مكامن الصراع الإنتخابي والنتائج المحتملة

فرهاد علاء الدين
2 تشرين أول 2021
انفتح باب الصراع الانتخابي على مصراعيه على خلفية البيان الذي اصدرته المرجعية العليا في النجف الاشرف والذي حثت فيه الناخبين على المشاركة الفعالة في الانتخابات المبكرة المزمع اجراءها في العاشر من تشرين اول الجاري، اذ اوضحت انها ” تشجّع الجميع على المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات القادمة، فإنها وإن كانت لا تخلو من بعض النواقص، ولكنها تبقى هي الطريق الأسلم للعبور بالبلد الى مستقبل يرجى أن يكون أفضل مما مضى، وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي”
هذا الخطاب بحد ذاته قد يقلب الموازين ويعطي زخما اكبر خصوصا بما يتعلق بنسبة المشاركة، اذ كانت الشكوك تؤشر تدني هذه النسبة وذلك بسبب احباط الناخب العراقي من الوضع السياسي الحاكم، وفقدان الامل بالتغيير، مراقبون يجزمون بان خطاب المرجعية سيساهم في رفع منسوب المشاركة الى مستويات مقبولة، فضلا على كون خطاب المرجعية يشجع على انتخاب المرشحين المستقلين او القوائم الصغيرة، بالرغم من ان اخرين يعتقدون ان الخطاب سوف يصب بمصلحة الأحزاب الإسلامية التقليدية وذلك لان من يستمع الى خطاب المرجعية ويقتدي بها هم من المتدينين الشيعة وتوجهاتهم إسلامية ولهذا السبب فان الأحزاب الإسلامية ستكون هي المستفيدة.
تشرين والذكرى السنوية والانتخابات
جاءت الانتخابات المبكرة على اثر التظاهرات التشرينية في عام 2019 والتي أدت الى استقالة حكومة عادل عبدالمهدي وتبني فكرة الانتخابات المبكرة التي أصبحت ركنا أساسيا من البرنامج الحكومي لمصطفى الكاظمي. كان الاعتقاد السائد بان الانتخابات المبكرة سوف تقود الى تغيير جذري في المشهد السياسي وستؤدي الى تغيير كبير في الخارطة السياسية من خلال صعود التيارات الجديدة المنبثقة من التظاهرات وتراجع حظوظ الأحزاب الحاكمة. الا ان المشهد الان بعيد كل البعد عن هذا الاعتقاد.
يوم امس قام بعض المتظاهرين باحياء ذكرى تظاهرات تشرين فكان من الواضح بان هذه الحركة فقدت من زخمها الكثير، اذ نزل الى ساحة التحرير المئات من الشباب مقارنة بعشرات الالاف منهم وهم يتزاحمون لتصدر مشهد الاحتجاج الصاخب خلال الأيام الاولى لإندلاع التظاهرات. وفقدان هذا الحراك لقوته جاء بعد تشظى صفوفها بسبب المنافسة السياسية وتشكيل كيانات حزبية مشاركة او مقاطعة للانتخابات او تسنم الكثير من الناشطين والمنظمين منهم مناصب حكومية في الحكومة الحالية وابتعادهم عن عن ساحات التظاهر.
ولعل الانقسام الذي حصل بين المتظاهرين بالإضافة الى تبعثرهم بين المحافظات كان السبب الأهم في قلة تأثيرهم على المشهد السياسي القادم، اذ فشلت قيادات التظاهر في رص الصفوف وتنظيم حراكهم لكي يخوضوا الانتخابات بشكل مركز ومستهدف لزحزحة الأحزاب الحاكمة من مجلس النواب. بل على العكس، وقعوا في فخ الأحزاب بالابتعاد عن المشاركة وتشجيع المقاطعة وبذلك أعطوا تلك الاحزاب فرصة العودة الشرعية من خلال صناديق الاقتراع .
هيمنة الأحزاب الحاكمة
ثمة تكهنات تشير الى ان الأحزاب الحاكمة ستتراجع لتحل محلها قوى سياسية جديدة ومرشحين مستقلين، متناسين بان النظام الانتخابي الجديد يرجح كفة الأحزاب المنظمة والتي لديها قواعد جماهيرية راسخة، لذا فمن المرجح ان تكون الارجحية للأحزاب الحاكمة مع نجاح محدود لبعض الأحزاب الصغيرة والشخصيات المستقلة ولكن دون تأثير يذكر على المعادلة الأساسية الحالية.
من الارجح كذلك تصدر التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الأحزاب الشيعية تليه كتلة الفتح بزعامة هادي العامري ثم كتلة قوى الدولة الوطنية بزعامة عمار الحكيم ودولة القانون بزعامة نوري المالكي، لتحصل هذه الكتل الأربعة على حصة الأسد من المقاعد الشيعية والمتمثلة بأكثر من 140 مقعد، في حين ستتقاسم الأحزاب الصغيرة والشخصيات المستقلة ما يتبقى من المقاعد الشيعية المتمثلة بنحو 38 – 40 مقعدا.
فريقان يتنافسان لتصدر المشهد السني هما تحالف تقدم برئاسة محمد الحلبوسي وتحالف العزم برئاسة خميس الخنجر، تنافسهما بعض الكتل المحلية في صلاح الدين والموصل، في حين ستحتدم المنافسة في بغداد وهي الدائرة التي تحسم الخارطة السنية.
لا يوجد أي تغيير يذكر في المشهد الكوردي حيث الحزب الديموقراطي الكردستاني وتحالف كردستان الذي يجمع الاتحاد الوطني الكردستاني بحركة التغيير (گوران) هما المتنافسين الأبرز، يليهم الحزبين الإسلاميين وحركة الجيل الجديد وبعض المستقلين. تبنى الحزب الديموقراطي تكتيكا جديدا في هذه الانتخابات وهو ترشيح مرشحين عرب في المناطق العربية والمختلطة كما في الموصل وذلك لكسب أصوات الناخبين الذين كانوا نازحين في أيام داعش في مناطق دهوك واربيل. فيما تحالف الاتحاد الوطني وحركة التغيير ليشكلوا تحالف جديد كونهما يواجهان مشاكل داخلية جمة ويعانيان من انحسار لافت في دائرة التأييد الشعبي جراء التغييرات الحاصلة في القيادات الحزبية، ويأملان بان يكون تحالفهما دافعا لعودة هذه الجماهير وتكتيك دفاعي جيد لبقاء الحزبين في المشهد السياسي بشكل مؤثر.
مرشحون مستقلون لديهم حظوظ منفردة في المشهدين السني والكوردي لكنهم لن يشكلوا أرقاما مؤثرة على تغير المعادلة السياسية في كلا المشهدين.
سباق الرئاسات
من المتوقع عودة الأحزاب الحاكمة لمجلس النواب مع تفاوت طفيف في عدد المقاعد زيادة اونقصان للكتل، يبقى الصراع الدائر على المناصب والرئاسات الثلاث ثابتا وينحصر الصراع بين القوى التقليدية على هذه المناصب.
المنافسة على موقع رئاسة الجمهورية محصورة بين القوى الكوردية ومن الأرجح ان لا يكون هناك تغيير في هذه المعادلة، حيث ان الاتحاد الوطني سيحتفظ بمنصب رئيس الجمهورية وقال القيادي في الاتحاد الوطني خالد شواني في تصريح متلفز في 13 آب 2021 بان “بافل طالباني اعلن ان برهم صلاح هو المرشح الرسمي للاتحاد الوطني لرئاسة الجمهورية”، بالمقابل فان الحزب الديموقراطي الكردستاني يشغل مناصب رئاسة إقليم كوردستان ورئاسة الوزراء. وفي حال أي تغيير في تسمية من سيتولى رئاسة الجمهورية فان التغيير سيطال مناصب إقليم كوردستان أيضا وهذا غير محبذ في هذه الفترة، اذ ان المعادلة السياسية الداخلية في الإقليم وبالأخص داخل الحزبين الحاكمين لا يعطي المجال في الوقت الراهن لاجراء تغيرات جذرية عالية المستوى.
المنافسة على موقع مجلس النواب مرتبط بما سيحصل في المشهد الانتخابي السني ونسبة المقاعد السنية لتحالفي تقدم وعزم، مراقبون يعتقدون بان رئيس مجلس النواب الحالي هو الاوفر حظا بالفوز مرة ثانية برئاسة البرلمان بالرغم من وجود معارضة قوية من قبل كتل سنية أخرى وبعض الكتل الشيعية التي لاترغب بتجديد ولايته. فيما سيحاول تحالف عزم في حال ابلى بلاء حسنا في السباق الانتخابي انتزاع المنصب من الحلبوسي وترشيح احد قيادييه والاسم الأكثر تداولا هنا هو خالد العبيدي.
المنافسة الأشد والاشرس ستكون على منصب رئيس مجلس الوزراء، كون اغلب الكتل المنافسة اعلنت عن رغبتها بالاستحواذ على المنصب مثل الكتلة الصدرية ودولة القانون وتحالف فتح.
العامل الأساسي الذي يحدد من يتولى المنصب هو الآلية التي يتم استخدامها لاختيار المرشح، اذا كانت آلية النقاط كما جرى في سنة 2010 او آلية التوافق بين القوى الرئيسية (الصدري والفتح) كما جرى في 2018، او اتفاق ينبثق من لجنة تنسيقية الاطار الشيعي. لكل من هذه الاليات محددات معينة يمنح البعض فرصا جيدة ويحجبها عن البعض الآخر. طبقا للتجارب السابقة، وهنا سنكون امام مشهد معقد لاختيار رئيس مجلس الوزراء وطريق وعر يؤدي الى انسداد الجدال والنقاش لينتهي في نهاية المطاف بالاتفاق على مرشح توافقي.
مراقبون يتداولون أسماء عديدة لتولي منصب رئيس الوزراء منهم رئيس مجلس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، رئيس وزراء الأسبق حيدر العبادي، محافظ البصرة اسعد العيداني، مستشار الامن القومي قاسم الاعرجي، وزير الشباب الاسبق عبدالحسين عبطان، مدير مكتب رئيس الوزراء رائد جوحي، النائب الحالي عدنان الزرفي، وزير المالية علي علاوي، اما اذا نجح التيار الصدري بالفوز بمنصب رئيس الوزراء فان المرشحين الذين لديه هم امين عام مجلس الوزراء حميد الغزي، نائب رئيس مجلس النواب حسن الكعبي، سفير العراق في بريطانيا محمد جعفر الصدر. ويري مراقبون بانه يجب ان لا يتم استبعاد احتمالية المجيء بمرشح خارج هذه القائمة اذا لم تتمكن الكتل السياسية في الاتفاق على احدهم.
التوقيتات الدستورية
العاشر من تشرين هو يوم الاقتراع ويجب على المفوضية اعلان النتائج الأولية خلال 24 ساعة حسب المادة 38 أولا من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم 9 لسنة 2020. تنص نفس المادة على اجراء العد والفرز اليدوي لمحطة واحدة لكل مركز وفي حالة عدم تطابق نتائج العد والفرز اليدوي مع الإلكتروني يتم إعادة الفرز والعد اليدوي لكل محطات هذا المركز، بالإضافة الى اللجوء الى العد والفرز اليدوي لكل طعن.
وطبقا لهذا النص فاننا سنكون امام اعلان النتائج الأولية في 11 / 10 وانتظار العد والفرز اليدوي للمحطات وفق القانون وحسب الطعون المقدمة. في حالة تبني العد والفرز اليدوي لكل الدوائر فسنكون امام تأخير قد يمتد الى شهرين على اقل تقدير.
بعد اعلان النتائج الأولية، تتولى المفوضية البت في الطعون والشكاوى، وقد يستغرق ذلك مدة أسبوعين على اقل تقدير، مما يعني، ارسال النتائج النهائية الى المحكمة الاتحادية للمصادقة عليها في 25 تشرين أول.
من المتوقع ان تصادق المحكمة الاتحادية على النتائج بشكل سريع، وبعدها يتم ارسال المصادقة لرئيس الجمهورية حيث تنص المادة 54 من الدستور ” يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد بمرسومٍ جمهوري، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً”
من الممكن ان تكون المصادقة وإصدار المرسوم الجمهورية لا تتجاوز 10 أيام، مما يعني الخامس من تشرين ثاني هو موعد الجلسة الأولى لمجلس النواب برئاسة رئيس السن.
جرت العادة على إبقاء الجلسة الأولى مفتوحة لأيام عديدة لعدم وجود توافق على المناصب العليا وهذه العملية قد تستغرق أسابيع ان لم نقل اشهر.
لو افترضنا ان هناك توافق قبل الجلسة الأولى، فان رئيس مجلس النواب ونائبيه يتم اختيارهم قبل 15 تشرين ثاني، وهذا يعني امام المجلس 30 يوما لانتخاب رئيس الجمهورية مما يعني اننا امام موعد أقصاه 14 كانون أول لانتخاب رئيس الجمهورية.
تنص المادة 76 أولا من الدستور على تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الكتلة الأكبر خلال 15 يوما من انتخابه كرئيس للجمهورية، مما يعني تكليف مرشح رئيس الوزراء خلال 14 – 29 كانون أول.
تعطي المادة 76 ثانيا رئيس مجلس الوزراء المكلف ثلاثون يوما لتسمية أسماء وزارته مما يعني تشكيل الحكومة القادمة منتصف شهر شباط القادم.
هذه المواعيد تتغير وتتأخر جراء عدة منعطفات منها: اذا اختارت المفوضية العليا للانتخابات العد والفرز الشامل لكل الدوائر وتأخر اصدار نتائج الانتخابات النهائية، او تأخر المصادقة على نتائج الانتخابات من المحكمة الاتحادية، كذلك عند تأخر انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب والتي عادة تكون مفتوحة لحين اختيار رئيس المجلس ونائبيه، أو تأخر انتخاب رئيس الجمهورية حتى انتهاء الموعد المقرر، الى جانب تأخر إصدار رئيس الجمهورية لمرسوم التكليف لغاية انتهاء المدة القانونية، فضلا على تأخر تشكيل الحكومة حتى نهاية الموعد للتشكيل.
لذلك اذا مانظرنا بعين الإعتبار الى التجارب السابقة بهذا الصدد فإننا سنكون أمام تشكيل حكومي يقترب من نهاية شباط او اذار العام القادم على اقل تقدير.
مشهد ما بعد الانتخابات
لن يتغير المشهد الانتخابي مـا بعد الانتخابات كثيرا عما نراه اليوم من حيث التشكيلة المحاصصاتية للمكونات، رئيس الجمهورية كوردي، رئيس مجلس النواب سني، ورئيس مجلس الوزراء شيعي. اما تشكيلة الحكومة فان زمن التكنوقراط والمستقلين قد انتهى، فالأحزاب الحاكمة عازمة على ترشيح قيادييها من الخط الأول لتسنم الوزارات التابعة لها، مما يعني ان رئيس مجلس الوزراء القادم سيكون امام صقور الأحزاب.
في ذات الوقت سيكون العراق امام خيارات صعبة في مواجهة المرحلة القادمة وعلى نحو الملفين الإقليمي والدولي، كما ان على الحكومة القادمة استحقاقات كبيرة منها خروج القوات الأجنبية والصراع الايراني الأمريكي وتأثيراته على القرار العراقي والتي ستنعكس حتما على الإداء السياسي للحكومة القادمة بشكل مباشر.
كما أن على الأحزاب المشاركة في تشكيل المشهد الحاكم ان تعمل على إجراء الإصلاحات المنتظرة وخصوصا الإصلاح الاقتصادي، حيث ان الازمات الخانقة باتت تعصف بالطبقات الفقيرة في المجتمع وازدياد نسب البطالة ومعدلات الفقر، والتي قد تولد حراكا جماهيريا جديدا اكبر واشرس من حراك تشرين ليدفع نحو الإنهيار على حين غرة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *