قراءات في المشهد السياسي الراهن (٢)

فرهاد علاء الدين
29 تشرين الاول 2018

الدعوة بعيدا عن رئاسة الوزراء:
قبيل انتخاب رئيس الجمهورية في ٢ تشرين اول ٢٠١٨ كان الجدل محتدما بين القوى السياسية حول الكتلة الاكبر، ما انعكس بشكل واضح على المشهد السياسي من خلال حرب التنافس عبر الظهور الاعلامي، وتسابق كتلتي البناء والاصلاح على جمع تواقيع النواب واقناعهم بالانضمام اليهما. ولكن بعد احداث البصرة توقف الجدال الدائر والمحموم، حيث اتفق الطرفان على تسمية عادل عبدالمهدي مرشحا مشتركا أي بمعنى مرشح تسوية لتولي منصب رئيس مجلس الوزراء.
ولكن على ما يبدو فان الاتفاق على مرشح من خارج التحالفين لم يكن اعتباطياً، فقد كان الهدف الاساسي من تبني هذا الخيار والخطوات الممنهجة التي تبعته هو ابعاد حزب الدعوة عن رئاسة الوزراء، فقد سعى التحالفان وبشكل مدروس لتحقيق هذا الهدف، حيث تم تشكيل فريق تفاوضي لتشكيل الحكومة الجديدة من دون منح حزب الدعوة أي دور فيه. فقد تصدر المشهد هنا كل من وليد الكريماوي نيابة عن مقتدى الصدر ومحمد الهاشمي الملقب بابو جهاد نيابة عن هادي العامري.
لكن للانصاف ينبغي الاشارة هنا الى أن من بين أهم الأسباب التي تقف وراء نجاح الفريقين بالوصول لمبتغاهم هو انشقاق حزب الدعوة الى محورين مختلفين، نوري المالكي الامين العام للحزب وصاحب القاعدة الاكبر داخل الحزب وحيدر العبادي رئيس المكتب السياسي ورئيس مجلس الوزراء، وتحالف كل طرف منهم مع أحد طرفي الخلاف، هذا الانشقاق ساهم بشكل مباشر في ضياع تماسك الحزب وقوته السياسية المعروفة، وبذلك ضعفت قوة الدعوة أمام قوة الفريقين المنافسين بقيادة الصدر والعامري وقاسمهما المشترك المتمثل بانتزاع رئاسة الحكومة من الدعوة. هنا ادرك اهل الحل والعقد داخل حزب الدعوة خطورة الوضع وحاولوا رأب الصدع وجمع كتلتي المالكي والعبادي في كتلة واحدة ووجهوا رسالة بهذا المضمون لشورى الحزب ليصبحوا الاكثرية لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق غايتهم، وبذلك كان الخلاف الشخصي بين المالكي والعبادي العامل الاهم في خسران حزب الدعوة لسدة الحكم وضعف تاثيره على تشكيلة الكابينة الوزارية.
وكان البيان الصادر من الامين العام لحزب الدعوة في ١٨ تشرين أول ٢٠١٨ دليلا واضحا على أنهم أدركوا خطورة الوضع الذي وصل اليه الحزب، والذي طالب من خلاله بالتحضير لعقد المؤتمر العام للحزب ولكن بعد فوات الاوان.
هنا ياتي السؤال عن مدى تاثير الحزب وتحالفي النصر ودولة القانون على مجريات الاحداث السياسية القادمة؟ ومدى قدرة المؤتمر القادم للحزب على تقليل الخلافات الداخلية الشخصية بين أفراد قياداته وارجاع العافية؟.
حزب الدعوة من الاحزاب العراقية العريقة وكان له دور حيوي في التصدي والنضال ضد العهد البائد وقدم تضحيات كبيرة في العقود الماضية، وهو بحاجة الى اعادة تنظيم صفوفه واضافة دماء شابة لصفوف القيادة والعمل على ايجاد مرتكز جديد له، والا فان نتائج الانتخابات القادمة في ٢٠٢٢ قد تكون صعبة جدا على الحزب.

الصدر سيد المشهد الجديد:
قبيل الانتخابات ولسنوات طويلة امتدت من ٢٠٠٦، كان نوري المالكي هو اللاعب الماهر في الساحة السياسية والاكثر تأثيرا في المشهد القائم. ولكن بعد اعلان نتائج الانتخابات في ١٩ ايار ٢٠١٨ تغير المشهد جذريا، حيث اصبح مقتدى الصدر هو سيد الساحة والمشهد معا، بعد حصول سائرون على ٥٤ مقعدا ليصبح اكبر كتلة في الانتخابات، وسرعان ماتحرك لعقد اجتماعات مع الكتل الفائزة الاخرى معلنا عن اول تحالف مع تيار الحكمة ومن ثم الوصول الى تحالفات وتفاهمات مع الكتل الاخرى، عاقدا العزم على تشكيل الكتلة الاكبر وتصدر المشهد السياسي مبكرا من خلال تحركات سياسية وصفت بالذكية رافقتها تغريدات مثيرة ولافتة، تمكن من خلالها ان يفرض واقعا جديدا بشروطه هو، حيث لم يكن متداولا من قبل على سبيل المثال اشتراط عدم استيزار اي نائب من داخل البرلمان الجديد المنتخب وبذلك سن سنة سياسية جريئة، كما اشترط أيضا عدم استيزار أي من أعضاء الحكومية المنتهية ولايتها في الحكومة الجديدة دون استثناء! وتحقق له ما أراد.
غرد الصدر اكثر من مرة ليحدد المواصفات المطلوب توفرها في الوزراء الجدد والتأكيد على ضرورة أن يكون الولاء للعراق أولا وأخيرا، وعمل على ابعاد بعض المرشحين للوزارات المهمة لظنه بأنهم مرتبطون بجهات لم يسمها، او محسوبين على محاور اقليمية او دولية. وهنا يرى المراقبون بأن الشخصيات المختارة في الحكومة الجديدة عراقية في غالب الظن، بدءا برئيس مجلس الوزراء مرورا بالوزراء، ومن الصعب ان يحسب أي وزير على جهة خارج العراق خصوصا الوزارات السيادية، وغالبيتهم لديهم علاقات متوازنة شرقا وغربا على حد سواء.
استعمل الصدر مجموعة من الادوات المتاحة لديه للوصول الى تصدر المشهد و منها:
– تمثيل جماهيري واسع، حيث انه الوحيد الذي بامكانه تحريك مجاميع كبيرة في الشارع العراقي من خلال تغريدة او ايعاز. هذا التمثيل الجماهيري كفيل باجماع جميع القوى السياسية على عدم تهميش كتلة سائرون في اي تشكيل حكومي.
– قيادة المفاوضات لتشكيل الحكومة من خلال ممثله المتواجد داخل الفريق التفاوضي لرئيس مجلس الوزراء المكلف والتأثير المباشر على توزيع الحقائب وهو الوحيد الحاصل على اربع حقائب اساسية في الحكومة.
– كتلة برلمانية قوية ومتماسكة متكونة من ٥٤ نائبا يقودهم فريق خارجي متمرس وخبير تابع للهيئة السياسية. ولعل ما جرى داخل جلسة انتخاب الحكومة خير دليل على قوة هذه الكتلة ومناورتها الذكية لتمرير الحكومة وتنصيب عادل عبدالمهدي رئيسا للوزراء ومنع تمرير الوزراء الذين عليهم ملاحظة من قبلها.
– استعمال التغريدات بشكل ملفت ومؤثر جدا، يغرد لنشر افكاره و رؤيته السياسية والمجتمعية او ليعطي التعليمات والارشادات لاتباعه او يحذر خصومه من مغبة مواقف سياسية لا تروق له.
– اتباع معادلة مربحة بما يتعلق بالحكومة القادمة، كتلة سائرون لم ترشح احدا من اعضائها لتسنم اي منصب وزاري ولن تشارك في الحكومة. وفي حال نجاح عادل عبدالمهدي في ادارة الحكومة فان الصدر سيكون له رصيد كبير من هذا النجاح، واذا واجه عبدالمهدي صعوبات ومشاكل كبيرة ولم يتمكن من انجاز البرنامج الحكومي، سيصبح الصدر معارضا وقد يعمل على تغيير الحكومة ولن يتحمل المسؤولية في الفشل. بمعنى اخر، فهو رابح في الحالتين ولن يخسر جماهيره.
والملاحظ بهذا الصدد ماغردت به رئيس حركة ارادة حنان الفتلاوي بعد انتخاب حكومة عبد المهدي من أن (السيد مقتدى الصدر أثبت بانه هو الكتلة الاكبر). وللحقيقة أيضا فان الكثير من المراقبين يتفقون مع هذا الرأي.
جدير بالذكر ان شركاء سائرون في كتلة الاصلاح والاعمار شعروا بالاحباط جراء الصفقة التي حصلت بين سائرون والفتح لتمرير الكابينة الوزارية، والتي نتج عنها فقدانهم لما يرون بأنه استحقاقهم الوزاري، وهذا الاحباط قد يطفو على السطح قريبا وربما يؤدي الى انسحاب البعض من كتلة الاصلاح والانضمام الى كتلة اخرى او قد يذهب الى تشكيل كتلة جديدة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *