رواتب الموظفين والإصلاح الإقتصادي المنشود

لبنان الشامي
11 حزيران 2020
شاع الحديث في مواقع التواصل الاجتماعي وفي تصريحات بعض المسؤولين الحكوميين المتلفزة عن حزمة من القرارات التقـــــــــشفية التي تمس رواتب الموظفين والمتقاعدين بمختلف درجاتهم الوظيفية.
الحديث عن هذا الموضوع ذو شقين، الأول مدى الالتزام التعاقدي بين الحكومة والموظف وهل ان اصلاح الأخطاء التي قامت بها الحكومات السابقة يكون على حساب الموظف والمتقاعد؟؟
اما الشق الثاني، فيتمثل في تلك الأفكار والمقترحات التي طرحت من قبل باحثين وخبراء متخصصين في الإدارة المالية والنقدية ناهيك عن اختصاص الإدارة الاستراتيجية لتعظيم موارد الدولة المالية وهي تواجه ظرفا دوليا لنقص الموارد بسبب انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا .

حلول اقتصادية
كلا الامرين يقدمان لصناع السياسات العامة في الحكومة حزمة من الحلول الاقتصادية ، فواقع الاضطراب الحالي في إدارة موارد الدولة يتطلب أولا وقبل كل شيء تثبيت المبادئ الدستورية في ذلك العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة وعدم تجاوزه باي شكل من الاشكال، ولعل ابرزها ذلك التعاقد بين الموظف والحكومة ، حيث يمكن ان نطرح فكرة تحويل السياسات العامة للحكومة الى نموذج (الدولة الرأسمالية) القادرة على إدارة مؤسساتها الخدمية والاقتصادية بعقلية التحاسب على النتائج في مدى قدرة الوزارات والمديرين العامين فيها على قيادة مؤسساتهم الإنتاجية لتعظيم موارد الدولة بدلا من كونها مؤسسات تستهلك منحاً للصرف على الرواتب.
وتعد هذه مرحلة انتقالية نحو تطبيقا أوسع لمفهوم (السوق الاجتماعي المفتوح) ولكن يبدو ان الإرادة السياسية بسبب مفاسد المحاصصة ما زالت تغييب العقل الاقتصادي والإداري الواعي والعارف بإيجاد الحلول وتقدم على تلك الحلول العاجلة التي تستقطع من رواتب الموظفين والمتقاعدين لمواجهة ازمة ربما تتكرر بين حين واخر ، كون النفط سلعة دولية متعرضة لتقلبات سوق العرض والطلب .
وفي هذا السياق يمكن طرح حزمة من الموارد العاجلة لعل في مقــــــدمتها طرح جولة جديدة لإجازة الهاتف النقال ومحاسبة الاجازات الحالية الثلاثة على الضرائب المترتبة عليهم.
يضاف الى ذلك تعظيم الضرائب على المواد غير الأساسية في المعيشة اليومية ، واعتماد نموذج دفع الضرائب عند إجازة الاستيراد وقبل التحويل المصرفي مع إجراءات حكومية لغلق المنافذ الحدودية غير الرسمية ، فضلا عن تعظيم موارد المنافذ الرسمية وهذا غيض من فيض المقترحات المتداولة في ندوات عقدتها الجمعية العراقية للسياسات العامة والتنمية البشرية خلال الأسابيع القليلة الماضية عن الامن الغذائي والمعضلات التي تواجه موازنة 2020 واليات مكافحة ومنع الفساد الإداري والمالي .
الشق الثاني في هذا الموضوع يتعلق بالإصلاح الاقتصادي الاشمل للخروج من عنق زجاجة تقلبات أسعار النفط فضلا عن الانتهاء من نموذج الدولة الريعية الى دولة الإنتاج والإدارة بالأهداف، نموذج نجحن عدة دول في تطبيقه مثل ماليزيا، وسنغافورة ، وأخيرا رواندا ذلك البلد الافريقي الذي تعرض حتى سنوات قليلة مضت الى واحدة من ابشع الحروب الاهلية.

قدرة القيادات
ولكن الشعوب تنهض دائما من خلال تفاعل قدرات قيادات مجتمعية مع قيادات إدارية واقتصادية يتعاضدان من اجل نهوض شامل للدولة وذلك لم ولن يتحقق من دون توفر الإرادة السياسية التي يبدو انها ما زالت غير متوفرة في نظام مفاسد المحاصصة الحالي في عراق اليوم ، يتطلب مغادرته وتأسيس هوية وطنية للإدارة الاستراتيجية للاقتصاد ويمكن ذلك عبر مرحلتين ، الأولى بتشكيل مجلسا اعلى لإدارة الاقتصاد الوطني يضم فاعليات اقتصادية من كبار رجال الاعمال والخبراء الاستراتيجيين الاكاديميين الأقرب الى فهم البيئة الإصلاحية المنشودة ، يبدا هذا المجلس بتأسيس صندوقا سياديا لإيداع أموال النفط ، والعمل على استخدام نسبة محددة منه تناقص سنويا بعد تعظيم موارد الدولة الأخرى من المشاريع الصغيرة والمتوسطة بنموذجها العائلي او التعاوني ، الذي لابد وان يرتبط بإشراف وليس إدارة هذا المجلس كجهة قيادية ، الحلقة المفقودة في إدارة الحكومات السابقة ، مما أدى الى انفصام التفاهم بين الحكومة والقطاع الخاص ولجأت كل قوى العمل الى التوظف لدى الحكومة ، فكان الخطأ القاتل في ظهور هذا التراكم في نسبة العجز في الموازنات العامة للسنوات السابقة، هذا يتطلب وأكرر القول الى إرادة سياسية عراقية تقدم مصالحة الأجيال المقبلة وضمان نصيبها من ثروة النفط على تلك المشاريع التي تصب مواردها عند اللجان الاقتصادية للأحزاب المتصدية للسلطة .
من دون هـــــذه الإرادة السياسية لا اعتقد بالإمكان الخروج من مستنقع الارتباك الحاصل في إدارة الموازنات العامة للدولة ، ربما يكون المقبل اكثر سوءا اذا لم تسمع كلمة النصح والإرشاد المتخصصة من الخبراء الاكاديميين، ولهم كلمة الفصل في رسم خطوات المستقبل.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *