التحليل العمري للمتبنيات الفكرية

د.طورهان المفتي
16 كانون الاول 2020
إنبثق الاتحاد السوفيتي نتيجة الثورة البلشفية في روسيا في فترة الحرب العالمية الأولى كنتاج طبيعي للإختناقات والتجاذبات الفكرية والمنهجية العميقة هناك وانعكست على المجتمع الروسي والمجتمعات القريبة منه لتنتج دولة تختلف كلياً عن الدولة السابقة التي اتت عليها الثورة البلشفية ولتستمر هذه الدولة ( الإشتراكية والشيوعية ) ببسط هيمنتها وهيمنة الفكر البلشفي الإشتراكي للاتحاد السوفيتي لعقود من الزمان تارة بالإقناع واخرى بالقوة والتعنت، ولتنتهي هذه الدولة بعد قرابة سبعين عاماً من السطوة والسلطة ولتختفي متبنياتها الفكرية في منبعها ولتترك اثرها واثارها فيها ولتبقى هنا وهناك بافكار مطعمة وذات ابعاد اخرى مضافة الى الفكر الأساسي.
تكاد تكون تجربة الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي هناك اقرب الاحداث جغرافياً وتاريخياً الى الشرق الاوسط ضمن التأريخ الحديث للمنطقة، ولأجل هذا فان دراسة هذا الفكر وتسليط الضوء عليه كأمثولة هي مسألة مهمة ضمن الدراسات الاجتماعية والسلوك الجمعي لاي تشكيلة مجتمعية . حيث تشير تجربة الاتحاد السوفيتي بصورة جلية الى كيفية ولادة فكرة ونموها وشبابها وعنفوانها وصولاً الى الكهولة والشيخوخة والاضمحلال في النهاية وانهيار الدولة التي تبنت فكرتها .
اذا فان المتبنيات الفكرية ايضاً حالها حال اي كائن حي تخضع لمراحل الحياة المختلفة وكما اسلفنا في مقال سابق حول الية انتاج الفكر والايديولوجيات كنتيجة وجود إرهاصات اجتماعية او اتفاق مجموعات إنسانية على تغيير واقع غير ملائم لهم بالذات لتنتج بالنهاية الفكر ومتبنياتها .
حسناً يبدو جلياً في هكذا حال بأننا لا بد من ان نحلل ونشخص المراحل العمرية للافكار الوضعية الموجودة لدينا وهي اي هذه الأفكار كثيرة وزاخرة في حقيقة الأمر ، وكذلك نحتاج الى خلق مجاميع فكرية ذات روى مشتركة وخطوط رئيسية متشابهة، حيث ان كل مجموعة تخضع لمرحلة عمرية معينة وما يجري على احدهم يجري على الكل في المجموعة الواحدة .
هنا لا بد من معرفة نقطة مهمة جدا وهي هل لابد ان تشيخ الافكار حتى تضمحل وتختفي ؟
بالتاكيد لا يوجد هكذا جزم للموضوع ففي أحيان قليلة تقبر الافكار في المهد او تغتال الفكرة وهي في ريعان الصبى وفي هكذا حال واذا ما كانت الفكرة متبناة من قبل مؤسسات الدولة العليا سوف تؤدي هكذا اختفاء وموت سريع للفكرة الى انهيار تام للدولة والدخول في فوضى الانقلاب والانفلات وهناك امثلة عديدة حول هكذا مجريات لافكار تمت تبنيها من قبل دولة وسقطت هذه الافكار صريعاً لتدخل تلك الدولة في اتون انهيارات داخلية وفلتان إداري .
الأسئلة المهمة هنا هي اين نحن واين متبنياتنا الفكرية ؟
هل فكر القائمون على الامر بمتبنياتنا الفكرية ومقدار ملائمتها للمجتمع ؟ هل حددنا في اي مرحلة من مراحل الحياة والتحليل العمري وصلت هذه المتبنيات ؟، هل تحتاج متبنياتنا الى اجهزة دعم الحياة ؟، هل هي في ريعان الصبا ام في عنفوان الشباب؟
هل العراق لديه متبنى فكري معين للبناء ام لدى العراق متبنيات فكرية آنية وناتجة من ردود افعال؟
وهل هذه المتبنيات تتكامل فيما بينها ام تتقاطع؟
امام هذه الاسئلة وهذه التحديات الفعلية يمخر العراق سفينته في ظروف استثنائية فريدة ، عليه نجد لزاماً على جميع الأطراف دراسة المتبنيات الفكرية ومعرفة مدى ملائمتها للأجواء العراقية وهل تحتاج هذه الأفكار الى تعديل أم الى تبديل ام الى السير قدما ، ولاجل معرفة هذه المجريات والاجابة على التساؤلات لابد من فسح المجال للمُنظرين والمتعمقين في فلسفة الأداء السياسي والإداري لتسليط الضوء على الأفكار و النقد الذاتي
وجلد الذات اذا ما احتاج الأمر لغرض توحيد الرؤى في بناء الدولة ضمن متبنى فكري (إداري ـ سياسي ) وليشارك الجميع في تأسيس ما قد تغافلنا عنه.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *