حين تأكل الثورة ابناءها

د. طورهان المفتي
14 تموز 2020
ان مصطلح الثورة ورد في اللغة العربية لحالات فوران او خروج اي شيء من نطاق محصور و نظام محظور الى الفضاء الواسع وبدون قيود ليأتي هذا الشيء على الاخضر واليابس وباوقات غير متوقعة و بقوة غير مجدولة و بنتيجة غير مدروسة ، وعلى هذا المعيار تم اطلاق مصطلح الثورة على فعاليات البراكين ، فيطلق على تلك الحركات و الفعاليات بثورة البركان او ثوران البركان .
اذا ما هي دلائل ومرافقات ثوران البركان ؟
تصاحب ثورة البركان حركات وتصدعات ارضية نتيجة تراخي الصفائح الارضية او احتكاكها مما يساهم في اخراج حممه لتعقب ذلك ثوران البركان واطلاق الحمم من الحجارة والنار ولدرجات حرارة تصل الى حوالي الفين درجة مئوية ، ماذا تفعل هذه الحمم ؟ . تأتي الحمم على كل شيء قريب الى البركان. تقتل الحياة وتمحي النماء وتنشر الفوضى والقتل في كل الانحاء من الهواء الى التربة والماء بالتالي تكون سلوكيات البركان وحممها عشوائية ومن غير سابق انذار ومن غير دراسة لنتائجها، وعلى الاخرين تحمل نتائج هذه الثورة مرغمين او راضين ، كما وان ثورة البركان لن تكون نهائية فتكفي حركة صغيرة وتصدع اصغر لتنتج ثورة بركان جديدة على نفس موقع البركان السابق وتستمر هذه الحالة من عدم الاستقرار في تلك المنطقة حتى يشاء الله او يقضي امراً كان مفعولًا.
بالعودة الى ما نحن فيه الان .
ان ما حصل في 1958 من انقلاب و( ثورة ) كانت بسبب الشعور بالغبن والطبقية و العوز وبنية الارتقاء ونشر الرفاهية ولكن ادت كنتيجة الى انهاء فعلي لمفاهيم التداول السلمي للسلطة وتغيير لفلسفة النظام ونمو لاعمال القتل وحرق للبيوت ، لتكون صور القتل و السحل طاغية على اي انجاز واعمار و بناء وتكافئ فرص حصلت بعد هذا التاريخ والتي هي كثيرة وذات منحى منطقي ، واعطت مؤشرا جلياً ان ما حصل كان فعليا ثورة بركان بصيغتها البشرية والتي اتت على الاخضر و اليابس كمفاهيم مجتمعية، ولتشرعن مبدأ الاستيلاء على السلطة من خلال استخدام السلاح والقتل والتهجير والتصفيات لنجد اولى قطوفات هذه الثورة حركة الشواف المسلحة في الموصل واعدامات ام الطبول في بغداد مرورا بمجازر كركوك في1959 من عمليات سحل وقتل واستخدام السلاح والقوة في فرض الرأي والتحرك نحو السلطة .
لم ينتهِ الامر عند هذا الحد، انما دخلت الثورة في مرحلة جديدة وهي مرحلة أكل الثورة لابناءها فها هو عبد السلام عارف ومع ثلة اخرين يركنون الى السلاح ويؤمنون بإراقة الدماء كمبدأ لتداول السلطة، ويسعون للتصفية لاجل السلطة ويعشقون القتل والتقتيل لاجل السلطة، لتأكل الثورة اول ابناءها وهو عبدالكريم قاسم عام 1963، ليكون هو ضحية المبدأ الذي اوجده واستسهل قدسية العراق في اراقة الدماء والخروج على الدستور ، ولم تنتهِ مأساة العراق وإنما استمرت المؤامرات والقتل و التنكيل للاستيلاء على السلطة كما حصل عام 1968 ليستولي حزب البعث المحظور على السلطة، لتتعثر كل عملية بناء فعلية للعراق و لتُخلق سياسة فرق تسد بين ابناء الوطن الواحد ولينتج مبدأ ان العراقيين درجات في المواطنة، ويدخل العراق في مغامرات وحروب وعسكرة للمجتمع و عدم تقبل الرأي و الرأي الاخر وإستخدام القوة و التغييب ضد المعارضين، ليأتي التغيير في عام ٢٠٠٣ الذي شهد إسقاط النظام الصدامي بكل جبروته واجرامه، وتستمر اعمال العنف وظهور فئات إرهابية ومحاولات زعزعة أمن العراق، بل وتقسيمه أيضا وإذابة الدولة العراقية .
كل ما سبقت ذكره من إحداث بصورة مختصرة اتت من خلال احداث إنعدام مبدا التداول السلمي للسلطة الذي اقر عمليا في احداث 1958 التي اتت بنوايا الاعمار والارتقاء وخرجت بإنتكاسة مجتمعية، والتي استمرت بهذه السلسلة الدموية التي غطت على اي انجاز او بناء حدث في تلك الفترات التي زامنت( الثورات )والانقلابات .
المطلوب الآن العودة بالعراق الى بلد مستقر بلد يخضع الى القانون فيه تباشير كثيرة ، وقد يكون أهمها أن العراقيين مؤمنين بالتداول السلمي للسلطة، وهذا ما يحصل بعد كل انتخابات نيابية وتشكيل حكومات جديدة متعاقبة. العراق حارب متوحداً وموحدا ضد الارهاب و ضد داعش، بمعنى أن العراق بالفعل وضع اولى خطواته نحو الاستقرار الممنهج ولو اعطيت له الفرصة فأنه سوف ينهض مستقراً متعافياً من كل جروحات وكدمات الماضي ، فالعراق قدره ريادة المنطقة ويبقى الرقم الاصعب في معادلات الشرق الاوسط .
رحم الله شهداء العراق، شهداء الوطن، شهداء المحافظة على وحدة البلاد .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *