيعية مسلحة ضمن طرفي النزاع، أضف إلى ذلك وجود عشائر مسلحة تمتلك حتى الاسلحة المتوسطة والثقيلة احيانا، فإذا ما خرجت الأمور عن السيطرة ، فإننا سنكون أمام إقطاعيات مسلحة كل منها يحاول الذود عن ابناء المنطقة والعشيرة وحمايتهم. وسط حرب مستعرة لفرض السيطرة على مناطق النفوذ والتواجد الأزلي.
إن القيادات الشيعية تدرك تمامًا الأخطار الحالية والمستقبلية المحدقة بالاستمرار في هذا المسار، وهي تتفهم جيدا ما يتوجب عليها من ضرورة إفساح المجال أمام بديل أكثر منطقية وواقعية ، كما أنها تعتقد أن اختيار حكومة جديدة قد يساهم في تهدئة الاوضاع المتوترة والمتفاقمة، ومنح الأهمية لرص الصفوف وإعادة ترتيب البيت الشيعي، بل وإعادة التفكير استراتيجيا بالمستقبل.
بالإضافة إلى ذلك ، قدم المرجع الأعلى السيد السيستاني خارطة طريق للإصلاح وطالب بتشكيل حكومة جديدة كخطوة نحو إجراء انتخابات مبكرة وكرر هذا المطلب في الخطبة الأخيرة في ٧ شباط الجاري ، كما أوضح أن مكتبه ليس له رأي بشأن تشكيلة مجلس الوزراء أو الشخصيات المنضوية لها، مما يدل على رغبته بالمضي في تشكيل الحكومة بدون عراقيل لان المهم لديه هو عبور المرحلة الراهنة.

٤ – العامل الإيراني
كانت إيران ومازالت تعتبر العراق بمثابة جوهرة تاج استراتيجيتها في الشرق الأوسط ، كونه بوابتها الأقتصادية المشرعة دوما وسوقها التجارية الاولى، وما يشكله أيضا من قاعدة وممر آمن لتوسيع نفوذها في كل من سوريا ولبنان ، والأهم من كل ذلك على الاقل في المرحلة الراهنة ما يمثله العراق من رئة تتنفّس من خلالها ايران جراء الاختناق الحاد الذي تعانيه جراء قسوة العقوبات الامريكية وتداعياتها. الى جانب ذلك العلاقة الإيرانية مع العراق تتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى الدين والمذهب، بل وتعتبر شيعة العراق جزءًا من مجتمعها ويجمعهم نفس المصير والمبادئ والقيم، كما أن الايرانيون يعتقدون أنهم قاموا بتأييد شيعة العراق من خلال الدفاع عنهم ضد هجمات داعش، وهناك ارتباط روحي بين المجتمعين، لذلك عندما يسمعون هتافات الشباب الشيعي في شوارع النجف الاشرف وكربلاء المقدسة “إيران بره بره”، فانه عليهم أن يفكروا مرتين في الأسباب التي أدت الى ذلك.
وقد أدى استشهاد الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في الهجوم الصاروخي الأمريكي في ٣ كانون ثان الماضي إلى خلق ثغرة هائلة في سياسة إيران داخل العراق. لا يمكن معالجتها بسهولة وبسرعة لتعود ايران الى تطبيق نفس الآلية التي كانت تستخدمها في الماضي.
إيران بحاجة إلى وقت لإعادة تنظيم صفوفها وإعادة ترتيب سياستها في العراق ، وستكون قادرة على استخدام بعض الهدوء والنظام في العراق ، ولهذا الغرض هي بأمس الحاجة لدعم الحكومة الجديدة في الوقت الحالي، وتعلم جيدا بأن هذا الدعم سيكون ذا قيمة ومردود أكبر من معارضتها.

‫٥- موقف المجتمع الدولي‬
‫ ‬‫على الرغم من أن التأييد العلني لترشيح علاوي من قبل المجتمع الدولي كان خجولا على أقل تقدير، ولكن وبحسب مؤشرات من داخل الاتصالات واللقاءات الجارية يتبين بأن هناك دعم له خلف الكواليس وفي الاجتماعات المغلقة، ومعظم الأطراف الدولية ترغب في نجاح علاوي بمهمة تشكيل حكومته وتنفيذ برنامجها المعلن للخروج من الأزمة الحالية.‬
‫ ‬‫والمجتمع الدولي سيقدم الدعم الذي يمكنه من تحقيق “قائمة الأمنيات” التي طرحها سابقا، لكنه اي المجتمع الدولي لا يحبذ الاعلان عن دعمه هذا خشية ان يتحول الى “قبلة الموت” بحكم احتمالية الأفراط في التفاؤل المتوقع جراء الاعلان.‬
‫ ‬‫إن دعم المجتمع الدولي أمر بالغ الأهمية للمكلف لمنع أي فصيل أو جماعة سياسية قد تعتقد أن قلة الدعم الدولي يمكن أن يكون عذرًا يتيح لها عرقلة تشكيل الحكومة.‬
‫ ‬
‫٦- المعارضة الكردية والسنية‬
‫ ‬‫بعض الكتل السنية أو الكردية تطالب بتمثيل قوي في مجلس الوزراء ، كما تصر على حقها بإختيار الوزراء، وليس من قبل رئيس الحكومة المكلف. علاوي من جانبه يعمل جاهدا على إقناع الكورد وزعماء السنة برؤيته، والمقربين منه يعتقدون أنه قادر على تحقيق مبتغاه وإقناع المكونين بدعمه لتمرير الحكومة.‬
‫ ‬‫وفي اسوأ الأحوال فانه قادر على جذب مجموعة من النواب الكورد والسنة خارج القوى الأساسية ليضمن التمثيل المكوناتي، بذلك سيضمن تصويت مجموعة من النواب الكورد والسنة بالإضافة الى الكتل الشيعية الرئيسية وهذا يعني معارضة الأحزاب الأساسية الكوردية والسنية لن تجدي نفعا في نهاية المطاف فمن الأفضل الوصول معه الى توافقات وتفاهمات بدل المعارضة والوصول الى هذه التفاهمات باتت قريبة حسب المصادر المطلعة.‬
‫ ‬

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *