مع كل هذا لدينا امل

شوان ابراهيم طه
21 تشرين الثاني 2021
يبدو أن الكتل السياسية في العراق منشغليين للغاية معرفة من سيتولى زمام الامور في البلاد بعد الانتخابات الأخيرة. هذا ما يتصدر عناوين الأخبار الآن، وما يشغل السياسيون والطبقة الحاكمة على حدٍ سواء. لكن الحياة في مكان اخر!
في السنوات الـ 17 الماضية كنا منشغلين بأزمات سياسية. معظم هذه الأزمات ما هي إلا جروح ذاتية، ومنافسة على مقاعد لا معنى لها. في الوقت نفسه كمجتمع كنا متأخرين في جميع المعايير الدولية في عام 2003، لكن للأسف تراجعنا أكثر ونحن في عام 2021.
الهجرة خارج العراق
منذ أربعين عاماً، كانت لدينا موجات من الهجرة، وبالأخص هجرة العقول من العراق. نتيجة لذلك الأطباء العراقيون هم من بين أفضل الأطباء في إنكلترا والولايات المتحدة. بصفتي ابناً لاثنين من الأطباء العراقيين البارزين الذين عادوا للأسف لخدمة البلاد بعد دراستهم في الغرب، هذا جعلني قريب من القطاع الصحي بشكل شخصي. بالأضافة الى ذلك التحقت بجامعة بغداد – كلية الطب، عام 1985-1986 قبل مغادرتي للدراسة في الخارج وأختياري مسارا دراسيا آخر. زملاء مرحلتي الدراسة، الذين تخرجوا كأطباء في عام 1991، يلتقون سنويا خارج العراق. فقد هاجر معظمهم وهم يعيشون حياة كريمة في الخارج في إنكلترا، الولايات المتحدة، ودول الخليج وأماكن أخرى. ولن يعود أي منهم الى العراق، علاوة على ذلك، لا يفكر اسلافهم ممن تلقوا افضل العلوم ونالوا افضل الشهادات في العودة كذلك.
ولهذا نظامنا الصحي بعد أن كان أحد أفضل الأنظمة في الدول النامية، يفتقر الآن إلى العديد من المقومات التي تتمتع بها دول فقيرة ومتأخرة. في السنوات العشرين الماضية، شهدت الخدمات الصحية في البلدان المجاورة قفزات نوعية إلى الأمام، فيما شهدت خدماتنا الصحية تراجعا ملحوظا لى الوراء!
وينطبق هذا على أصحاب الشهادات العليا من المهندسين والمعمارين أو الأساتذة الأكفاء وليس الاطباء فقط.
تخرجت من ثانوية كلية بغداد للبنين عام 1985. لا يوجد أحد من زملاء الدراسة الثانوية يعيش أو يعمل في العراق ولا يفكر أحدهم في القيام بشيء ما هنا، وكلهم أعضاء منتجين للغاية في مجتمعاتهم سواء في الإمارات العربية المتحدة أو إنكلترا أو الولايات المتحدة أو أي مكان آخر من العالم.
السبب في طرح هذا الأمر، ليس لأن الحكومات المتعاقبة فشلت في توفير بيئة لجذب تلك المواهب لخدة الوطن ، ولكن سياساتها مستمرة في عرقلة قطاعات جديدة كاملة من الاقتصاد، وتشجيعها على الهجرة إلى الخارج. آخرها هي الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الجديدة.
قمة الويب – لشبونة البرتغال Web Summit Lisbon
انعقدت قمة الويب السنوية لرواد الاعمال والأقتصاد الرقمي في بداية تشرين الثاني 2021 في لشبونة عاصمة البرتغال. ركزت هذه القمة على عرض الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الجديدة حول العالم والتعريف والترويج لها كفرص أستثمارية لصناديق الاستثمار Venture Capital التي تستثمر بها في نهاية المطاف. كان هناك 42000 مشارك من 128 دولة و1500 شركة ناشئة و850 مستثمرمن Venture Capital . تم الإعلان عن ارتفاع استثمارات هذه الصناديق من تريليون دولار في عام 2012 إلى 12 تريليون دولار في عام 2021. نعم، لقد قرأت الرقم بشكل صحيح تريليون وليس مليون أو حتى مليار. كان هناك 22 شركة ناشئة من مصر، و8 من الإمارات العربية المتحدة، 5 من المملكة العربية السعودية، و 12 من عمان، وحتى شركة واحدة من لبنان، وصفر نعم صفر من العراق!
ليس السبب عدم وجود شركات ناشة في العراق، لا بل لدينا هذه الشركات وأنا ومع مجموعة صغيرة رواد الاعمال نجحنا بشكل متواضع في جمع رؤوس الاموال من بعض المستثمرين المحليين والأجانب للاستثمار في هذه الشركات .هذا على الرغم من العقبات التي نواجهها من الحكومة والاجراءات البيروقراطية. ولكن هذا قطاع في مرحلة الولادة، وكما يبدو، ومثل قطاعات الأخرى، أن الحكومة وسياساتها عازمة على إجهاضه قبل ولادته.
بالمقابل ازدهرت الشركات الناشئة في العديد من الدول المنطقة، بسبب سهولة إنشائها، والأنظمة الضريبية المواتية والنظام البيئي الذي يدعم تقدمها. فمثلا في دول الخليج، هذه الشركات الناشئة هي التي تستوعب غالبية الشباب وتتحول بسرعة إلى مصدر يساهم في تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط. في بلدان أخرى مثل مصر والمغرب، أصبحت الشركات الناشئة الجديدة التي لن تتجاوز اعمارها بضع سنوات مصادر رئيسية لتوظيف للشباب، وأزدادت قيمتها السوقية بحيث تمكنت من الأستحواذ على الشركات الرائدة.
لدعم هذه الشركات، أدركت القيادات في هذه البلدان حاجتها الماسة إلى روؤس الاموال، لذلك جعلت هذه البلدان حركة رأس المال وتوزيعه إلى جانب حفظ حقوق الملكية جوهر سياستها الاقتصادية. فلا يمكن لدبي أن تصبح دبي كما نعرفها اليوم الا بسماحها بحرية الاستثمارات الأجنبية حفظ حقوق الملكية للمستثمرين سواءا كانوا اجانب او محليين، هذا بالاضافةتبسيط الاجراءات البروقراطية في البلد. تركيا، الاقتصاد الحادي عشر في العالم لم تكن لتصل إلى هذا المكان ما لم تفتح اقتصادها في أوائل الثمانينيات، وتجاوزت حالة الانعزال الاقتصادي التي كانت تعيشها. (في عام 1980 كان الناتج المحلي الإجمالي لتركيا 69 مليار دولار، والعراق 53 مليار دولار، وفي عام 2020 الناتج المحلي لتركيا أصبح 720 مليار دولار، مقابل 167 مليار دولار للعراق).
يمكننا أيضًا أن ننظر إلى دول اخرى مثل تشيلي وفيتنام، وكلاهما حققتا مكانة اقتصادية مرموقة خلال وقت قصيربسبب انفتاح البلاد وحماية حقوق المستثمرين.
لهذا أدركت العديد من البلدان أنه يتعين عليها الانفتاح وتغيير القوانين التي تسمح بالملكية الأجنبية بشكل مدروس لكي تواكب العالم المتقدم. الجزائر هي واحدة من آخر الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي سمحت للاستثمارات الاجنبية المطلقة قبل عامين.
الإمارات العربية المتحدة أفضل مثال
كانت عبقرية دولة الإمارات العربية المتحدة هي خلق بيئة تجذب رواد الأعمال وتسمح لهم بممارسة اعمالهم وتطبيق افكارهم بحرية بما يساهم بازدهار البلد. هذه ليست فكرة جديدة، الولايات المتحدة كانت أول من فعل ذلك وفي وقت أقل من 100 عام أصبحت أكبر اقتصاد في العالم. لقد فعلت دول صغيرة وكبيرة ذلك وشهدت اقتصاداتها قفزات نوعية.
في العراق، لم نقم بأي خطوة بهذا الأتجاه، بل كانت لحكومتنا الجرأة في عكس القوانين التي من شأنها أن تسمح بالاستثمار الحر وحركة رأس المال. لقد ألغى برلماننا الموقر فقرات من قانون الشركات وفقا للتعديل الصادر بموجب قانون رقم (17) لسنة 2019 الذي ثبت أنه كارثي على قطاع الأستثمار، لست متأكدًا من أن أعضاء البرلمان يفهمون ما تعنيه هذه القوانين. لقد صُدمت كيف أن السيد رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح صاحب التفكير التقدمي صادق على هكذا تعديلات لتصبح قانونًا، وعلى الرغم من أن هذا حدث خلال ولاية السيدعادل عبد المهدي، إلا أن حكومة السيد مصطفى الكاظمي لم تفعل شيئاً لأيقاف هذا التعديل أو إعادة النظر فيه.
لماذا يجب الأنتباه في هذه المرحلة؟
إنه أمر مهم لأننا نواجه هجرة عقول أخرى من العراق وفي غضون عام سيكون قد فات الأوان لإيقافها. سيهاجر رواد الأعمال من البلد ويتوجهون إلى البيئة الأنسب التي تحتضن افكارهم في البلدان المجاورة.
كما ذكرت، لقد نجحت أنا وقلة من الآخرين بشكل متواضع في جذب بعض رأس المال إلى الشركات العراقية الناشئة. هذه الشركات الناشئة في بداية توسعها تكون متعطشة للغاية لروؤس الاموال عادة تكون شركات خاسرة في بداية تاسيسها . (لم تحقق Amazon ربحًا لمدة سبعة عشر عامًا ومع ذلك فهي واحدة من أكبر الشركات في العالم).
ولكي تنجح هذه الشركات وتزدهر ، ستحتاج إلى استثمارات كييرة. صناديق الأستثمار الناشئة Venture Capital العالمية متحمسة للمساهمة في هذه الشركات، على الرغم من المخاطر في العراق. لكن واقع الحال انها تواجه العديد من العراقيل والمحددات االتي تحد من الأستثمار الأجنبي. وعندما يجابهون هذه المعوقات التي تحد من الاستثمار الاجنبي يغيرون اتجاه بوصلتهم للاستثمار في مكان آخر : دول الخليج ومصر على رأس قائمة أولوياتهم في المنطقة على سبيل المثال.
كما حد هذا القانون أيضًا الأجانب من الاستثمار في سوق العراق الأوراق المالية. لست متأكدًا من أن أي شخص في الحكومة مدرك لدور الأسواق المالية كمصدر لجذب الأستثمارات وزيادة فرص العمل. لقد انهارت أحجام التداول في سوق الأوراق المالية منذ تطبيق القانون اعلاه. هناك 45 شركة وساطة في العراق ستفقد مواردها نتيجة لذلك.
هذه النكسة لا توقف رواد الأعمال والمبادرين . فمايحدث الآن هو انهم يدرسون كيفية نقل شركاتهم إلى خارج العراق مثلا إلى دول الخليج أو حتى أبعد من ذلك، فمثلا ولاية دلوير الامريكية ودولة لوكسمبيرك الاوربية . حيث تكون القوانين ناضجة وملائمة وحقوق الملكية مضمونة ومن السهولة استقطاب روؤس الاموال .
وهنا نفقد الجوهر الذي نسعى له في جمع وجذب الأموال من الخارج وتوظيفها في شركات عراقية نائشة، مقابل شركات تؤسس خارج البلد وتسجل اعمالها كفروع لشركات أجنبية للتجنب معوقات القوانين ومحدداته، ظاهريًا قد يكون هذا حلاً مناسبا لهذه الشركات ، لكن سيئ بالنسبة لأقتصاد العراق.
كيف ذلك؟ عندما يتم نقل هذه الاستثمارات والشركات الى البلدان التي توفر بيئة مناسبة، وتؤمن الأطر القانونية والموارد المصرفية والبشرية وغيرها. ستعتمد هذه الشركات على الخدمات المصرفية والقانونية والخدمات التوظيفية في تلك البلدان وعندما يحين الوقت ستبيع أسهمها في الخارج وليس في العراق، مما يحرم المواطن العراقي من الاستفادة من الاستثمار في تلك الشركات وأيضًا فقدان أي نشاط يصاحب ذلك في الاسواق المالية العراقية.
سيكون هذا النزوح الأخير من العراق قاسيا وسيؤدي إلى مزيد من الانكماش في اقتصادنا. خاصة اذا أردنا تقليل الاعتماد على النفط وأن يكون لدينا قطاع خاص مزدهر، لذا يجب على سياسيينا وحكامنا الأصغاء لذوي الأختصاص. ويتخلون عن التناحر حول أمور شكلية ثانوية ويهملون ما هو جوهري واساسي (أنا أعرف بالفعل مستثمر أجنبي يقوم بتفكيك معمله في العراق ونقل المصنع إلى الأردن!).
في السنوات الأربعين الماضية كانت هناك تحولات منهجية كبيرة في الاقتصاد العالمي ، لقد فاتنا معظمها ، ونحن على وشك بعثرة هذه الفرص الآن.
خبراء، خبراء، خبراء
لست متأكدًا مما سيفعله كل من يسمون بخبراء ومحللين سياسين في الشأن العراقي إذا كان لدينا دولة فاعلة! في السنوات االسبعة عشر الماضية، تم أستحداث وتوسيع فيالق من الخبراء الذين يحللون الوضع في العراق. حتى بدأت الجامعات في جميع أنحاء العالم باستحداث أقسام تدرس حالة العراق. لكن هذا لا يهم المواطن العراقي ولا يسعى الى قراءة تحليلاتهم أو الاستماع إليها، فالخبراء يتحدثون فيما بيهم من ابراجهم العاجية.
من ناحية أخرى، لدينا فجوة كبيرة في الخبرات الاقتصادية والعملياتية. حيث يجب أن تكون أولوياتنا هي الخبرة في مجال الأعمال والاقتصاد لا في مجال السياسية (المملكة العربية السعودية تنفق مليار ونصف مليار سنويا دولار على المشورة لتحويل اقتصادها من اقتصاد ريعي الى اقتصاد السوق)، تمكنت الإمارات والسعودية وقطر من استيعاب عدد كبير من الاستشاريبن العالمين الى بلدانهم بشكل فعال.
عندما نتحدث عن العراق، يُذكر دائمًا أن لدينا رأس مال بشري شاب. هذا في علم الاقتصاد هو مزيج جيد للنمو. لكنني لا أعتقد ذلك، العامل غير المنتج هو عبء بشري وليس رأس مال. هذا يمكن أن يؤدي فقط إلى مجتمع كبير غير منتج، يعتمد كليًا على النفط لمعيشتة الأساسية. النفط مورد يفقد بريقه بسرعة، مما يعني أن عددًا أكبر من السكان سيعتمد على موارد أقل لسد احتياجاته الاولية. نحن نبيع النفط لشراء سلع ومواد اولية لمنحها لشعب تسوده البطالة المقنعة. في غضون ذلك ستتسع الفجوة الاقتصادية بيننا وبين العالم، مع بقاء المواطن العراقي مستعبد لنظام سياسي فاسد.
هل من حلول؟
الحلول بسيطة ومجربة مرارًا وتكرارًا وفي العديد من البلدان والمناطق حول العالم. لسنا بحاجة إلى إعادة اختراع العجلة، فلقد اخترعها اجدادنا لاول مرة في العراق. كل ما على المرء فعله هو قراءة أي من التقارير حول سهولة ممارسة الأعمال واتباع توصياتها.
العديد من سياسيينا يلعبون دور الأبواق لهذه التقارير. ومع ذلك، فإننا نفتقر إلى التنفيذ. نحن غير قادرين على التنفيذ السريع لتجاوز سنوات من البيروقراطية والفساد. المؤسف اننا نترك امرنا بيد قلة من السياسين والمنتفعين لأتخاذ قرارات ممكن تؤثر عليهم سلبيا لكن بالمقابل تفيد المواطن. لذلك نرى دورهم المعرقل لهكذا قرارات.
لا يمكن أن يحدث تغير ونحن نتحرك ببطئ شديد، من غير المجدي اتباع أسلوب الإسعافات الأولية، وحل المشكلات بطريقة رجعية ومجزأة. مشاكلنا الاقتصادية اقرب لمرض السرطان منه للسعال. في حالة السعال، يمكنك تناول بعض أالادوية، والانتظار قليلاً وستعود إلى طبيعتك. بينما يحتاج السرطان إلى حلول جذرية أكثر، وفي حالتنا نحتاج إلى عملية سريعة ولكنها صعبة. يحتاج العراق إلى فريق لقيادة الاقتصاد لديه القدرة على التغيير والتنفيذ. يجب أن يتمتع هذا الفريق بسلطة التوظيف والفصل وتمرير القوانين والتعليمات بسرعة والقدرة على الاستثمار في المواهب تحسين وتبسيط الاجراءات البيروقراطية . وبالتأكيد سيؤدي هذا إلى تقويض السلطة المركزية للدولة، لكن هذا سيكون الحل المثالي والشجاع الذي يجب أن يتبناه سياسيونا. إنه السبيل الوحيدة للنهوض بالعراق.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *