صدمة الانتخابات المبكرة والمشهد السياسي القادم

فرهاد علاءالدين
16تشرين أول 2021
ألقى زعيم التيار الصدري خطاباً لافتاً ليلة الحادي عشر من تشرين الأول بمناسبة حصول تياره على 73 مقعداً نيابياً في الانتخابات المبكرة التي جرت يوم العاشر من تشرين الأول، قال فيه “الحمد لله الذي أعز الإصلاح بكتلته الأكبر، كتلة عراقية، لا شرقية ولا غربية”، في حين تراجعت مقاعد تحالف الفتح بنسبة كبيرة مما دفع زعيم التحالف هادي العامري إلى رفض هذه النتائج مشككاً بنزاهتها بقوله “لا نقبل بهذه النتائج المفبركة مهما كان الثمن”.
شهدت الانتخابات هذه المرة مفاجآت كبيرة على المستوى السياسي حيث حصد ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي 34 مقعداً، كما حصل حزب التقدم على 37 مقعداً، في حين تراجع عدد مقاعد تحالف قوى الدولة الوطنية إلى حدود غير متوقعة، واللافت هنا أيضاً خسارة حركة التغيير لكل مقاعدها البرلمانية. فيما نجح الحراك الشبابي متمثلاً بحركة امتداد المنبثق من تظاهرات تشرين بحجز 9 مقاعد نيابية تليه حركة جديدة باسم إشراقة كانون التي حصلت على 6 مقاعد، إلى ذلك بلغت مقاعد المستقلين نحو 40 مقعداً على عكس التوقعات التي كانت تشير إلى أقل من 20.
أسباب التراجع وردود الأفعال
انقسمت القوى السياسية ما بعد الانتخابات إلى مرحب ورافض لنتائج الإنتخابات، المرحبون يتقدمهم التيار الصدري ودولة القانون والاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني وتحالفا تقدم وتصميم وحركة امتداد وإشراقة كانون والمرشحون المستقلون الفائزون في دوائرهم كون النتائج جاءت وفقاً لتوقعاتهم إن لم تتخطاها لدى البعض منهم. الرافضون بطبيعة الحال هم من ناله النصيب الأكبر من الخسائر وتتصدرهم تحالفات الفتح وقوى الدولة الوطنية وعزم وحركتا الوفاء العراقية وحلول وغيرهم، إذ تعدى رفضهم للنتائج إلى اتهام المفوضية وجهات خارجية بالتلاعب بنتائج الانتخابات.
بعيداً عن لغة التشكيك والملابسات التي شابت يوم الانتخابات، هناك واقع جديد لا يمكن انكاره من قبل القوى السياسية ألا وهو أن هذه القوى بحاجة إلى مراجعة جدية ودراسة مستفيضة لأسباب عزوف ناخبيهم عن المشاركة أولاً والامتناع عن التصويت لهم ثانياً، حيث أن أصوات ناخبي هذه القوى السياسية تراجعت بشكل كبير مقارنة بانتخابات 2018. تيار الحكمة مثلاً لديه حضور مؤثر يؤيده جمهور واسع لكنه خسر مقاعده النيابية جراء كثرة مرشحيه وبالتالي تشتت أصوات ناخبيه وتوزعها فضلاً على التباعد الجغرافي لجمهوره، بالإضافة إلى تأخره بإعلان تحالفه مع تحالف النصر مما أدى إلى إرباك المشهد الانتخابي المتعلق بتحالفهما الجديد وتعدد المرشحين للحزبين في بعض الدوائر، يضاف إلى ذلك مغادرة مجموعة غير قليلة من القيادات الشبابية للتيار وتشكيلهم أحزاباً منافسة واستقطابهم لجزء مهم من جمهور الحكمة.
تحالف الفتح حاول استثمار قيادته لفصائل المقاومة وانتصارها على داعش في سلسلة معارك التصدي للتنظيمات الارهابية كدعاية انتخابية والتركيز في خطابه الانتخابي على الأمور السياسية والأمنية بدل التركيز على الجانب الخدمي والاجتماعي والاقتصادي، مما دفع الجمهور لتغيير وجهة أصواتهم إلى المستقلين ودولة القانون.
حركة التغيير (كوران) خسرت كل مقاعدها النيابية وتراجعت أعداد ناخبيها إلى عشر أعدادها في الانتخابات الماضية، ويأتي هذا التراجع بسبب تراكمات التراجع الشعبي للحركة إثر تحولها من جبهة المعارضة إلى جبهة السلطة وتقاسمها مغانم الحكم مع الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، في حين بقي جمهورها في موقع المعارض لسياسة الحزبين الحاكمين، مما أدى به أخيراً إلى هجرة حركته والتصويت لصالح حركة الجيل الجديد أو العزوف أصلاً عن المشاركة والتصويت لهذا الطرف أو ذاك.
الواقع السياسي الشيعي الجديد
أفرزت نتائج الانتخابات المبكرة تغيراً صادماً لبعض القوى التقليدية الشيعية التي تسيدت المشهد السياسي قرابة عقدين من الزمن. إذ تقلص عدد أقطاب القوى الشيعية إلى قطبين رئيسين، التيار الصدري ودولة القانون، وتراجعت القوى الأخرى مثل تحالف الفتح وتيار الحكمة وتحالف النصر. بالإضافة إلى دخول الشباب المنتفض والجمهور المتظاهر للساحة السياسية ومجلس النواب بنواب جدد عبر حركة امتداد وإشراقة كانون والمستقلين.
بعيد إعلان النتائج الأولية الجزئية في 11 /10، التزم التيار الصدري جانب الهدوء ولم يتحرك بشكل صاخب لتشكيل الكتلة الأكبر واكتفى بتغريدات زعيم التيار مقتدى الصدر وتشكيل لجنة تفاوضية، بالإضافة إلى اتصالات هاتفية مع الزعامات الكوردية والسنية لتدارس فرص التعاون. فيما تحرك ائتلاف دولة القانون بشكل مباشر ودعا إلى اجتماعات الاطار التنسيقي الممتعض عن النتائج الانتخابية، والرافضة لهذه النتائج. ويرى مراقبون أن دولة القانون تشارك قوى الاطار التنسيقي شكلاً ولكنها في المضمون مقتنعة بنتائج الانتخابات وتود لملمة الوضع من خلال تشكيل تحالف كبير تنضوي القوى المشاركة في الاطار التنسيقي تحت رايته، وبذلك يصبح التيار الصدري منعزلاً شيعياً مما يقلل من فرصه لتشكيل الحكومة.
مراقبون يعتقدون أن فرص الفريقين ضئيلة نوعاً ما في تشكيل الكتلة الأكبر شيعياً من دون مشاركة القوى الأخرى والتي هي بدورها لا تود الانضمام إلى أي من الكتلتين إذا كانا يتعاملان بلغة الأرقام واحتساب المقاعد وهذا لن يكون بصالح القوى الصغيرة. ولهذا السبب، يجب على كلا القطبين أن يضعا لغة الأعداد جانباً إذا أرادا استقطاب هذه القوى، بالإضافة إلى أن رمزية بعض القوى أكبر بكثير من عدد المقاعد الذي حصلوا عليه، مثل تيار الحكمة، حيث أن زعيم التيار عمار الحكيم يمثل حركة كبيرة وله شخصية مقبولة وفاعلة ويمثل حركة الاعتدال في الوسط الشيعي وانضمامه إلى أي من الكتلتين سوف يعطي زخماً كبيراً وعليه يجب أن لا يتم التعامل معه على أساس المقاعد وإنما على أساس ما يمثله من ثقل سياسي وجماهيري، حيث انه حصل على قرابة 400 ألف صوت.
فيما يمتلك تحالف الفتح عدداً غير قليل من المقاعد ولديه حضور أمني كبير متمثل بالحشد الشعبي ويعتقد بأنه ليس تابعاً لأي من القطبين. لذلك هناك من يفكر بأنهم يجب أن يذهبوا نحو استقطاب أكبر لعدد من المستقلين والقوى الأخرى لتشكيل القطب الثالث ليصبح بيضة القبان. يضاف إلى ذلك أن أكثرية تحالف الفتح متناغم مع دولة القانون ولغتهم تكاد تكون مشتركة، فيما يتمتع زعيم تحالف الفتح هادي العامري بعلاقات وطيدة مع زعيم التيار الصدري ومن الممكن أن يتعاون معه كما حصل في تحالف فتح وسائرون لتشكيل حكومة 2018.
بدأت تحركات في النجف والناصرية لتشكيل كتلة كبيرة من النواب المستقلين نواتها القوى الجديدة المنبثقة من تشرين والمستقلين، في محاولة لتشكيل القطب الرابع في الساحة السياسية الشيعية وتشكيل كتلة مؤثرة داخل البرلمان تحقق طموح المتظاهرين وتبدأ بالإصلاح المنشود. من الممكن أن تجمع هذه الكتلة أكثر من 22 نائباً وبذلك يصبح لديها تأثير مباشر على موازين القوى بين الكتلة الصدرية ودولة القانون وتحديد من منهم الكتلة الأكبر. ستكون مهمة هذه الكتلة صعبة جداً بمواجهة الأحزاب التقليدية الحاكمة علماً ان معظم النواب الفائزين لا يمتلكون خبرة في المعترك السياسي والبرلماني وعليهم التعلم بسرعة قياسية.
الواقع السياسي الكوردي والسني
الوضع الكوردي لم يتأثر كثيراً، حيث تصدر الحزب الديمقراطي الكوردستاني المشهد بواقع 32 مقعداً بضمنها 9 مقاعد عن الموصل يليه الاتحاد الوطني الكوردستاني بواقع 17 مقعداً، فيما حصد الجيل الجديد 9 مقاعد.
احتفل الحزب الديمقراطي بفوزه واعتلائه المركز الأول بين الأحزاب الكوردية بالرغم من تراجع ملحوظ في عدد المصوتين له داخل الإقليم، فيما احتفل الاتحاد الكوردستاني بحصوله على مقاعده بالرغم من الأزمة الكبيرة التي تمر بها القيادة السياسية للحزب، فيما أعلنت حركة الجيل الجديد بأنها القوة الجديدة في المعارضة بدل حركة التغيير.
المشهد السني حسم لصالح تقدم بزعامة محمد الحلبوسي وتمكن من حصاد أكثرية المقاعد السنية خصوصاً بعد انضمام مجموعة من المستقلين، بالإضافة إلى فشل منافسيه من الفوز بمقاعد اضافية. فيما حصل تحالف عزم على عدد أقل بكثير مما كان يتوقعه. اللافت في المشهد السني تمركز القرار السني بيد عدد قليل من القادة، وتراجع كبير للساسة التقليدين الذين سيطروا على المشهد السياسي في السنوات الماضية.
الرئاسات والحكومة والتحالفات المرتقبة
تنتظر القوى الكوردية والسنية انتهاء الحراك السياسي الشيعي قبل الخوض بالتحالفات أو التفاوض بشأن التشكيل الحكومي وعليه فان الانتظار قد يطول. لقد تسلموا رسائل واضحة وغير قابلة للتأويل بأنه عليهم الانتظار وعدم الدخول في تسابق القوى السياسية الشيعية قبل الوصول إلى اتفاق، لان أهل العقد والحل يعتقدون بأن الدخول الكوردي أو السني في حسم الخيار الشيعي سوف يعقد المشهد السياسي وقد يهدد السلم الأهلي خصوصاً إذا رفضت الأقطاب الرئيسية الواقع الذي قد يفرضه أي تحالف سني – كوردي – شيعي غير متفق عليه.
المعضلة الأساسية أمام القوى الكوردية والسنية هو عدم وجود جهة ممكن أن تساهم في لملمة البيت الشيعي، وقد كان الاطار التنسيقي بمثابة الجهة السياسية التي كانت تفاوض وتقرر حول ما تتفق عليه القوى السياسية الشيعية، ولكن تصدع هذا الاطار بعد النتائج الانتخابية خلق دوراً معارضاً للانتخابات بعد اصدار بيانات معارضة لنتائجها ورفضها الاعتراف بها.
تشكل الاطار التنسيقي الشيعي بعد حكومة مصطفى الكاظمي في 2020 وعقد 38 اجتماعاً منذ تأسيسه ولحد اللحظة لمناقشة القرارات المهمة المتعلقة بالحكومة والوضع السياسي بما فيها قرار تمرير قانون الانتخابات وقانون تعديل المحكمة الاتحادية واجراء الانتخابات بالإضافة إلى القرارات السياسية الدورية وأصبح الاطار المرجع السياسي للقرار الشيعي.
ولكن الاطار لم يعد ممثلاً لواقع الحال الجديد بعد الانتخابات بعد خروج التيار الصدري منه وعدم وجود القوى السياسية الجديدة من ضمنها، وهذا يعني هناك حاجة إلى إعادة النظر بهذا الاطار سواء بتوسيع قاعدته أو تشكيل اطار جديد، والحاجة الآن باتت ملحة اكثر من ذي قبل للملمة البيت الشيعي ومواجهة المخاطر المحدقة بالعراق والمنطقة.
لن يكون هناك قرار حول تشكيل الحكومة وتوزيع الرئاسات بين المكونات والأحزاب ما لم يتم ترتيب البيت الشيعي وكل ما يتم تداوله حول الاتفاقات الثنائية أو الثلاثية بين القوى المختلفة أو تداول أسماء المرشحين للمناصب الرئاسية يدخل في باب التكهن فحسب.
إن المشهد السياسي يزداد تعقيداً مع رفض الاطار التنسيقي لنتائج الانتخابات، من الضروري ان لا يكتفوا بإصدار البيانات الرافضة من دون تقديم الدلائل بشكل واضح على الخروقات أو أخطاء المفوضية التي حصلت عند العد والفرز واتخاذ كافة الإجراءات القانونية المتاحة بذلك، أو القبول بالنتائج والمضي إلى المرحلة القادمة.
إن الكرة الآن في ملعب زعماء وقادة الكتل الشيعية واهل الحل والعقد في البيت الشيعي الكبير، والمسؤولية كبيرة وخطيرة وهم أمام امتحان صعب، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل المصالح الذاتية أو الحزبية ستكون سيدة المشهد ام ان المصلحة العليا للبلد ستضع الجميع أمام الاستجابة الوطنية المنتظرة، وهذا السؤال موجه للفائزين والخاسرين في الانتخابات معاً.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *