مرتكزات العراق و تحدياته

د. طورهان المفتي
13 تشرين الاول 2020
بعد سلسلة الأرهاصات والتسابق السياسي المحموم على مستوى العالم وخاصة في اوروبا وآسيا ومحاولات التمدد الجغرافي في افريقيا وآسيا نشبت الحرب العالمية الاولى والتي كانت اولى نتائجها انهيار الدولة العثمانية ، وما ترتب على هذه النتائج من تفكيك الدولة العثمانية و تقسيم مناطق نفوذها الى مستعمرات و انتدابات جديدة في الشرق الاوسط ، وكانت من بين هذه النتائج تشكيل الدولة العراقية التي بدأت تحدياتها بالنهوض وسط جغرافية زاخرة بدول ناشئة ومطامع لاحدود لها، لتخطو هذه الدولة اولى الخطوات في بناء مؤسساتها
و نهضتها الاقتصادية الصناعية والزراعية واكتساب مكانتها اللائقة بين الدول ، لتنتهي سريعاً كل هذه الخطوات التي أسست دولة مستقرة و مرفهة جراء المغامرات و الحروب العبثية و الحصار الاقتصادي وصولاً الى تغيير النظام العراقي عام2003 .
بعد عام 2003 ظهرت رؤى مختلفة لكيفية ادارة الدولة العراقية الجديدة و هل ينبغي على هذه الدولة ان تبقى بذات الفلسفة القديمة
والسياق المؤسساتي ؟! ام لا بد من التغيير الجذري لفلسفة الدولة العراقية وبما يتلائم و المتغيرات الدولية، كانت الارجحية تشير الى ضرورة بناء دولة بمفاهيم جديدة تتضمن بناء نظام سياسي ديموقراطي لا جدال فيه وضرورة التحول الى السوق المفتوح ونظام الأدارة اللامركزية، وفي مختلف مرافق الدولة وتكريس دولة المواطنة وضمان حقوق المواطن.
ـ ماذا يعني ذلك ؟!
ان ما تم تبنيه في اعادة انشاء الدولة العراقية بعد 2003 مما ورد اعلاه يعني اذا تم تطبيقه فعليا، فالمنطقة تكون امام ظهور دولة مستقرة مرفهة ديموقراطية ودولة مواطنة مما يعني دولة في جغرافية غارقة في مشاكل تعريفية لانظمتها السياسية والادارية و يعني بتعبير اخر ان العراق سيكون غير ملائم لجغرافيته . بتعبير ادق ان ماسوف يحصل في العراق سوف يمرر الى دول اخرى في المنطقة اذا ما نجحت الارادة الدولية بانشاء دولة وفق المعطيات و الاسس الحديثة.
ـ ما الذي حصل ؟!
الذي حصل عدم رغبة بعض الارادات الاقليمية و الدولية ان يكون هناك عراق جديدبمقاييس حديثة عالمية لتأثير ذلك عاجلاً ام اجلاً عليهم في ضرورة الخضوع للتغيير ،فكان ما كان من العمل بالضد من هذا المشروع و تحويل العراق الى دولة تعاني من مشاكل متعددة
و مركبة في ذات الوقت، مما جعل من النظام العراقي الناشىء مشغولاً بهذه المشاكل والتي انتجت تعقيدات اضافية اغرقت البلاد في امور كانت غير موجودة سابقاً ، ويبدو للمتابع للاحداث ان انتاج المشاكل و ادخال العراق اليها كانت ضمن فترات زمنية مدروسة ومقصودة، اي ان لكل مشكلة فترة معينة من التوقيت تستمر لتنتهي لتظهر مشكلة اخرى وهكذا .
ـ كيف تم ذلك ؟!
لتقويض اي دولة يجب معرفة مرتكزات تلك الدولة و بعد ذلك القيام بإستهداف تلك المرتكزات بشتى الطرق و مختلف الوسائل ، و مع انهيار تلك المرتكزات تنهار الدولة ، والاسوء حين تنهار المرتكزات جزئياً لتؤدي الى انهيار جزئي للدولة مما يعني استمرار عدم الاستقرار في تلك الدولة لسنوات و سنوات على امل بناء الاجزاء المنهارة، وهذا مستحيل حيث ان اعادة البناء يكون بمنظور مختلف عن الجزء المنهار مما يؤشر استحالة الترقيع ، ولتبقى الدولة غارقة في دوامة الانهيارات المتتالية و المتوالية في حسابات رياضية ذات متغيرات متعددة .
ـ ما هي المرتكزات ؟!
العراق كدولة لديه مرتكزات عديدة اتية من خلال متبنيات قديمة، وتواجد سحيق للشعب العراقي في جغرافيته، وعلى هذا المنوال فان المرتكزات الرئيسة للبلاد هي ( الأمان، التعددة الاثنية ، الاقتصاد ، فئة الشباب )، بالتالي فان الدولة العراقية منذ تشكيلتها تعتمد على هذه المرتكزات في ديمومتها و استمرار تفوقها ، و اذا ارادت أية ارادة البدء بنخر الدولة العراقية فلابد ان تقوم بهدم هذه المرتكزات.
ـ كيف يجري الهدم ؟!
كان لدى الاطراف التي ارادت السوء بالبلاد احتمالين للهدمة وهما :

الاحتمال الاول : الهدم المتوازي للمرتكزات .اي ان تبدا عملية تقويض الامن واثارة الطائفية وخلق العجز الاقتصادي، وأستهداف الفئة الشبابية جميعها معا وبصورة متوازية مما سيخلق جوا غير قابل لاستمرار العراق كدولة و تنهار في غضون سنوات قليلة ، الا ان اصحاب الخطط و الارادات الدولية تركوا هذا الاحتمال لما له من عواقب سوف تمتد الى الدول الاقليمية الأخرى بصورة حتمية مما سيقود الى إمكانية إعادة تأسيس خارطة المنطقة من جديد، او ماسمي بخارطة حدود الدم ، وعليه تم تخطي هذا الاحتمال لاجل المصالح الاقليمية فحسب. وليس لاجل العراق.

الاحتمال الثاني : الهدم المتوالي او المتتالي للمرتكزات، أي باستلام ملف لمرتكز معين والعمل على تسريع انهياره بصورة كلية او بصورة اقرب الى الكلية ليتم التحول الى ملف اخر و هكذا ، مما يبقي العراق كخارطة موحدة ولكن مذابة داخليا بسبب المشاكل وانهيار المرتكزات ، فكان القرار البدء بتقويض مرتكز الأمن والأمان من خلال انشاء منظمات ارهابية كانت تقتل العراقيين بصورة رئيسية تحت مسميات و ادعاءات وهمية وزائفة، لتنتقل الى ملف الطائفية، لتزيد الملف الامني تعقيدا، كون الأمن والطائفية يتداخلان ويتشابكات بملف واحد ،
وبعد ان انهك العراق امنيا وطائفيا جاء الدور للملف الاقتصادي، والذي شمل حرق المزروعات و المحاصيل و انهيار اسعار النفط والتي توثر على العراق اكثر من اية دولة اخرى بسبب الموازنة الريعية للبلاد فكان من أخطر الملفات التي تم توظيفها لذات الأغراض والأهداف آنفة الذكر، وأخيرا أضيفت اليها جائحة كورونا ، والتي ضربت معظم القطاعات الحيوية بالصميم وشلت حركة السوق والأفراد على حد سواء. والتي فاقت بمخاطرها وتداعياتها على معظم الملفات، أما قطاع الشباب فقد دفع الثمن عبر كل الملفات، والذي يبحث عن الاستقرار وعن دولة صحية ذات اعتبار دولي، وعن فرص عمل لتحقيق الذات. والذي يتضح جليا من خلال مقارنة وضع العراق مع بلدان مستقرة لها حظوظ اقل، وامكانات متواضعة قياسا بما هو متوفر داخل العراق.
و على هذا الاساس نجحت تلك الارادات في ضرب المرتكزات الاساسية للعراق، وفقدانه للإستقرار، وأن لم يكن الجميع على مستوى المسؤولية فأن حالى الفوضى والتخبط والتراجع ستطول لسنوات وعقود مما يجعل من العراق دولة مقوضة كليا، ويسمح بالتالي بتمرير المزيد من المشاريع الهادفة للقضاء على ماتبقى من أمل لإستعادة العراق لعافيته.
ـ ما هو الحل ؟
في الوقت الذي لا توجد هناك حلول سحرية فضلا على عدم توفر من يمتلك عصا موسى في زماننا المعاصر، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود أية حلول ممكنة التطبيق، و لكن لا بد من ان تكون الحلول على نوعين هما:

الحل الآني : والذي يتمحور حول جلوس الجميع على مائدة واحدة، وتأجيل جميع الخلافات والإختلافات الى وقت لاحق ان كان نسيانها مستحيلًا، وعدم استخدام المتضادات كساحة انتخابية ، والعمل مع الدولة لغرض تجاوز الازمات الاجتماعية.

الحل الاستراتيجي : ويتمحور حول الريادة العراقية في المنطقة فهذا قدر العراق وعليه يتم محاربة العراق ، لذا العمل على اي منظور يعيد للعراق ريادته للمنطقة، دون الالتفات الى ما سبق من انتكاسات ومأسي ومؤامرات فالعراق قادر على تحويل كل هذا الى إنجاز لصالحه شريطة نجاحه في تحقيق الحل الآني.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *