المنافذ الرئيسة لتعدد إنماط العلاقات السائدة

د. طورهان المفتي
21 تشرين الثاني 2020
تسري السلوكيات الفردية والجماعية في سعي أصحابها لتحقيق النجاح والتقدم أو التفاهم والتعاون بل وحتى التقاطع والخسارة، والتراجع والإنهيار في غالب الأحيان، لترسم ملامح وطبيعة وخصوصية العلاقات السائدة بكافة إنماطها الشخصية والإجتماعية والإنسانية والإقتصادية والسياسية. وتنفذ كل إنماط العلاقات عبر ثلاث مصطلحات رئيسة وهي التي تحدد النتائج المترتبة على تلك العلاقات، كونها تشكل أي المصطلحات الثلاث المنافذ الرئيسة لإنماط العلاقات السائدة. وهذه المصطلحات تشمل ( الانداد ، الاضداد ، الاحلاف )، ولكي نفهم كيفية سريان تشعبات الحياة و حيثيات المعيشة لا بد من الوقوف عند هذه المصطلحات ومحاولة فهمها.
الانداد، هي صيغة جمع لكلمة الند بمعنى من يرى نفسه نداً لاخر او ان يرى الشخص في شخص اخر نداً له ، بتعبير اخر ان يكون الشخصان بنظر بعضهما البعض متساويا القوة او الغلبة او الامكانية العلمية او الند المادي وهكذا ، بالتالي يقف الانداد فيما بينهم بصورة تنافسية ويكون بينهما سجال طول الوقت و ينطوي التنافس على مؤامرات و تاآمر وصولا الى تسقيط الند للند الاخر. ولو رجعنا قليلا الى التاريخ نجد أن الانداد يتبارزون حتى يقضي احدهما على الاخر مع استحضار كل إخلاقيات الفروسية وإحترام الخصم وعدم الإستهانة بقوته في إطار تقاليد متوارثة لايمكن الإستهانة بها.
اما الاضداد، فهي صيغة جمع لكلمة الضد ، بمعنى ان يكون احد الاشخاص بالعكس من الشخص الاخر في اهتماماته و سلوكياته و طريقة معالجته للمشاكل والأزمات في انتماءاته و متبنياته، ولايميل الاضداد الى التآمر، لإ كل منهما واضح أمام الآخر، وكذلك أمام الأخرين او مايسمون بالمراقبين، لذلك نرى التضاد بينهما يمضي جليا وفي وضح النهار. و نادراً ماينحو التضاد الى العمل السري أوالتسقيط أو التخطيط خلف أبواب مغلقة، لإن من ابرز سلوكيات التضاد إظهار التفوق بالإفكار و التميز بالضدية وعدم اللجوء الى شخصنة التضاد.
عندما نأتي للإحلاف، نجدها صيغة جمع لكلمة حلف، وكما أن الحلف يأتي بمعنى القسم فأنه يعني التحالف أي بمعنى أن يكون أحدنا حليفا لشخص آخر. ويدخل ايضا في معنى الوقوف الى جانب شخص آخر، كونهما في حلف او في قسم مشترك ، و هنا يكون سلوك الطرفين متشابها إتجاه القضايا المطروحة، وأن لم تكن السلوكيات متشابهة فعلى احدهما تقبل سلوك و قرارات الاخر وعدم التحرك بالعكس أو الضد من ذلك لانهما متحالفين وينبغي أن يكون أحدهما نصيرا للآخر ومساندا له.
فمن خلال التعريف البسيط اعلاه للكلمات الثلاثة نجد بما لا يقبل الشك ان جميع العلاقات الاجتماعية الانسانية تمر من خلال هذه الكلمات الثلاث و لا توجد كلمة اخرى تضاف اليهم لتفسر سلوك اجتماعي اخر ( لا يمكن اعتبار الحياد مضافا لهذه الكلمات حيث ان الحياد تعني عدم وجود علاقة و عدم وجود اعتبار او اهتمام و كأن شيئاً لم يكن ) ، و على هذا المنوال يجب على اي شخص عند تعامله مع شخص اخر او المؤسسات بتعاملها فيما بينها وصولا الى التعامل الدولي لابد له ان يمر عبر التوصيفات الثلاث ،
من جهة آخرى ينبغي التعامل على أساس معرفة طريقة الطرف المقابل إبتداءً، وعلى هذا الاساس توضع الخطوات القادمة في سواء في المضمار السياسي أو الاداري أو المالي او الإقتصادي.
ان الشروع باجراء عمل ما واتخاذ قرار لذلك دون تعريف العمل واسقاطاته في منحنى هذه الكلمات سوف يؤدي بذلك الشخص او المؤسسة الى الانهيار الكامل امام الطرف الآخر. بسبب ضبابية خطوط العمل و عدم وجود تعريف واضح لذلك الجهد وذلك الطرف. لذا نجد الكثير من العلاقات الثنائية تكون في بداياتها قوية جداً كأحلاف واذا بمرور الوقت تنقلب هذه العلاقات الى التضاد وصولا ثم التناحر .كما نجد كثير من العلاقات الثنائية تتحول الى تنافس ومنه الى تسقيط ثم تآمر، لان اساس العلاقة كانت بين انداد ولم يميز احدهما الآخر او في اقل تقدير لم يدرك أحد الاطراف نوايا الطرف الاخر .
هل تتحول هذه الانواع من العلاقات فيما بينها ؟
ان دوام الحال من المحال في اغلب الامور بالتالي من الممكن ان تتحول نوعية العلاقة من حالة الى اخرى و لكن لا يمكن ان تتحول او تتقولب بدون ان تكون هناك ظروف مساعدة او ضغوطات خارجية و تفاهمات ثنائية مبنية على الوضوح او بناء علاقات مدروسة والتي تتحول فيها العلاقة الثنائية نحو الاسوء او نحو الاحسن. ان حالة الاضداد تكون من خلال عدم التفاهم على أسس و مواضيع مشتركة، وحيث ان التضاد يكون معلنا وفي وضح النهار و بدون تدليس او وجود غرف مغلقة للتاآمر ، بالتالي من الممكن مع دخول اطراف أخرى على الخط و تبيان الاشكاليات التي ساعدت في ظهور التضاد من الممكن تحول التضاد الى تفاهم بل وحتى تحوله تحالف.
من جهة اخرى يمكن ايضاً تحول التحالف الى تضاد وذلك من خلال قيام الاطراف المتحالفة بإجراءات غير متفق عليها او غياب التفاهمات المشتركة مما يؤدي بالنتيجة الى تحول الاحلاف الى اضداد، وهنا تكمن الخطورة ذلك ان الاحلاف يمتلكون معلومات قيمة عن بعضهما البعض الاخر وأن التحول الى التضاد مع هذا الكم من المعلومات الثنائية سوف يجعل من التضاد في أعنف صوره.
اما حالة الانداد فلا يمكن ان تتحول باي حال من الاحوال الى الاحلاف وقد يتحول في جزئيات معينة الى التضاد حينما تكون المواضيع معلنة و لكن تبقى الخطط المخفية والتدليس والتاآمر اساس التعامل بين الانداد . كما يمكن ان تتحول حالة الاضداد الى الانداد و لكنها تكون اقل عنفاً من تحول الاحلاف الى الاضداد وهكذا .
هل ينعكس هذا في التعاملات السياسية ؟
بكل تاكيد هذه الحالات الثلاث اساس بناءً الحياة السياسية الفردية و المؤسساتية ، و للوهلة الاولى نجد ان حالتي الاضداد و الاحلاف مسيطرة تماما على التعاملات السياسية ولكن لو دققنا النظر نجد أن حالة الندية موجودة في كل تفاصيل العلاقات السياسية، وقد يكون هذا هو السبب الرئيسي في عدم إستمرار التحالفات السياسية لمديات زمنية طويلة ، كما وان عدم تمييز الندية و اعتبارها نوع من التضاد او التحالف يؤدي بالنتيجة الى إفشال التحركات السياسية، في نهاية المطاف يمكن في الحياة السياسية التعامل بل والتفاهم وحتى التعاون مع الاضداد وكذلك مع الاحلاف، ولكن لايمكن التعامل مع الانداد لإن كل منهما يفكر ويخطك ويسعى للإستحواذ على الآخر.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *