واقع التنمية المستدامة في العراق

لبنان هاتف الشامي
23 شباط 2022
تعد التنمية المستدامة بأنها ((عملية يتناغم فيها استغلال الموارد وتوجيهات الاستثمار ومناحي التنمية التكنولوجية وتغير المؤسسات على نحو يعزز كلاً من امكانيات الحاضر والمستقبل للوفاء بحاجات الانسان وتطلعاته))، كما تعرف ايضاً بأنها ((التنمية الحقيقية ذات القدرة على الاستمرار والتواصل من منظور استخدامها للموارد الطبيعية والتي يمكن ان يتحقق من خلال الاطار الاجتماعي والبيئي والذي يهدف الى رفع معيشة الافراد من خلال النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحافظ على تكامل الاطار البيئي)).
ان الظروف التي اجتاحت العراق بعد عام 2003 وما تمخض عنها من عمليات عسكرية واحتلال اميركي على العراق وما تلاها من احداث وازمات عديدة، حالت دون استمرارية نهج التنمية المستدامة، هذه الظروف كان لها تأثيرها المباشر على مؤشرات التنمية في العراق، من خلال عسكرة الاقتصاد وتدمير خدمات البنى التحتية الفنية منها والمجتمعات كالخدمات التعليمية والصحية والثقافية، اضافة إلى ما لحق من خراب واسع في شتى مجالات الحياة الاقتصادية منها والاجتماعية، اذ ادت الاحداث بعد عام 2003 الى نتائج مرعبة ومخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية، وتعمقت مظاهر التردي والترهل الى الحد الذي افقد المجتمع العراقي سمات المجتمع المتحضر المتماسك.
إن عملية التنمية المستدامة تتطلب بشكل جوهري اشباع المطالب ومعالجة المستجدات الحديثة، وتعبئة الموارد البشرية والمادية لغرض اجراء التحولات الكبرى في المجتمع، وتأسيس بنى اجتماعية سياسية مختصة وغير مختصة تسانده وتؤدي وظائفه، وإن هذه العمليات مصحوبة دائماً بتوترات وتمزقات، أي ازمات يمر بها النظام السياسي تعرض جميعها بصورة مجتمعة وفي وقت واحد وبآثار مختلفة، ومن هذه الازمات (ازمة الهوية، ازمة المشاركة، ازمة الشرعية، ازمة الاندماج، وازمة التغلغل وغيرها من الازمات، التي تؤثر في استقرار النظام السياسي، إذ يتطلب ان تعالج كلها على التعاقب لكي يصل المجتمع الى اقامة النظام الديمقراطي الحديث، خصوصاً الانظمة الجديدة ومنها النظام السياسي العراقي بعد عام 2003.
وتتصف التنمية المستدامة في العراق، بعدة خصائص، هي:
1 ـ ان الاستدامة في العراق ما زالت رهينة بانطلاقة التنمية البشرية بمؤشراتها الصحية والتعليمية … الخ.
2 ـ ان الاستدامة بحاجة الى المزيد من الجهود التنظيرية والاحصائية، بهدف التأسيس لثقافة تنموية مستدامة قائمة على التخطيط والتحليل العلمي.
3 ـ لكون العراق يمثل ثاني خزان نفطي في العالم، فأن ذلك سيجعل من فرص تحقيق الاستدامة اكثر ضماناً، بالاعتماد على عوائد الصناعة النفطية في تنمية القطاعات المادية (الصناعة، والزراعة، والبنى التحتية) والقطاعات غير المادية (الخدمات).
4 ـ تتطلب استدامة التنمية في العراق ادواراً متعددة للدولة، لاسيما في المراحل الاولى، فالدولة وفقاً للتجارب التاريخية، هي الاكثر قرباً للأهداف الاجتماعية والصحية والتعليمية.
5 ـ لابد للاستدامة من تكنولوجيا وادارة معاصرة قادرة على تحريك مسارات التنمية باتجاه الاهداف، من خلال الاستثمار الاكفأ للموردين البشري والمادي.
وان دراسة وتحليل واقع التنمية المستدامة في العراق يتطلب التمعن بطبيعة الظروف والمشكلات التي يعانيها العراق في مختلف الجوانب، إذ تواجه التنمية المستدامة في العراق مجموعة من التحديات التي تمثل كوابح بوجه النهوض بواقعها، واهمها:
1 ـ إن معضلات الواقع السياسي والامني، لا زالت تحتل موقع الصدارة من بين المعوقات الاخرى، وما تعززه هذه المعضلات من مشاكل تعرقل اي خطوات اصلاحية.
2 ـ الخلافات المتواصلة على تولي السلطة في العراق، وعدم نضوج القرار السياسي الذي يخدم متطلبات خلق القيادات الحكومية التي تتولى مهمة خدمة مصالح المجتمع العراقي بعيداً عن قضايا التحزب والديكتاتورية وحب الذات.
3 ـ عدم الاستقرار الامني في العراق، وهذا بحد ذاته يمثل احد اهم التحديات الاساسية للتنمية المستدامة.
4 ـ الفساد الاداري والمالي وضعف الاصلاح الاداري وسوء استخدام الموارد المالية وهدرها.
5 ـ عدم استكمال مؤسسات الدولة الامنية والقانونية والعسكرية والسياسية بفعل تراكمات التجارب الخاطئة السابقة.
6 ـ إن السمة الريعية التي يتسم بها الاقتصاد العراقي والمتأتية من استحواذ القطاع النفطي على الحصة الاكبر في تكوين الناتج المحلي الاجمالي مقارنة بالقطاعات الاخرى، قد عمق من الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي، وهذه الحقيقة تعد امراً بديهياً يعكس واقع هذا الاقتصاد حتى بالنسبة لعموم الناس من غير المختصين.
7 ـ انهيار القطاع الصناعي والصناعات التحويلية وعدم وجود صناعات تحويلية اضافة الى تأخر وضعف الصناعات الزراعية.
8 ـ الاختلال الكبير بين بنية الاقتصاد والمجتمع والتخلف الواسع في جميع مفاصل الاقتصاد، اضافة الى تفكك وانهيار البنى التحتية لهذا الاقتصاد.
9 ـ غياب سياسة تخطيطية واضحة للاستثمارات العقلانية للموارد الاقتصادية بما فيها المائية والسياحية والمواد الخام.
10 ـ هدر استخدام الكفاءات التقنية البشرية العراقية.
11 ـ البطالة بكل اشكالها حيث تمتلك تأثيرات واضحة على تشكيل ذهنية المواطن وبناء سلوكه السياسي والاخلاقي.
12 ـ انهيار القطاع الخاص والاستثمارات المحلية في عملية التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، وعدم نجاحها في القيام بأي دور يذكر بتصحيح واقع الاقتصاد العراقي.
13 ـ ضعف مستوى المعيشة لأغلبية السكان وتفكك الفئات الوسطى من المجتمع وانخفاض نصيب الفرد الواحد سنوياً من الدخل القومي، حيث اكدت احدث التقارير الصادرة عن الامم المتحدة بأن اكثر من ربع سكان العراق يعيشون تحت خط الفقر.
14 ـ عدم وجود تبادل تجاري بين المحافظات العراقية ما يتسبب في عدم تطور الديناميكية الداخلية للاقتصاد العراقي.
15 ـ ضعف التراكمات الرأسمالية وعدم التفاعل مع الاقتصاد الدولي وهبوط معدلات النمو الاقتصادي.
16 ـ تخلف وضعف الحلقات الاساسية للصناعات الحديثة وبدائية الانتاج الزراعي.
17 ـ عدم تقديم الدعم المالي والفني والتقني للملاكات الوسطية من قبل الدولة لتنمية المبادرة الشخصية في إقامة المشاريع وضعف التدريب والتأهيل للملاكات الوسطى والقيادية.
18 ـ صعوبة التنسيق بين المصالح الوطنية وقوانين منظمة التجارة العالمية، والتعامل الحذر مع سياسات التكيف الهيكلي والتحرر الاقتصادي.
19 ـ عدم كفاءة وفعالية السياسات الاقتصادية الكلية التي تم اعتمادها فضلاً عن التشوهات التي تنتاب السوق وعدم كفاءة قدراتها التنافسية في السوق العالمية، كانت قد ولدت في مجملها عدم كفاءة ومقدرة النمو الاقتصادي العراقي في تفعيل وتطويع متغيرات هذه السياسات الاقتصادية لتحقيق تأثير ايجابي في النمو الاقتصادي.
20 ـ تحتل مشكلة الفقر حيزاً واسعاً في الاقتصاد العراقي نتيجة الاخفاق في اشباع الحاجات الاساسية لغالبية السكان، خصوصاً وان هذه الحاجات اصبحت قابلة للزيادة وخاضعة للتطور مع تطور الحياة الاجتماعية متطلباتها المعاصرة.
21 ـ ان السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة والمطروحة لم تزل دون المستوى المطلوب، فانخفاض مستوى الدخل وعدم العدالة في توزيعه، وكذلك الزيادة في النمو السكاني، وتدهور بشروط السكن، والانخفاض في نسبة التعليم وتفشي الأمية وسوء الاوضاع الصحية والخدمات الضرورية، وقصور انظمة الحماية والتأمين الاجتماعي وصولاً الى مشكلات التفكك الاجتماعي، كلها تعتبر بمثابة مؤشر على الفشل المتواصل في السياسات المذكرة.
22 ـ التدهور المستمر في كافة القطاعات الاقتصادية وخاصة القطاع الزراعي والانتاج الغذائي وما نتج عنه من اضرار اقتصادية انعكست سلباً على الموارد البيئية.
23 ـ تنامي التحديات البيئية المتعلقة بمشكلة التصحر، ومشكلة ندرة المياه وما تمخض عنها من مضار تمس ديمومة الحياة البشرية.
24 ـ عدم توفر السكن الملائم صحياً بغالبية العوائل الفقيرة وظهور الوحدات السكنية العشوائية.
25 ـ تردي الكثير من الخدمات بما فيها خدمات الصرف الصحي وما نجم عنها من مخاطر التلوث البيئي.
26 ـ مخلفات الحروب المتعاقبة والصناعة وما نجم عنها من مخاطر لا تقل عن سابقتها بل اخطر منها بكثير.
27 ـ تردي خدمة توليد الطاقة الكهربائية منذ امد بعيد دون محاولة ايجاد الحلول الملائمة، الامر الذي تمخض عنه مشاكل لا تعد ولا تحصى، خصوصاً وان هذه الخدمة قد ترتب على ترديها تردياً اكبر في مفاصل الحياة اليومية للمجتمع العراقي.
28 ـ عدم وجود سياسة تكاملية في مسألة الدراسات العليا والبعثات الدراسية، الى جانب عدم ارتباطها بشكل اساسي بالحاجات المحلية الفعلية للبلد.
29 ـ وجود تشريعات وقوانين تشكل قوة اعاقة لتطوير الملاكات العلمية والتقنية وتطور العمليات التربوية الاكاديمية.
30 ـ قلة الاكاديميات المهنية والفنية والتطبيقية ومراكز البحوث والاقتصار الى المناهج العلمية الحديثة في التربية والاساليب والطرائق واعتماد اسلوب الحشد الذهني.
31 ـ ضعف المناهج التقنية والعلمية وعدم استجابتها للتحديات المعاصرة وعناصر التنمية المستدامة.
32 ـ هجرة الكفاءات والملاكات العلمية الكبيرة الى خارج البلد لأسباب عديدة اهمها الظروف الامنية والاقتصادية والمهنية والعلمية.
33 ـ ضعف المعرفة الحديثة و وسائل الاتصالات التقنية والالكترونية في مؤسسات التعليم العالي.
34 ـ التهميش المزمن للمراءة والشباب المثقف في المجتمع وتراجع فرص الحصول على العمل المناسب وما يتمخض عنه من اهدار الطاقات البشرية والكفاءات لرفد الحركة التنموية في العراق.
35 ـ ومن اهم المعوقات واخطرها اعتماد مبدأ المحاصصة والحزبية والعلاقات الخاصة في اسناد وتكليف الاشخاص في المواقع القيادية والادارية اي عدم الاهتمام بالكفاءات العلمية والمهنية وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وعدم اعتماد الاساليب العلمية في رسم السياسيات الاقتصادية والتنموية والخدمية.
من كل ما تقدم يتطلب الاهتمام ودعم مؤسسات التنمية المستدامة وخاصة في وزارة التخطيط ونقترح اقامة هيئة عليا مشتركة تهتم بمجالات التنمية المستدامة المختلفة من اجل رسم سياسة وخطة تكاملية شاملة في موضوع التنمية المستدامة، متجاوزين سلبيات الماضي ومستفيدين من التجارب الرائدة في دول العالم.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *