ضعف التكتيك في التفاوض قد يفقد التيار الصدري ستراتيجية الفوز

فرهاد علاءالدين
٩ شباط ٢٠٢٢
مشروع حكومة الأغلبية الوطنية بات يحتضر اليوم ليقترب من لفظ انفاسه الأخيرة بعد صدمة تفسير المحكمة الاتحادية للمادة 70 من الدستور بوجوب الثلثين داخل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. وحضور الثلثين لن يتحقق دون اتفاقات وتوافقات مسبقة بين الكتل السياسية وبالذات بين التيار الصدري والاطار التنسيقي.
في سابقة لم يألفها المشهد السياسي أجمعت الكتل البرلمانية في بيانات متواترة رفضها المشاركة بجلسة السابع من شباط الجاري التي دعت اليها هيئة رئاسة البرلمان لإختيار رئيس الجمهورية، والتي انتهت الى عدم اكتمال النصاب بعدما اقتصرت على حضور 58 نائبا من المستقلين والكتل الصغيرة فحسب. نقول سابقة لأننا اعتدنا توجه الأعضاء الى قبة البرلمان في معظم الأزمات والتواجد في أروقته دون دخول الجلسة بهدف تعطيل النصاب.
بعد سلسلة المواقف المعلنة بعدم المشاركة فأن المفاجأة لم تكن على خلفية المقاطعة وبالتالي فشل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بل فيما اعلنه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة غير متوقعة دعا فيها ضمنا احتمالية توجيه أعضاء الكتلة الصدرية بعدم التصويت لمرشح حليفه الحزب الديمقراطي الكوردستاني لرئاسة الجمهورية هوشيار زيباري.
وذهب ابعد من ذلك بوقفه التفاوض الجاري مع الكتل البرلمانية وقواها السياسية وكذلك مقاطعة تلك الجلسة، الأمر الذي أثار دهشة المراقبين كون الكتلة النيابية الأكبر صاحبة مشروع الأغلبية الوطنية الحاكمة هي من تقف وراء تعطيل الجلسة وبالتالي التمهيد لتجاوز توقيتات المدد الدستورية.
التيار بين الستراتيجية والتكتيك
ستراتيجية التيار الصدري في تعاطيه مع العملية الإنتخابية على مدى الدورات السابقة وبالذات مع الإنتخابات الأخيرة أي المبكرة كانت ومازالت موضع إهتمام وإشادة معظم الأوساط السياسية وعموم المراقبين، والتي باتت تؤشر تصاعد الخط البياني للتيار في قطف ثمار الفوز البرلماني دورة بعد أخرى.
كشف التيار هذه المرة عن رغبة واضحة بتسنم إدارة دفة الحكم عبر تغريدة لزعيمه يوم 22 تشرين الثاني 2020 قال فيها “إن وجدت أن الانتخابات ستسفر عن أغلبية (صدرية) في مجلس النواب وأنهم سيحصلون على رئاسة الوزراء وبالتالي سأتمكن بمعونتهم وكما تعاهدنا سوية من إكمال مشروع الإصلاح من الداخل”.
وبرغم عدم التفات المراقبين لهذه الرغبة وتناولها بإهتمام إلا أن التيار وزعيمه كانا يخططان فعلا لتحقيقها. وكان المتحدث بأسم التيار صلاح العبيدي أعلن بمؤتمر صحفي عقده يوم 29 كانون الأول 2020 بأن “هناك نية وطموح للحصول على 100 مقعد في الانتخابات المقبلة، لمسك زمام الأمور” مما أثار في حينه موجة تكهنات تفيد باستحالة تحقق ذلك بل خمن البعض بعدم تجاوز حصيلة التيار الثلاثين مقعدا على أبعد احتمال. الا ان التيار فاجأ الجميع واصبح اكبر كتلة برلمانية فائزة بواقع 73 مقعدا.
وفقا لما تحقق يبدو ان التيار اعتمد ستراتيجية جديدة قوامها ثلاثة ابعاد متوازية:
ـ البعد الأول : تشكيل تحالفات داخلية، والتي تمثلت بعقد سلسلة من مباحثات مع طرفين مهمين في الساحة السياسية العراقية الأول تمثل بتحالف تقدم برئاسة محمد الحلبوسي والتوصل الى اتفاق شامل قبل الانتخابات. والطرف الثاني تمثل بالحزب الديموقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود بارزاني والتوصل الي تفاهم بعمق حول الدخول في تحالف بعد الانتخابات.
ـ البعد الثاني : التوجه نحو تأسيس علاقات خارجية وبناء شراكات فهم متبادل على الصعيد الإقليمي والدولي، حيث أوفد التيار الصدري ممثلين رفيعي المستوى لعدة عواصم بهدف تأكيد إنفتاحه على العالم الخارجي، وعلى نحو خاص الجوار الإقليمي للعراق.
ـ البعد الثالث : تطوير التنظيم الداخلي للتيار، واشاعة ثقافة الإنتخاب وفقا للقانون الساري ورفع مستوى الإداء لماكنة التيار الإنتخابية برغم تمرسها وعمق خبرتها، ورفدها بالكوادر الكفوءة ومنحها صلاحيات أوسع في اختيار المرشحين الى جانب إناطة إدارتها بقيادي من الخط الأول عرف بنجاحاته وحسن تدبيره اللافت بالانتخابات السابقة. كذلك تحشيد الجمهور من قبل زعيم التيار شخصيا ودعوته الى الطاعة بضرورة المشاركة.
كل ذلك إنتهى الى فوز التيار بأغلبية صدرية تمثلت ب 73 مقعدا بالتزامن مع تراجع واضح لمنافسهم القوي تحالف الفتح الذي لم يحصل على سوى 17 مقعدا فقط.
واعلن مقتدى الصدر فوز تياره بالانتخابات في خطاب حماسي متلفز يوم 11 تشرين الثاني 2020 بعد اعلان النتائج الأولية قال فيه “الحمد لله الذي أعز الإصلاح بكتلته الأكبر، كتلة عراقية لا شرقية ولا غربية، لا مكان للفساد والفاسدين في العراق بعد اليوم، وسنزيح الفساد بدمائنا.
من الآن وصاعدا، لن يكون للحكومة أو الأحزاب أن تتحكم بالأموال والخيرات، بل هي للشعب، يجب حصر السلاح بيد الدولة ويُمنع استعمال السلاح خارج هذا النطاق، كل السفارات مرحب بها ما لم تتدخل في الشأن العراقي وتشكيل الحكومة”.
أثار هذا الخطاب حفيظة خصوم الصدر ومنافسيه على حد سواء واعتبروه بمثابة اعلان حرب او تهديد مباشر لوجودهم بأقل وصف وانه بمثابة استهداف سياسي واقتصادي وامني مما دفع القوى والأحزاب والفصائل تحت وطأة الخلاف مع توجه التيار وزعيمه الى توحيد صفوفها وإعلان تمسكها بتحالف غير معلن سمي بالاطار التنسيقي، بوصفه كتلة كبيرة منافسة ومناوئة بذات الوقت للكتلة الصدرية الأكبر، وشرعت برسم ملامح خطابها السياسي والتفاوضي بمواجهة الصدر فكان هذا اول خطأ تكتيكي وقع فيه التيار. اذ يرى مراقبون بانه كان من الأولى ان يعطي التيار رسائل تطمين للمنافسين بدل اثارة مخاوفهم.
أثارت خطوة الصدر الأخرى استبعاد الفريق التفاوضي وتجميد عمل الهيئة السياسية ومن ثم تغيير قيادتها بكادر جديد من النجف الاشرف ممن يعدون الأقرب للصدر ضمن الحلقة الأولى استغراب ودهشة معظم المراقبين، ذلك ان الهيئة السابقة وماكنتها الانتخابية قد ابليا بلاء حسنا وهما من كان يقف وراء نجاحات الصدر، وكان المتوقع مكافأتهم على حسن الإداء ونجاحهم المتحقق. الا ان الصدر ذهب عكس المتوقع.
وهذا ادى بدوره الى انحسار دور التيار الصدري وتواريه عن المشهد، مما فسح المجال امام منافسيه من قوى الاطار التنسيقي للبدء بحراك غير مسبوق والظهور على الساحة بقوة لافتة تمثل أولها بتنظيم تظاهرات صاخبة واعتصامات حاشدة واشغال المشهد الاعلامي بمؤتمرات صحفية وظهور لافت عبر شاشات التلفاز بخطاب يسعى لتأكيد تزوير نتائج الانتخابات، الى جانب ذلك التوجه نحو القضاء للطعن في نزاهة الانتخابات مقابل صمت التيار المطبق جراء التزام قيادييه بأوامر الصدر القاضية بتجميد الحراك ووقف التصريحات بإنتظار ما سيدلي به القضاء إزاء دعاوى المتضررين.
هنا اقترب المشهد ليماثل ماجرى عام 2010 بعدما انتهت اليه نتائج الإنتخابات حينذاك واحتدام المواجهة بين القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي ودولة القانون بزعامة نوري المالكي وقد نشرت مقالا بهذا الصدد في 20 كانون الاول 2021 بعنوان “التيار ينتشي بفوزه والاطار يتحرك بدهاء ليعيد رسم سيناريو 2010”.
بمعنى آخر، أرى أن التيار هنا فقد المبادرة السياسية والعملية تاركا الساحة لمنافسيه، بالتزامن مع ما يعانيه من ارباك داخلي واضح، ففقد بذلك قدراته التكتيكية اللازمة والواجبة اعتمادها فور اعلان نتائج الانتخابات ليخسر نحو شهرين كان بإمكانه خلالهما تنفيذ خططه الرامية لتشكيل الكتلة الأكبر وبناء تحالفات ساندة تضمن تكليفه بحكومة أغلبية مريحة ومضمونة.
فشل الاستقطاب
يرى مراقبون بأن اعلان الصدر المبكر عن الفوز بخطاب ناري ترك آثارا سلبية على التيار وموقعه التفاوضي، حيث دفع الكتل السياسية المنضوية تحت الاطار التنسيقي لوحدة الموقف واستحضار متطلبات المواجهة بندية عالية، على حساب قوة موقف التيار الصدري بين اوساط المكون الشيعي الذي يطالب بتوحيد الصف. اذ ان الصدر وتياره لا يمثلون كل اطياف المكون، وأن مزاج تلك الأطياف موزع بين عدة كتل وقوى سواء داخل الاطار أوخارجه كالمستقلين والتشرينيين على سبيل المثال.
كذلك عمد الصدر الى وقف الهيئة السياسية الجديدة لتفاوضاتها ليقود المفاوضات بنفسه ساعيا لإستقطاب الكتل الشيعية الأخرى بزيارة كل من زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم ورئيس تحالف النصر حيدر العبادي في الخامس من كانون الثاني 2021 في محاولة لضمهما الى تحالفه، الا إنه جوبه برفضهما تلك الخطوة، ليعود التيار الصدري الى وضع الإستكانة والجمود مقابل استمرار الاطار التنسيقي في محاولاته لكسب جانب القضاء وود الشارع بتظاهراته الحاشدة.
حاول الصدر مرة أخرى مع بعض قوى الاطار بدعوتها الى اجتماع في بيت والده في الحنانة، الا ان الاطار رفض الدعوة، مما أضطر الصدر للتوجه الى بغداد للاجتماع بزعماء الاطار التنسيقي في منزل رئيس تحالف الفتح هادي العامري في الرابع من كانون الاول 2021 وقد انتهى اللقاء بتغريدة مقتضبة من الصدر قال فيها “لا شرقية لا غربية، حكومة اغلبية وطنية” والتي تعني عدم التوصل الى حل. اذ اصر الاطار علي المشاركة بكل قواه لكن الصدر كان مصرا على استبعاد دولة القانون وزعيمها نوري المالكي.
زار وفد من الاطار بقيادة هادي العامري النجف الاشرف في 29 كانون الاول 2021 للقاء الصدر في الحنانة، لكن اللقاء أنتهى كذلك الى تغريدة بذات المعنى. برغم إعلان المحكمة الاتحادية مصادقتها على النتائج النهائية للانتخابات يوم 27 كانون الأول أي قبل يومين من موعد زيارة العامري، بعدها حدد رئيس الجمهورية في 30 كانون الاول 2021 بمرسوم جمهوري موعد انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب بيوم 9 كانون الثاني 2022.
كان الوقت يداهم الجميع مما زاد من وتيرة الحراك الا ان فشل الاتفاق كان سيد الموقف، كذلك فشل الاطار في استقطاب الكورد والسنة، فبقي الوضع على ماهو عليه. من جانبه لم يتمكن التيار الصدري من استقطاب الاتحاد الوطني الكوردستاني بسبب الخلاف العميق بين الأخير والحزب الديمقراطي الكوردستاني خاصة فيما يتعلق بالصراع على منصب رئيس الجمهورية لذلك عمد التيار الى تفادي التفاوض المباشر مع الاتحاد وفي نهاية المطاف ابقى التيار على تحالفه الثلاثي مع الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة المكون من تقدم بزعامة محمد الحلبوسي وعزم بقيادة خميس الخنجر ومن دون اعلان رسمي حتى هذه اللحظة.
تمكن التحالف الثلاثي في الجلسة الأولى لمجلس النواب من انتخاب هيئة رئاسة بعد تمكنه من فرض اغلبية مريحة على منافسيه، مما كرس حدة الخلاف بين التيار والاطار.
الأمر بالتماسك والنهي عن التفرد
تراجعت حظوظ الاطار في منع التيار من المضي في انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب لتزيد من إخفاقاته المتكررة، بدءا بخسارته للكتلة الأكبر ومرورا بفشله في كسب الطعون المقدمة للهيئة القضائية للانتخابات وخسارته الدعوى امام المحكمة الاتحادية وانتهاء بفشل محاولته إبقاء الجلسة الأولى مفتوحة بمغادرة نوابه لمجلس النواب تاركا الطريق ممهدا أمام التحالف الثلاثي لإختيار رئيس المجلس ونائبيه الأول والثاني.
عاد الحوار ثانية بين التيار والاطار عبر سلسلة رسائل عاجلة لإيجاد مخرج لأزمة الخلاف القائم، أثر زيارة خاطفة للحنانة قام بها هادي العامري ليلتقي الصدر على انفراد يوم 15 كانون الثاني حيث تم الإتفاق على مشاركة بعض قوى الإطار بحكومة التيار الصدري المرتقبة دون دولة القانون، الا ان العامري وبعد عودته الى بغداد ومناقشة الاتفاق مع قوى الاطار عاد وأبلغ الصدر تراجعه. بحسب ماكشفه الصدر في لقاء متلفز يوم 25 كانون الثاني 2022.
على صعيد متصل افصح مصدر مطلع بان زعيم دولة القانون نوري المالكي ارسل رسالة الى المرشد الأعلى في جمهورية إيران الإسلامية يطلب فيه رأيه حول خلاف التيار مع الإطار، فجاءه الرد عبر زيارة قام بها قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الى بغداد يفيد بدعوة المرشد الأعلى لقوى الاطار البقاء متماسكة وعدم دخول أي طرف منه بالتحالف الثلاثي دون الأطراف الآخرى، ليستجمع الاطار قواه بهذه الدعوة ويعلن صراحة رفضه للمشاركة في أي تحالف جزئي على حساب وحدة الإطار.
أوصدت الأبواب مرة أخرى بين الاطار والتيار الصدري، فيما ذهب قاآني للقاء رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي وزعيم الحزب الديموقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني وابلغهما رفض ايران المضي في تشكيل حكومة الأغلبية على حساب وحدة البيت الشيعي والذي يهدد الأمن القومي الإيراني، مطالبا البارزاني بالتدخل لرأب الصدع داخل المكون الشيعي ولعب دور الأخ الكبير لما يتمتع به من ثقل سياسي واجتماعي. مما دفع البارزاني الى إطلاق مبادرته المتمثلة بتكليف رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بالتوجه الى الحنانة برفقة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ومعهما رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر يوم 31 كانون الثاني ومحاولة إقناع مقتدى الصدر بمعالجة الأزمة عبر التوافق مع قوى الإطار التنسيقي.
لقاء الحنانة هذا أسفر عن ارسال الصدر لوفد رفيع من تياره الى العامري يعرض فيها خارطة طريق مكونة من تسعة نقاط جديدة للمشاركة في حكومة الأغلبية، الا ان العامري رفضها كونها تستبعد جزءا من قوى الاطار، ليبقي الحال على ما هو عليه.
التيار الصدري خسر حتى الآن جميع الفرص المتاحة لاستقطاب الكتل الشيعية داخل الاطار، مما أضطر حلفاؤه في التحالف الثلاثي للتحرك من جانبهم للمحاولة لخلق تفاهمات مع قوى الاطار خلافا لما ينادي به الصدر.
إنحسار الخيارات المتاحة
المحكمة الاتحادية اقرب ما تكون الى تفجير قنبلتين بوجه التيار الصدري، الأولى تمثل بقرارها حول الكتلة الأكبر وموعد تشكيلها، والثانية والاهم ان نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وطبقا لنص المادة 70 من الدستور، يكتمل فقط عند حضور ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب، هذا التفسير ضرب مشروع الأغلبية في الصميم ووأدته قبل ان يولد.
بدأت خيارات التيار الصدري المتاحة بالإنحسار، مما افقده القدرة على المناورة. لقد حصر التيار نفسه في زاوية ضيقة بات من الصعب عليه مغادرتها لأسباب عدة من بينها:
ـ أولا : رفع شعار حكومة اغلبية وطنية والاصرار على عدم مشاركة قوى شيعية مؤثرة داخل الاطار التنسيقي، برغم عدم تأييد شركائه داخل التحالف الثلاثي لهذا التوجه، إنطلاقا من إيمانهم بأن التوافق اسهل الطرق المضمونة للوصول الى تشكيل حكومة ترضي جميع الأطراف المتصارعة.
ـ ثانيا : التحالف الثلاثي مبني على أساس مبدأ اقوى الكتل المكوناتية الفائزة، أي القوى الحاصلة على اعلى عدد من المقاعد ضمن مكوناتها وهي تمتلك قواعد جماهيرية واسعة وداعمة لقياداتها، لكن هذه الكتل ليس لديها رؤية مشتركة ولاتمتلك برنامج عمل موحد واضح المعالم والأهداف والآليات بل ان ثمة إختلافات واضحة بين هذه القوى وتلك.
اذ ان من أولويات التيار المعلنة الإصلاح ومحاربة الفساد وإعادة تنظيم الفصائل المسلحة، في حين تركز أولويات تحالف السيادة على قضايا المكون السني متمثلة بإعادة اعمار المناطق المحررة وعودة النازحين وغيرها والكشف عن مصير المفقودين والمغيبين، أما الحزب الديموقراطي الكوردستاني فأن أولوياته تتعلق بمشاكل الإقليم مع المركز وموازنة الإقليم والمادة 140 وغيرها من القضايا الخلافية.
تجدر الإشارة هنا الى ان الورقة المشتركة التي تم توقيعها من قبل الأطراف المكونة للتحالف الثلاثي لاتشير الى مطالب تحالف السيادة او الحزب الديموقراطي، انما هي ورقة كتبت بعمومية فيها قضايا عامة لاغير ولاترتقي لتكون برنامجا عمليا لأغلبية وطنية حاكمة ينتظر منها اصلاح أوضاع البلاد وحل قضاياه وازماته الخانقة والإستجابة الحقيقية لمطالبات الشارع المنتفض المطالب بإصلاحات جذرية والتي انتهت الى إجراء إنتخابات مبكرة كبداية لسلسلة المعالجات المفصلية المنتظرة.
ـ ثالثا : تصدي زعامات قوى التحالف الثلاثي لإدارة وتوجيه المفاوضات ومتابعة تشكيل التحالفات على عكس ماكان يحصل في السابق من تكليف فرق تفاوضية للوصول الى قواسم مشتركة تعرض لاحقا على الزعامات. لذلك فقدت هذه القوى مرونة الحركة والمناورة لان القرار الأخير هو بيد الزعيم واذا قال كلمته سواء كانت نعم او لا فقد أنتهى الأمر ومن الصعب معالجته، وهذا ماتجلى واضحا في السياسة التفاوضية للتيار الصدري فهل يعقل ان يتدخل اي كان من قيادات التيار في محاولة ثني زعيمه عن راي او موقف أعلنه وتمسك به ؟! وقد بدا ذلك واضحا عبر قراره بتجميد عمل الهيئة السياسية للتيار ومنع قياداته من التفاوض، متوليا تلك المهام بنفسه.
ـ رابعا : قيام زعيم التيار الصدري بتغيير فريقه التفاوضي بعد الانتخابات مباشرة، مما أربك الشركاء، اذ كانوا يتعاملون مع الفريق القديم لأكثر من عام، ولم يألفوا أو يسمعوا عن الفريق الجديد. هذا التغيير المفاجئ جعل التعامل على الشركاء صعبا لحين من الوقت وبعد عقد سلسلة من الاجتماعات ومعرفة مكنونات المفاوضين لكلا الطرفين، والذي أدى الى تأخير التفاوض وبالتالي تأخر حسم النتائج.
ـ خامسا : غياب الفريق التفاوضي السابق معناه غياب كل التفاهمات السابقة التي بنى الصدر على نتائجها كل انتصاراته ونجاحاته، حيث غاب هنا فجأة مهندس نجاحات الصدر وفريقه الكفوء، وثم تسريبات شبه مؤكدة تفيد بان الفريق القديم كان يتسم بالمرونة والبراغماتية، فيما تشكل الفريق الجديد من صقور ومتشددين بالرؤية والتوجه والتعاطي مع الآخر، وتتلاقى تشدد الفريق مع ماهو معروف عن الصدر تمسكه برأي نهائي جعل التعامل مع التيار الصدري صعبا للغاية.
بالنتيجة نرى بأن التيار لم ينجح باستقطاب حتى ولو عدد قليل من كتل صغيرة ونواب مستقلين في حين كان التوقع السائد أن التيار الصدري سيصبح جاذبا لهؤلاء دون عناء يذكر، بل أن الآخرين سيتسابقون للالتحاق بركب التيار لكن الذي حصل نسف كل التوقعات.
ـ سادسا : التشدد في الخطاب وعدم ابداء المرونة وحّد المنافسين برغم خلافاتهم الداخلية، اذ ان الكتل المنضوية داخل الاطار التنسيقي هم من أطياف عدة واتجاهات متنوعة، واكثرهم لا يتوافقون في الرؤية والمنهج والتقليد، لكن شعورهم بالتهديد والتهميش جعلهم يتفقون فيما بينهم للحفاظ على كياناتهم ووجودهم.
ـ سابعا : شعور سائد لدى شركاء الماضي بان التيار الصدري يترك شركاء الماضي لأسباب سياسية ونسيان المواقف السابقة لهذه الكتل والشخصيات التي تعاونت معه، مما جعل الاخرين يتعاملون بحذر كبير ينتابهم شعور عدم الثقة بان التيار قد يتركهم كما فعل مع الاخرين في الماضي.
ـ ثامنا : عدم انفتاح التيار على الاتحاد الوطني الكوردستاني واستقطابه كان خطأ تكتيكيا كبيرا اذ ان الاتحاد والاطار معا بإمكانهم كسر النصاب في جلسة انتخاب الرئيس، في حين لو كان الاتحاد مع التيار كان عقد الجلسة اسهل بكثير.
ـ تاسعا : التحول المفاجئ في المواقف دون سابق انذار يجعل الشريك تنتابه الشكوك والتوجس من تغير توجه التيار. لعل التغريدة الأخيرة التي فاجأت الحزب الديموقراطي حول مرشحهم لرئاسة الجمهورية خير دليل على هذا الامر.
ـ عاشرا : سوء تقدير التوقيتات وافراغ الساحة للمنافسين وعدم الاكتراث لما يحصل في الاروقة السياسية وبقاء التيار كمتفرج وعدم طرح المبادرات العملية والتمسك والإصرار بموقف واحد والاعتقاد بان الاخرين مجبرين على القبول ومنذ اعلان النتائج النهائية للانتخابات حتى الآن كلها تدخل في باب التكتيك السياسي الذي لم يفلح فيه التيار بشكل ملموس.
من الواضح ان التيار الصدري قد فاز في رسم استراتيجية معقدة وصعبة ونجح في تحقيقها لكنه تعثر في تنفيذ صفحاتها بسبب الأخطاء التكتيكية وضعف القدرة التفاوضية، لذا عليه التفكير مليا بخطواته القادمة وان يجد حلولا سريعة واجراء تغييرات جذرية لطريقة التعامل مع الواقع السياسي الجديد بعد تفسير المحكمة الاتحادية للمادة ٧٠ من الدستور، لضمان الاحتفاظ بالإنجاز الانتخابي والا سيذهب هو دون غيره ضحية لنجاحه الباهر.
الانسداد والانتخابات المبكرة مجددا
بعد حصول الانسداد السياسي والتمسك بالمواقف المتشددة والإنغلاق على الذات من قبل جميع الاطراف، تكون العملية السياسية قد دخلت نفقا مظلما محفوف بالمخاطر، اذ ان المضي بمشروع الأغلبية اصبح شبه مستحيل بسبب قرار المحكمة الاتحادية، كذلك الاستمرار من دون انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة سيعني الفشل الذريع للقوى الفائزة في تحقيق استحقاقهم الانتخابي وهم يتحملون المسؤولية الأكبر في ذلك.
يرى مراقبون بانه لا مناص امام التيار الصدري الا ان يتفق مع الاطار التنسيقي كلا او جزءا للمضي بمشروع تشكيل الحكومة، في مقالنا المنشور في 20 كانون الاول 2021، طرحنا خمسة سيناريوهات حول ما قد يحدث على الساحة السياسية وكان السيناريو الرابع: “حكومة توافقية سباعية (التيار والفتح ودولة القانون، تقدم والعزم، الديموقراطي والاتحاد) مع ذهاب الكتل الصغيرة والمستقلين الى المعارضة واختيار رئيس وزراء توافقي”.
اصبح هذا السيناريو هو الأقرب مع تغيير تسميته الى حكومة توافقية خماسية (التيار والاطار، تحالف السيادة، الديموقراطي والاتحاد) وبالإمكان تسمية هذا السيناريو بتوافقية جزئية مقارنة بالسابق اذ ان مجموعة غير قليلة من الكتل السياسية الصغيرة والمتوسطة سوف تختار المعارضة بدل الدخول في الحكومة.
التيار الصدري كفائز اول في الانتخابات ورئيس لأكبر تحالف برلماني (تحالف انقاذ وطن) تقع عليه مسؤولية كبرى جراء ماسيحدث في المستقبل القريب، لذا على زعيم التيار الصدري التفكير مليا بخطواته القادمة ولعل اولى الخطوات الواجب اتخاذها تكليف فريقه لبدء التفاوض مع الكتل الأخرى بهدف التوصل الى حلول ومعالجات تنهي الوضع الراهن، وبخلافه فان الدعوة من جديد الى اجراء انتخابات جديدة هو الخيار الذي لاخيار دونه. وإلا فإنها المغامرة بمصير البلاد ومستقبلها خصوصا اذا عمت الفوضى او اندلع الصدام المسلح لحسم الخلاف لا سمح الله.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *