مخرجات عدم الاستقرار في الشرق الاوسط و شمال افريقيا ( مينا )

مخرجات عدم الاستقرار في الشرق الاوسط و شمال افريقيا(مينا )

د. طورهان المفتي
12 تشرين الثاني 2020
الملاحظ ان منطقتي شرق الاوسط و شمال افريقيا ( و الذي يطلق عليه مختصرا “مينا “) تمران بمرحلة من عدم الاستقرار و منذ فترة ليست بالقصيرة و لا تكاد تخبو مشكلة لتظهر مشكلة او عقدة جديدة و تنتقل هذه المشكلة او العقدة الى اجزاء اخرى من المنطقة و هكذا ، مثل ما سمي بالربيع العربي ،ظهور داعش و حركات ارهابية واسقاط للحكومات.
ويبدو لاول وهلة ان اسباب هذه المشاكل هي السيطرة على منابع النفط او الجيوبولتيك الخاص للمنطقة ، وهذا صحيح نوعا ما الا انها ليست الاسباب الحقيقية او الجوهرية لاستمرار المشاكل في ( مينا ) ذلك ان السيطرة على منابع النفط لن تاتي بواردات اقتصادية ضخمة للدول التي تمتلك القرارات الاممية و الارادات الدولية الكبرى وانما سيكون مصروفات هذه الدول مساوية او حتى اكبر من هذه الواردات ،اذن لا بد من وجود مسألة اخرى تثير الارادات الكبرى في ( مينا ).
نرى ان اهم مرتكز لتعظيم الواردات للارادات الكبرى تندرج تحت مسمى ( عدم استقرار مينا ) وهنا لا بد من الاشارة الى ان عدم الاستقرار لا تعني الفوضى ، فالفوضى بتعريفها البسيط تعني عدم وجود نظام اداري او مالي او سياسي او امني و عدم وجود سياق عمل تراتبي في دولة ما او مؤسسة ما ، كما وان الفوضى مهما استمرت فانها بالنتيجة سوف تنتج استقرار و نظام مما يعني لو ان وضعية الفوضى فيها واردات اقتصادية فان هذه الواردات سوف تختفي مع اختفاء الفوضى ، كما وان من الاستحالة الاستمرار في ادارة الفوضى و ديمومته حيث ان الفوضى بطريقة او باخرى و كما اسلفنا سوف تنتج استقرار و نظام بسياق معين ،
فالإجراء الانسب اذن هو ابتكار حالة من ( عدم الاستقرار ).
ما هو عدم الاستقرار ؟
عدم الاستقرار يعني وجود نظام اداري و مالي وامني و سياسي غير مكتمل ، او متداخل بين عدة انظمة حديثة وقديمة ، او انهيار جزء من النظام و استمرار الجزء الاخر ، او تنازع قوانين وتشريعات ضمن مؤسسات الدولة ،…… الخ .
ما الغرض من عدم الاستقرار؟
ان وجود حالة عدم الاستقرار تؤدي باي دولة الى استنزاف جميع مصادرها والى مصاريف غير ضرورية والى تركز الصرف في ابواب معينة من الدولة بسبب بسيط جدا وهو ان جزء من النظام موجود وقائم والجزء الاخر غير موجود او منهار فعلى طول الخط يحاول الجزء المنهار من التمدد الى الجزء القائم و العكس صحيح ايضا ، وتستمر هذه الحالة من التنازع ما دامت هناك اموال واقتصاد في الدولة .
كيفية انتاج عدم الاستقرار؟
ممكن وبكل سهولة تحويل اي دولة مستقرة الى غير مستقرة من خلال شيطنة الحكومة امام الشعب وبالعكس لتنتج علاقات ثنائية متراكبة ومتراتبة ، بتعبير اخر متى ما كانت العلاقة تفاضلية بين الحكومة والشعب نتجت عدم الاستقرار وليست متى ما كانت العلاقة متضادة بين الحكومة والشعب لانها سوف تنتج الفوضى ونحن هنا لسنا بهذا الصدد.
هل كل دول (مينا ) غير مستقرة ؟
الجواب كلا فممكن تقسيم دول (مينا) الى اربعة انواع و تضاف اليها النوع الخامس من خارج (مينا) وهذه التقسيمات هي:
1 ـ دول لب عدم الاستقرار ، وهي تلك الدول التي عصف و يعصف فيه عدم الاستقرار مثل العراق، سوريا، لبنان، سودان ، تونس، افغانستان، ايران ، صومال ، البحرين ، فلسطين، الجزائر ، اليمن ، ليبيا . وتكون موازنات هذه الدول بل و الناتج المحلي متاثرا كليا بحالة عدم استقرار الدولة وتذهب غالبية اقتصاديات هذه الدول الى تعزيز الاستقرار وهي في الحقيقة تعزيز عدم الاستقرار.
2 ـ دول نطاق اللب ، وهي السعودية ، الامارات ، القطر، تركيا، اثيوبيا، باكستان وهي تلك الدول التي تخشى على انفسها من زعزعة استقرارها فتصرف كميات هائلة من اقتصادياتها على حالتين :
أ- العمل على استمرار عدم استقرار اللب حتى لا تتمدد حالة عدم الاستقرار اليهم
ب- العمل على تعزيز استقرار بلدانهم
و في كلتا الحالتين تكون نسبة عالية جدا من موازناتهم و ناتجهم المحلي مصروفة في هذا المضمار او ذاك.
3 ـ دول اقليمية ذات الوارد الاقتصادي ، وتكون هذه الدول مستفادة من دول اللب ودول نطاق اللب ، وهي مصر، الهند، الاردن ، اسرائيل
4 ـ دول محايدة ، وهي تلك الدول التي تحاول النأي بنفسها عما يجري في المنطقة وكانما هي غير مرتبطة بجغرافية المنطقة إلا بالحد التي تحافظ فيها على نفسها ، وهي دول المغرب وعمان والكويت.
5 ـ الدول الكبرى واراداتها والشركات العابرة للقارات مثل الولايات المتحدة ، الصين بعض دول اوروبا الغربية ، الشركات العابرة للقارات .
وهنا لابد من الملاحظة ان بعض الدول كانت تتامل ان تكون مثلا ضمن الدول الاقليمية ذات الوارد الاقتصادي ، الا انها ترنحت واصبحت ضمن مجموعة اخرى مثل البحرين والتي كانت تتامل ان تكون في دول نطاق اللب ولكنها أُقحمت في اللب ،ومن جانب اخر نجد ان الجمهورية الاسلامية تموضعت مع دول اللب في حين كانت الرؤية ان تكون ضمن دول الواردات الاقتصادية ،اما مصر فكان المنظور ان تكون ضمن دول اللب ولكنها لاعتبارات كثيرة تحولت ضمن الدول الاقليمية ذات الوارد الاقتصادي من عدم الاستقرار ، كذلك الحال مع اسرائيل والتي تحولت ايضا ضمن النطاق الاقليمي ذات الوارد الاقتصادي بدلا ان تكون ضمن نطاق دول اللب ،
وعلى هذا الاساس فان جميع الدول ضمن المجاميع الاربعة السابق ذكرها سوف تنفق و بصورة متفاوتة قسما من الموازنات الحكومية واقساما من الناتج المحلي في مجال عدم الاستقرار.
ان الناتج المحلي لجميع دول العالم تتراوح بين 85 الى 95 ترليون دولار سنويا ( ما عدا القروض ) ( على سبيل المثال الناتج المحلي للولايات المتحدة الاميركية بحدود 20 ترليون سنويا اي حوالي 20٪ من الناتج المحلي لدول العالم )، و ان دول عدم الاستقرار مجتمعة تترواح الناتج المحلي لهم بين 8 الى 10 ترليون دولار سنويا ( على سبيل المثال المملكة العربية السعودية اكثر من 0.8 ترليون دولار سنويا ) .
ان مقدار المصروفات و تركيز الاقتصاد في موضوع عدم الاستقرار لدول ( مينا ) تصل سنويا الى اكثر من 8 ترليون دولار ، مما يعطي مؤشرا اقتصاديا واضحا جدا حول سبب استمرار عدم الاستقرار في هذه المناطق ذلك ان مخرجات عدم الاستقرار وايراداتها الاقتصادية للارادات الدولية الكبرى والشركات العابرة للقارات كثير اكثير من الايرادات التي سوف تتحق لو كانت هذه المنطقة مستقرة او حتى لو كانت هذه المنطقة تعيش في فوضى تامة لاستحالة العمل و ابرام الاتفاقيات و البروتوكولات الملزمة في حالة الفوضى .
ماذا يعني ذلك ؟
الحقيقة ذلك يعني وبكل وضوح استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لفترات قادمة او في المدى المنظور لما تحقق حالة عدم الاستقرار من ايرادات اقرب الى الخيال وبدون مشقة تذكر للارادات الدولية الكبرى والشركات العابرة للقارات
ما هو الحل ؟
تتميز دول اللب بانها جميعا لها نقاط ارتكاز مشابهة لديمومة عدم الاستقرار وتمتد حالات عدم الاستقرار من دولة لاخرى لاعتبارات جغرافية واعتبارات مسلكية وحيثيات اخرى ، وعلى هذا المنوال لن تنجح مشاريع اعادة الاستقرار لاي دولة من هذه الدول على المدى الطويل بصورة منفردة، عليه لا بد من العمل وفق سياق المجاميع الدول وفق الخطوات التالية
1 ـ تقسيم دول ( مينا ) الى عدة مجاميع و تتشكل كل مجموعة من عدة دول لغرض وضع رؤى لاعادة الاستقرار مرحليا.
2 ـ عقد مؤتمر لدول اللب لغرض الخروج بخارطة طريق حول تأسيس منظمة لهذه الدول .
3 ـ قيام المنظمة الجديدة بعقد اتفاقيات مع الدول ذات الارادات الكبرى واعادة الاستقرار للمنطقة .
المحاذير
مع استمرار مشروع ديمومة عدم الاستقرار فهناك امكانية كبرى لتوسع نادي دول اللب و ليضم دول النطاق وحتى على الدول الاقليمية ذات الايرادات الاقتصادية، وحقيقة الامر لن يكون هناك منئ للجميع . فزيادة اعداد دول اللب تعني تغير الخارطة التفاعلية ودخول دول جديدة حتى ضمن دول النطاق وتوسع الخارطة للدول التي تعاني عدم الاستقرار وتعني بذلك زيادة الايرادات الاقتصادية لتلك الدول و المؤسسات المنتفعة لتصل واردات عدم الاستقرار الى ارقام فلكية اكثر مما موجود الان .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *