مستقبل البلاد في ظل الاقتصاد وعلاقته بالمشاعر المحلية

د.طورهان المفتي
6 شباط 2021
يمكن تعريف المشاعر المحلية انها تلك .العواطف التي ينساق لها الانسان نحو الاعتزاز بموقعه المحلي وجغرافيته المميزة له، كأن يكون قرية او محافظة وهكذا، ان تنامي هذه المشاعر ليست بالامر السيء على الاطلاق حيث تساهم هذه المشاعر في إحياء تلك الوحدة الادارية او الرقعة الجغرافية كما تزيد هذه المشاعر من الرغبة في الدفاع عنها بل والاستماتة من اجلها اذا ما لزم الامر، كما يمكن توجيه هذه الصفة في اعمار واعادة اعمار هذه الرقع الجغرافية الزاخرة بمواطنيها المميزين بالمشاعر المحلية.
هناك عدة امور وحيثيات تساهم في تعزيز وتنامي المشاعر المحلية والتي من الممكن ان نذكر اهمها :
اولاً: الجغرافية المميزة لتلك الرقعة و التي تنعكس بالضرورة على طبيعة العيش والكثير من السلوكيات المجتمعية.
ثانياً: الانتماء المجتمعي للمواطنين في تلك الرقعة ونقصد به القومية ، الدين و المدارس الفقهية ، الامتداد العشائري .
ثالثاً: طبيعة تواجد الموارد الطبيعية والامكانية الاقتصادية للرقعة الجغرافية .
رابعاً: المخاوف و المصالح المشتركة .
كل هذا النقاط اعلاه او غالبيتها تساهم في نمو المشاعر المحلية وتؤدي في كثير من الاحيان الى اختناقات مجتمعية ومناكفات مدنية تظهر على السطح مع اي ضعف او اخفاق في قمة الهرم لاي دولة ذلك ان المشاعر المحلية وتحديد الحدود الملموسة موجودة ضمن كينونة الانسان فلايمكن الغاءها او تجاهلها، عليه تعمل الدول التي لا تريد لهكذا مشاعر ان تطغى على اولويات ادارة الدولة و ديمومة وحدتها تعمل على تأطير هذه المشاعر وتقنين افرازاتها الجانبية من خلال اجراءات ادارية متمثلة باعطاء صلاحيات للحكومات المحلية في الدول ذات المستويات الادارية المتعددة والمحتوية على انتماءات محلية متعددة (ويبدو جلياً ان المشرع العراقي كان واعياً لهذا الموضوع الحيوي وعليه تم العمل في الدستور العراقي على الادارة المتعددة المستويات من الفدرالية واللامركزية بشكل رئيسي ، حيث ان اللامركزية الادارية في المحافظات تساهم في ادامة وحدة البلاد وفي نفس الوقت تساهم في نماء المشاعر المحلية وتسخير هذه المشاعر في المحافظة على وحدة البلاد وتقديم افضل الجهود في محافظاتهم كرقع جغرافية مميزة )، وتنحى الدول المركزية الى تأطير هذه المشاعر من خلال تشجيع الممارسات المجتمعية كانشاء الفرق الرياضية المحلية في كل وحدة ادارية مما يساهم في عملية (تنفيس ) للمشاعر المحلية من خلال تشجيع كل مجموعة مجتمعية لفرقهم الرياضية، كذلك تشجيع الاعياد والمناسبات المحلية والتي تساهم ايضا في اطلاق تلك المشاعر كنوع اخر من التأطير للحيلولة دون تغير نظام ادارة الدولة وعدم ضياع مركزيتها.
طغيان المشاعر
ان طغيان المشاعر المحلية سوف تؤثر على غالبية مسارات الدولة ومفاصل الحياة ذلك ان هذه المشاعر سوف تدخل نفق المساومة والمنافسة وبكلتا الحالتين سيكون هناك خسائر غير محسوبة وذات نهايات مفتوحة غير قابلة للتخمين، فلو اخذنا المساومة فهذه تعني خضوع اصحاب المشاعر الى عملية ربح وخسارة لمشاعرهم امام ما يعتقد بانه قيادات عليا، ولو اخذنا المنافسة فهذه تعني طغيان طرف على طرف اخر والاستئثار بالمغانم في صالح التنافس ليكون هناك اختناق مجتمعي مخيف.
اسباب طغيان المشاعر
ان استمرار الاحباطات والتعثرات في دولة ما بصورة عامة وايضاً عدم بلورة اسلوب الادارة بصورة خاصة، مع عدم تمييز الخصوصية المحلية لكل ادارة من جانب، ومن جانب اخر نمو حالة الاحساس بعدم المساوات المجتمعية وتأشير حالات غير متساوية للتوزيع المادي واختلال المستوى الاقتصادي، فكل ما ذكر انفاً سوف يساهم في طغيان المشاعر المحلية والتي سوف تؤثر بالضرورة على اغلب مفاصل الدولة والسياقات الحكومية لتكون النتيجة الحتمية انهيار منظومة الدولة ذات التوجه المركزي او المرتدة الى المركزية وبالتالي توجيه دفة الدولة نحو اساليب ادارية اخرى كرد فعل قد يكون ادناه الفدرالية في كل زاوية من زوايا الدولة وصولاً الى بعثرة الدولة كأعلى احتمال في حالة الاخفاق في الحفاظ على رؤية ادارية معينة.
علاقة الاقتصاد بالمشاعر المحلية
ان العامل الاقتصادي يؤثر على كل جزئيات الحياة بل ويتعدى ذلك الى تأثيراته في المشاعر الانسانية بصورة مباشرة او غير مباشرة فنجد ان التقلبات الاقتصادية لاي بلد سوف تنعكس مباشرة على التخندقات المحلية و المقاطعات الجغرافية (العراق كدولة غير مستثنى عن ذلك)، حيث ان الاقتصاد يؤشَّر بالرفاهية الاجتماعية و السلوكيات البشرية في التبادلات المادية والانتاج والاستهلاك وعلى هذا الاساس فان وجود الخلل الاقتصادي في المنظور الافقي للدولة العراقية سوف يساهم بصورة لا تقبل الشك في نمو المشاعر المحلية وطغيانها على المد الوطني، كمثال لا على الحصر هي تلك الاختلالات الاقتصادية الموجودة في البلاد والممثلة بمديونية الاقليم والمحافظات مع حكومة المركز، كذلك وجود مؤشرات لدى بعض القيادات المحلية ( حسب وجهة نظرهم) بعدم الانصاف في الانتاج النفطي وعائدات هذا الانتاج، وكمثال اخر على مستوى مجتمعي هي منظومة الرواتب الحكومية والتي اي تأخير فيها تؤٔشَّر كخلل تنعكس على جميع مؤشرات الحياة اليومية في البلاد مما يزيد الحنق بالضد من الدولة كمركز اداري و تشجع تنامي المشاعر المحلية .
طبعا ان الجدلية الاقتصادية في البلاد مستمرة منذ سنوات لكن ما يميز هذه الفترة هي ما مرت وتمر به البلاد من التحديات الدولية والاقليمية والاختناقات الداخلية والتظاهرات المطلبية ومشروع الموازنة لهذه السنة وقرب الانتخابات النيابية، جميع هذه المتغيرات تصب في المعادلة الاقتصادية الحالية والتي سوف تؤثر بصورة مباشرة على نمو المشاعر المحلية وعملقة هذه المشاعر مما يوجب على القائمين على الامر العمل المستمر في تهدئة الاجواء وتكريس اللامركزية والنمو الاقتصاد المحلي، فالبلاد امام هكذا نمو للمشاعر المحلية (مع زيادة الحنق على المركز ) وفي هذه الاجواء المضطربة فانها سوف تنسدل رويداً رويدا نحو نظم ادارية اخرى قد تكون الفدرالية العمومية احدى حلولها المخمنة، بغير ذلك فاننا سوف نشاهد في قادم الاشهر ان العراق امام خطوة استباقية في فلسفة ادارته في احتمالين احلاهما مر فالدولة لكي تحافظ على زمام الامور قد تتجه نحو التمركز للسلطة في هدف ادامة الاستقرار وليس الاستئثار بالسلطة وسوف تتجه المشاعر المحلية نحو شعارات الفدرالية بل والكونفدرالية ليكون البلاد امام مفترق الطريق في ظل منظومة (ادارية ــ سياسية) جديدة .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *