مشاهد ما بعد تأجيل الانتخابات ـ المشهد الثاني

فرهاد علاء الدين
2 شباط 2021

المشهد الثاني:
الأحزاب الناشئة والتحالفات الجديدة ومصادرة رغبات الشارع المنتفض
حسمت الأحزاب الكبيرة أمرها بدخول التحالفات من عدمه، فكتلة سائرون تعمل لوحدها، أعادت كتلة الفتح تنظيم صفوفها وأضافت كتلة جديدة باسم (تصحيح) بقيادة همام حمودي، وتحركت دولة القانون لاستقطاب كتلة الإرادة بقيادة حنان الفتلاوي وتفاوض الجناح السياسي لكتائب حزب الله للدخول معهم، فيما عمل رئيس تحالف عراقيون عمار الحكيم على تشكيل كتلة عابرة للمكونات، حيث كتب في 21 تشرين ثان 2020 “إننا نرى الحلَّ يكمنُ بتشكيل تحالفٍ انتخابيٍ عابرٍ للمكونات، ممثلٍ للجميع، وطني التوجه والإرادة، قادرٍ على ردم الهوة بين الجمهور العام والمنتظم السياسي وبوسعهِ تشكيلُ نواة العمل المتوازن بالنظام السياسي على أساسِ فكرة الموالاة والمعارضة”.
حددت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات يوم العاشر من شباط 2021 موعداً نهائياً لتسجيل التحالفات، وطبقاً للمادة 45 من قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 والتي نصت على: “لا يحق لأي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات الانتقال إلى ائتلاف أو حزب أو كتلة أو قائمة أخرى إلا بعد تشكيل الحكومة بعد الانتخابات مباشرة” فإن ما شاهدناه من تفكك لكتلة النصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بعد انتخابات 2018 لن يتكرر وستكون هذه المادة مانعة لبورصة التنقلات النيابية من كتلة إلى أخرى.
ويساعد تشكيل تحالف سياسي عابر للمكونات قبل الانتخابات في ضمان الحصول على الكتلة الأكبر عند الجلسة الأولى في البرلمان وبالتالي اختيار رئيس مجلس الوزراء والمناصب الرئاسية الأخرى مستفيدين من المادة 45 آنفة الذكر. لا شك أن هذا المسعى يعد مقبولاً من الناحية النظرية، لكنه صعب التحقق من الناحية العملية، لوجود المخاوف الكبيرة وانعدام الثقة بين القيادات السياسية وفقاً لما جرى بعد انتخابات عام 2018، عندما تم تشكيل تحالف الإصلاح بقيادة سائرون وتحالف البناء بقيادة الفتح وشارك في كل من التحالفين عدد من القوى السنية في حين امتنعت الكتل الكوردية من المشاركة، وسرعان ما تهاوى التحالفان بعدما انفرد سائرون والفتح باتفاق ثنائي تم على اثره تشكيل الحكومة برئاسة عادل عبدالمهدي. ما يفرق المحاولة الحالية عن سابقاتها هو أنها تأتي قبل الانتخابات ولكن التوجه السياسي لدى الكتل يبقى على حاله من دون تغير يذكر ولكن يمكن القول بأن تشكيل هذه الكتلة فكرة ذكية لمنافسة الكتل الكبيرة.
الأحزاب الجديدة
أعلنت المفوضية العليا للانتخابات على موقعها الالكتروني نهاية رأس السنة 2020 بأن لديها 432 طلباً للتسجيل وأن عدد الأحزاب المجازة بلغ 231 حزباً. تم تسجيل عشرات الأحزاب الجديدة وهذه الأحزاب خليط من حراك منبثق من ثورة تشرين وأحزاب تابعة لشخصيات سياسية.
لعل أبرز الأحزاب الجديدة هو (حزب المرحلة) القريب من رئيس الوزراء حيث اتضح أن المؤسسين وأعضاء قيادة الحزب هم من المستشارين المقربين من مصطفى الكاظمي. مراقبون يعتقدون أن هذا الحزب يتمتع بإمكانيات كبيرة من الناحية الإعلامية والمالية والفنية بسبب قربه من مصادر القرار، برغم أن صورته لم تتضح بعد من ناحية الخطاب والبرنامج السياسي والهيكلة الحزبية كذلك فإن قيادته مازالت مجهولة ولم يعلن عن هوية رئيس الحزب. إلا أن الواضح اقتران الحزب برئيس الوزراء ومستشاره السياسي مشرق عباس. في الوقت الذي يعد الحزب نفسه بديلاً للأحزاب القائمة وبات يناغم الأحزاب الجديدة من حيث التوجه والأهداف، ويحاول التقرب من التحالفات الموجودة، ويطرح نفسه على أنه مواز لها إن لم يكن أعلى شأناً منها، ويتحاور معها من موقع قوة، إضافة إلى أنه يسعى للخروج من الدائرة الشيعية إلى مناطق النفوذ السنية، إذ غرد عبدالرحمن الجبوري، وهو أحد المؤسسين بعد زيارته لمحافظة الأنبار وحزام بغداد في 23 كانون ثان 2021 “بين الفلوجة وجسرها التاريخي ووجهاء أبو غريب والراشدية يوم عمل طويل خططنا فيه لخطوات عودة الدولة”.
حزب الامتداد، في مدينة الناصرية شد الانتباه إليه أيضاً والذي يقوده علاء الركابي ومجموعة من الناشطين، وانعكس خطاب هذه المجموعة بتصريح محمد عفلوك، أحد المؤسسين لموقع الحرة قائلاً إن “الدافع الأول والأخير لحزب الامتداد هو نقل صوت الاحتجاج من الشارع إلى البرلمان، وتشكيل معارضة حقيقية لحماية الثوار وإبعاد حملات الاعتقالات عنهم”.
الإعلان عن حزب 25 تشرين بقيادة طلال الحريري كان لافتاً هو الآخر على الأقل من الناحية الشكلية لمراسيم الإعلان والاسم، حيث استخدم اسم ثورة تشرين عنواناً للحزب وهذا ما يعارضه بعض الناشطين. يتسم خطاب هذا الحزب بمعاداة إيران والقوى الموالية لها، حيث صرح مؤسس الحزب لموقع الحرة “نحن أول مشروع سياسي مسجل أصولياً نعارض إيران علناً ونقف بوجهها” وأعلن الحزب عن تأسيس قناة تلفزيونية مما يزيد الإثارة حول الإمكانيات المادية لهذا الحزب والجهات الداعمة له.
هناك أحزاب جديدة أخرى بقيادة شخصيات سياسية معروفة مثل حزب الفراتين بقيادة النائب محمد شياع السوداني وحزب اقتدار بقيادة الوزير السابق عبدالحسين عبطان وحزب الوعي بقيادة صلاح العرباوي وحزب الإنجاز بقيادة الوزير السابق باقر الزبيدي، كل هذه الأحزاب لم تعلن بعد دخولها بمفاوضات مع أي تحالف سياسي لكنها مستعدة للعمل الانتخابي، برغم رغبة التحالفات الكبيرة بالانفتاح عليها ومحاولة استقطابها.
التنافس بين هذه الأحزاب سيتركز داخل محيط الدوائر الشيعية عدا بعضها الذي قد يحاول العبور إلى المناطق السنية، فيما ستكون هناك تحالفات غير رسمية بين القوى الأساسية الشيعية للمنافسة على المقاعد السنية في المناطق المختلطة مثل حزام بغداد وديالى وصلاح الدين والموصل، والذي قد يفضي إلى خسارة الشيعة 6 – 9 مقاعد بحسب النظام الانتخابي الحالي.
المنافسة السنية
الحزب الأبرز على الساحة السنية هو حزب التقدم بقيادة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، وتفيد مصادر مقربة من قياداته أن العمل جار على قدم وساق في التعبئة الجماهيرية واستقطاب الشخصيات السياسية والاجتماعية للانضمام إلى صفوفه. وبرغم أن معقله محافظة الأنبار فإنه يتوجه للتنافس بقوة في بغداد وصلاح الدين، كما يسعى جاهداً لاستقطاب شباب الموصل.
الحلبوسي برغم تزعمه لقيادة حزب التقدم وتحالف القوى، لكنه يواجه منافسة داخلية لا يستهان بها من شخصيات نافذة تعمل للاستحواذ على قيادة الحزب الأمر الذي دفعه إلى تنفيذ عملية تصفية للحيلولة دون خسارة موقعه، والتي شملت استبعاد الوزير السابق فلاح زيدان والتي ستطال أسماء أخرى مازالت على لائحة الإزاحة، كونها تتطلع إلى الفوز برئاسة البرلمان.
لم تتبن أي كتلة نيابية برنامجاً معلناً لإزاحة المعوقات أمام اجراء الانتخابات
جدير بالذكر أن تحالف القوى دخل في اجتماعات مطولة مع تحالف عراقيون لبحث إمكانية انضمامه للتحالف الأكبر الذي يدعو إليه عمار الحكيم، إلا أن هذه الاجتماعات لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، وبحسب مصادر مطلعة فإن الحلبوسي يريد معرفة الأطراف الشيعية البارزة التي قد تدخل في هذا التحالف قبل أن يدخله، كونه لا يريد أن يخسر حليفه الأساسي الذي أوصله إلى منصب رئاسة البرلمان والمتمثل بكتلة الفتح حيث يرتبط معهم باتفاقيات خطية.
أبرز القوى السنية المنافسة لحزب التقدم تشمل المشروع العربي بقيادة خميس الخنجر في الأنبار وبغداد وصلاح الدين والحزب الإسلامي في ديالى والأنبار وحزب الجماهير بقيادة أبو مازن الجبوري في صلاح الدين وتحالف الجبهة والإنقاذ بقيادة أسامة النجيفي في الموصل. المنافسة الأساسية للأحزاب السنية ستكون في بغداد حيث هناك ساحة مفتوحة للتحرك والموصل التي قد تشهد مفاجآت كبيرة عبر شريحة الشباب الناشط ضمن شبكات اجتماعية كبيرة وحراك مجتمعي محلي، يتقدمهم خالد سلطان هاشم من المشروع الوطني العراقي بقيادة جمال الضاري ويشار أيضاً إلى تحركات عبدالله أثيل النجيفي في المجتمع الموصلي.
الثالوث الكوردي
شهدت الساحة الكوردية تحولاً كبيراً بإعلان تحالف هيواي كوردستان المتكون من الأحزاب الممثلة في البرلمان العراقي خارج الحزبين الرئيسين، الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبذلك يكون التمثيل الكوردي في بغداد بثلاث قوى أساسية. قد يكون لهذا التحالف تأثير ملموس على الصعيد السياسة الكوردية في بغداد ولكن لن يكون ذا أهمية في الانتخابات القادمة إذا لم تتحالف الأحزاب المنضوية في داخله معاً لتنافس الحزبين الرئيسين، حيث ستتشتت أصواتهم وبالتالي يصعب عليهم الفوز في مناطق نفوذ الحزبين الرئيسيين.
ثمة حديث يجري الآن عن اتفاق بين الأحزاب الكوردية على خوض الانتخابات بقائمة موحدة في المناطق المتنازع عليها، تشمل نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، وسط توقعات تشير إلى احتمال خسارة الكورد ثلاث مقاعد في الموصل و مقعداً أو مقعدين في كركوك، فيما سيكون من الصعب عليهم تحقيق الفوز في صلاح الدين. لذلك فإن اتفاق الكتل الكوردية على النزول بقائمة واحدة من شأنه تقليل الخسائر المتوقعة.
الانتخابات المصيرية المبكرة
كثر الحديث عن كون هذه الانتخابات مفصلية ومهمة، والجهات السياسية الداعية لإجراء الانتخابات المبكرة غير معروفة حتى اللحظة، حيث لا توجد كتلة تعمل بجدية على فرض إجراء الانتخابات كواقع حال، ولم تتبن أي كتلة نيابية برنامجاً معلناً لإزاحة المعوقات أمام اجراء الانتخابات، وفي مقدمتها تعديل قانون المحكمة الاتحادية الفاقدة للنصاب القانوني والتي بدونها لا يمكن المصادقة على نتائج أية انتخابات سواء مبكرة أو مؤجلة. بالإضافة إلى حل مجلس النواب. لذلك فإن المشهد الانتخابي ماض إلى موعده في ربيع أو صيف عام 2022، بعكس كل ما يقال هنا أو هناك من تصريحات وبيانات ومواقف لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية في إجراء انتخابات مبكرة. إلى جانب كون الموعد الجديد بحد ذاته ليس موعداً رسمياً لأن الانتخابات المبكرة لن تجري من دون تفعيل المادة 64 والتي تنص على حل مجلس النواب قبل تحديد موعد الانتخابات من قبل رئيس الجمهورية، من هنا يتضح أن كل ما نشهده على الساحة الانتخابية لا يتعدى كونه محاولات للالتفاف والمناورة والتلاعب بمزاج الرأي العام لصالح الأحزاب الحاكمة ومصادرة المطالبات الشعبية التي نادت بها ثورة تشرين والمرجعية العليا في النجف الأشرف بإجراء انتخابات مبكرة حرة ونزيهة وتحت إشراف دولي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *