دور الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة

غازي الجنابي
10 حزيران 2020
لما كانت القوانين التي تتبناها الدولة هي اهم نشاط لأجهزتها لتقوم بواجباتها بما يكفل تحقيق الرخاء والنمو الذي تسعى دول العالم جميعهالتقديمه لشعوبها، من خلال بسط سلطتها على جميع المرافق التنفيذية، بغية أداء الخدمات العامة والمحافظة على السلم الأهلي والامن الخارجي ودفع نوازع الشر امام بعض الفئات، لذلك كانت التشريعات في عموم الدول العامل الأساس الذي يقتضي الاهتمام به، وارست قواعد محددة لصياغة وتدوين هذه التشريعات وانشأت الهيئات والمجالس والدواوين المختصة لإعداد وتدقيق وصياغة التشريعات.
وكان العراق سباقاً في هذا المجال منذ بدء تشكيل الدولة العراقية في عام 1921، وكانت سلطات الانتداب البريطاني بواسطة مستشاريها في العراق وبمعاونة عدد قليل من العراقيين هي من تقوم بتدقيق مشروعات القوانين التي تطلبها الحكومة العراقية لمعالجة اية حالة تحتاج الى قانون. ثم تدرج الامر الى حين حصول العراق على سيادته بعد دخوله عهد عصبة الأمم في 3/10/1932، وفي عهد الملك غازي (رحمه الله) أنشئت اول جهة رسمية من اختصاصها اعداد وتدقيق القوانين فصدر قانون ديوان التدوين القانوني رقم (49) لسنة 1933، ليكون اللبنة الأساس في تدوين القوانين التي تصدرها الحكومة العراقية، وشُكل من عدد من القضاة والقانونيين العراقيين ممن لهم تاريخ طويل في البحث القانوني والقضاء والذي على أساسه شكل مجلس شورى الدولة في 11/6/1979 ليضم نخبة من القانونيين ممن يمتازون بروح المثابرة وحسن الصياغة والتدوين، واتسعت اختصاصاته تدريجياً الى ان صدر القانون رقم (106) لسنة 1989 ليشكل محكمة القضاء الإداري لتكون احدى تشكيلاته إضافة الى مجلس الانضباط العام كي يصبح اختصاص المجلس شاملاً للتشريع والفتوى والقضاء الإداري.
وهكذا تدرج القانون وفقاً لحاجة الدولة ومتطلبات المرحلة الى ان صدر القانون رقم (71) لسنة 2017 فأحل تسمية (مجلس الدولة) محل تسمية (مجلس شورى الدولة) وفك ارتباطه عن وزارة العدل ومنحه الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وعُد رئيسه وزيراً لممارسة اختصاصات المجلس وجعل اعضاءه قضاة عند توليهم القضاء الإداري.
وبغية تمكين المجلس من أداء اختصاصه الرئيس وهو تدقيق التشريعات كانت (الهيئة العامة للمجلس) من اهم تشكيلاته، اذ ان خروج القانون بصيغة واضحة وعبارات مرنة واعتماده مفردات واضحة وبسيطة وجمل مفهومة، وتفرعات متدرجة واحكام لا تقبل التأويل كان لزاماً ان يكون معد المشروع او الصائغ متمتعاً بفكر قانوني موسوعي ولغة سليمة كي يتسنى له اعداد وتدوين مشروع القانون، ورغم جسامة المهمة وثقل الأمانة، الا ان ذلك لا يمنع أعضاء المجلس من تدوين أي مفردة قانونية او حكم ملزم في الوقت المحدد والكفاءة المطلوبة دون استخدام الموارد المفرطة.
ورغم ذلك فان المشروع الذي اعده ودونه المقرر يقتضي ان يمر بمراحل عدة قبل اكتمال صياغته ويناقش من الهيئة العامة لذلك شكلت الهيئة العامة من رئيس المجلس ونائبيه والمستشارين والمستشارين المساعدين ليعرض المشروع الذي اقرته احدى هيئات المجلس على الهيئة العامة بجميع أعضائها لدراسته ومناقشته مادة فمادة بحضور عدد من ممثلي الجهات طالبة التشريع او الخبراء او من يستدعي الامر حضوره.
ذلك ان جميع التشريعات لها صلات سياسية او امنية او اجتماعية او اقتصادية او مالية او عسكرية بصورة واسعة او مقتصرة على عدد مما ذكر, لذلك كان حضور ممثلي تلك الجهات ضرورياً عند مناقشة المشروع في الهيئة العامة عندئذ تطرح جميع الافكار والبدائل وتناقش بصورة واضحة بحيث لا يمر نص الا وقد استوفى النقاش فيهامداً واسعاً الى ان يصل الى ما يصبو اليه طالب التشريع من الهدف الذي اراده.كما ان الهيئة العامة تناقش وسائل التنفيذ ومدى توافرها لدى الجهة التنفيذية طالبة التشريع , لان صدور قانون دون توفر وسائل تنفيذه معناه صرف جهد ومال دون سبب مما يعني هدراً في المال العام لذلك كان تدقيق مشروعات القوانين في الهيئة العامة يحتاج الى وقت طويل لان القوانين لا يجوز بناؤها على رد الفعل او بناء على رغبة مسؤول .
ويبذل كل عضو ما يستطيع من جهد للوصول الى غاية المشرع والرجوع الى مصادر بحثية في الموضوع او القوانين السابقة او اراء الفقهاء وأساتذة القانون في اي مادة قانونية كما ان الرجوع الى تطبيقات القضاء عند صياغة المواد القانونية من واجبات عضو الهيئة العامة ولما كان اي مشروع يسعى لحل مشكلة وإيجاد الحلول الموائمة لها، ونظراً لأهمية ما تقدم:
لذلك فان اي تشريع يعرض على الهيئة العامة يقتضي ان يكون للرئيس الأعلى او الوزير للجهة طالبة التشريع، رأي فيه ويرد الى المجلس بتوقيعه وتلتزم الجهات طالبة التشريع بارسال المشروع الى المجلس مع أسبابه الموجبة وأراء الوزارات والجهات ذات العلاقة مستوفيا جميع الاعمال التحضيرية خشية ان تكون تلك الجهات لها رأي في التشريع يعارض او يناقض طلب الجهة طالبة التشريع او ليس لها امكانات ادارية او مالية لتنفيذه ولا تقف مهمة الهيئة العامة على صياغة نصوص المشروع بل تتعداه الى الشكل الذي يقتضي ان يدون به المشروع وفق تبويب معين من حيث ترتيب المواد وتفريع تلك المواد وفروع الفروع وابواب وفصول المشروع واسبقية كل نص على غيره او كل مادة على الاخرى الى ان تتم الموافقة على شكل واضح للمشروع تتسم مواده بالتسلسل المنطقي والعملي الواضح فلا تقدم مادة الالغاء على مادةالتأسيس ويقدم الاهم على المهم والعام على الخاص .
مما يجعل التشريعات المدققة من الهيئة العامة مقبولة منطقيا، ليكون المطبق اوالمنفذ عالما بما يقتضي منهعند التنفيذ. وتستوي في ذلك جميع التشريعات سواء اكانت قوانين ام انظمة ام تعليمات، ويحدد عبارات واضحة وجملاً مفيدة للأسباب الموجبة من اجل التطبيق السليم لروح النص.
الا ان الهيئة العامة اذا ما رغبت في صياغة مادة او فرع من المادة ولم تحصل موافقة الجهة طالبة التشريع على فكرة الموضوع فان للهيئة ان تبدي التوصية اللازمة ليرفعها رئيس المجلس مع المشروع الى الامانة العامة لمجلس الوزراء او الجهة المختصة يوضح فيها أسباب التوصية كمخالفة النص للمبادئ القانونية المعتمدة في القوانين والتي استقرت عليها التشريعات العراقية او مخالفة النص لقانون اخر او مخالفة النص للاتفاقيات الملزمة للعراق.
كما ان للهيئة العامة ان تعترض على اي مادة ترى انها تخالف الدستور او مبادئ الشريعة الاسلامية او نص في معاهدة او اتفاقية التزم بها العراق بقانون .
ويجري العمل في الهيئة العامة عند الاعتراض على اية نص بالتصويت وأكثرية الهيئة العامة ترجح التصويت.
والتصويت في الهيئة العامة هو حقللمستشارين فقط دون ان يشاركفيه المستشارون المساعدون رغم ان لهم حق المشاركة في النقاش، ونحن مع لزوم ان يشارك في التصويت (مقرر المشروع) من المستشارين المساعدين اذ لايعقل ان يكون المستشار المساعد وهو مقرر المشروع ولايشارك في الرأي الذي تتخذه الهيئة العامة.
واهمية الرأي في الهيئة العامة ان هناك فسحة كبيرة للنقاش في اي خلاف يقع على نص قانوني ويلاحظ ان مشروعاتالقوانين تعرض على الهيئة العامة، الا ان مشرعات الانظمة والتعليمات تخضع لتوصية الهيئة المتخصصة او رئيس المجلس بالعرض من عدمه على الهيئة العامة.
ولا يقتصر واجب الهيئة العامة للمجلس على تدقيق مشرعات القوانين بل يتعداه الى الفتاوى والآراء التي يتولى المجلس ابداء الرأي فيها، اذ توصي الهيئة المتخصصة التي عرض الرأي عليها او رئيس المجلس بعرضها على الهيئة العامة لمناقشته فتجتمع الهيئة العامةلدراسة الرأي او المشورة ويبدي الاعضاء رأيهم فيه بعد دراستهدراسة معمقة واصدار القرار اللازم ليكون الرأي الاخير هو الذي يقتضي احترامه من الجميع.
واذا ما خالف احد اعضاء الهيئة العامة الرأي المقدم فعليه اعداد رأيه المخالف مكتوباً ليتم مناقشة الرأيين في تلك الجلسة وبعد انتهاء النقاش تقوم الهيئة العامة بالتصويت ويعد الرأي الذي حصل على اكثرية الاصوات هو الرأي المعتمد واذا تساوت الاصوات فيرجح الجانب الذي صوت معه رئيس الجلسة.
ونص قانون المجلس على ان رئيس المجلس يحيل مشروع القانون على الهيئة العامة لمناقشةالمبادئ التي تضمنها المشروع وتترك صياغة المشروع للهيئة المكلفة به ابتداء.
الا ان العمل جرى على ان تقوم الهيئة العامة بصياغة المشروع مجدداً وفقاً لما جرى من نقاش في شأنه.
كما ان رئيس المجلس يحيل الى الهيئة العامة القضايا في الاحوال الاتية:
1- اذا اقرت احدى الهيئات مبدأ جديداً.
2- اذا كان للمجلس رأي سابق يخالف الرأي الجديد.
3- اذا اوصت الهيئة المكلفة بدراسة القضية بذلك.
4- اذا رأى رئيس المجلس ان القضية ذات اهمية او تشكل مبدأ مهماً.
وقبل فك المجلس عن وزارة العدل وعده هيئة مستقلة كانت المادة (18) من قانون المجلس تنص على:
المادة -18- للوزير ان يطلب من الهيئة العامة اعادة النظر في قرارها مع بيان الاسباب الموجبة بذلك، وله في هذه الحالة ان يرأس الهيئة العامة ويتخذ القرار بأغلبية اعضاء الهيئة العامة ويصبح قرارها نهائياً .
وكانت جميع مشروعات التشريعات والآراء والفتاوى تعرض على وزير العدل للاطلاع عليها وغالباً ما كان له رأي في بعضها ويطلب من المجلس اعادة النظر فيها وعند اصرار الهيئة على قرارها تعقد الهيئة العامة اجتماعاً برئاسة الوزير وتتخذ قرارها بأغلبية عدد الاعضاء.
الا ان هذا النص الغي ضمناً بعد جعل (مجلس الدولة) هيئة مستقلة وفك ارتباط المجلس عنوزارة العدل.
كما ان للهيئة العامة واجباً مهماً هو توحيد المصطلحات والتعابير القانونية لتكون ذات معنى موحد في التشريعات مثل (الفصل) كونه عقوبة انضباطية لها معنى خاص في قوانين الوظيفة العامة. وكانت الهيئة العامة تنظر بالطعون على القرارات التي يصدرها مجلس الانضباط العام المقدمة من ذوي العلاقة بصفتها التمييزية وتتخذ قراراتها وفقاً لقانون المرافعات المدنية في البت بتلك الطعون واستمر الحال على هذا المنوال الى حين صدور قانون التعديل الخامس لقانون مجلس شورى الدولة رقم (17) لسنة 2013 بتشكيل المحكمة الاداريةالعليا التي اصبح اختصاصها النظر في الطعون التمييزية المقدمة من ذوي العلاقة على القرارات الصادرة من محكمة القضاء الاداري ومحكمة قضاء الموظفين (مجلس الانضباط العام) سابقاً .
ومن خلاصة ما تقدم فأن الهيئة العامة لمجلس الدولة يقع عليها ثقل العمل التدوينيوالصياغي للتشريعات وتراعي فــــي عملهـــا مبادئ الصياغة التشريعية التي تستمدها مـــــن الدستــــور وظروف
العراق السياسية والاجتماعية والفلسفة التي يؤمن بها المجتمع والتي تحاكي تطلعاته في العيش الكريم .
كما انها تراعي وحدة التشريع بإيجاد تشريعات واضحة من خلال لغة صياغة النص واختيار الالفاظ والتعابير وترابط الجمل القانونية مع بعضها.
ونرى ان اجهزة الدولة وخاصةًالامانة العامةلمجلس الوزراء والوزارات والهيئات المستقلة والجهات غير المرتبطة بوزارة ينبغي ان تلتزم بإرسال مشروعات القوانين الى المجلس لدراستها وفقاً لما نصت عليه المادة (5) من قانون المجلس.
اذ يلاحظ ان العديد من التشريعات الصادرة حديثاً قد سببت مشاكل لا حصر لها في التطبيق الامر الذي ادى الى تعديلها بعد اقل من اشهر من صدورها بسبب العيوب الصياغيةوالتدوينية وكثرة الاخطاء وعدم مراعاتها التشريعات النافذة نتيجة عدم ارسالها الى مجلس الدولة للتدقيق مما سبب ارباكاً لدوائر الدولة عند التنفيذ.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *