التوسعية و التموضعية وما بينهما

د.طورهان المفتي
3 كانون الثاني 2021
مع تأسيس اي دولة و ترسيخ اركانها تتوضح مجموعة امور واستراتيجيات للدولة المتشكلة وأهم هذه الاستراتيجيات تتمثل في كيفية تعامل الدولة مع الدول الاخرى أي علاقاتها الخارجية، وحيث ان تأسيس الدول تعتمد على عدة اسس سياسية في مقدمتها هي مستوى وحجم بزوغ الدولة، وهل ان الدولة تم انشاءها على انقاض دولة اخرى؟ وهل ان الدولة ولدت من رحم معالجة دولية؟ أم هي نتاج طبيعي لجغرافية استوعبت قيام الدولة. وهل ان الدولة دينية؟ أم ذات بعد قومي؟ وطبقا لذلك تَفرض الدولة وجودها وترسم ملامح وشكل العلاقات الخارجية، وآلية تعاملها مع المجريات والمتغيرات الدولية.
وطبقا لهذا المقياس يمكن تقسيم الدول على أساس علاقتها على النحو التالي :
1 ـ دولة ذات علاقات متمددة ونهج توسعي، وذلك لعدة اسباب منها، البحث عن مصادر الديمومة، ومحاولة توفير الأيدي العاملة الرخيصة، وأحيانا خيالات وهواجس شخصية لقيادتها، وكذلك الوازع الديني أو القومي. ومن مميزات علاقات هذه الدول ان تكون قراراتها احادية في جوهرها ومن طرف الدولة التوسعية، وهنا لا يجب ان نغفل وجود اسس و مرتكزات ذات شأن امني في أراضي الدول التي تم التوسع على حسابها، بصرف النظر عن المسوغات والدوافع المعلنة وتباينها.
و قد يكون ( ابن خلدون – المتوفي في بداية القرن الخامس عشر )، اول من كتب ونظّر حول الدول التوسعية وفلسفتها وطريقة تعاملها ودوافع تحولها الى سلوك المنهج التوسعي .
2 ـ دولة ذات علاقات ومنهج تموضعي، وهنا تختلف في فلسفتها ورؤيتها أهدافا ومبررات، حتى وان كانت ذات نتائج متقاربة من الناحية الاقتصادية لما سبق ذكره .
هذه الدول تبحث عن المصالح و العلاقات من خلال بناء أسس لها في دول اخرى مع احترام خصوصية تلك الدول ومحاولة التوافق معها عمليا وفق رؤية مشتركة بين الدولة التي تبتغي التموضع و الدولة (المُضيفة) مع حرصها على الابتعاد قدر المستطاع عن الأسس والمحاور والقطاعات ذات المحتوى الامني .
3 ـ دولة تحاول ان تكون لها علاقات متوازنة مع ما تم ذكره سابقاً من (1 و 2)، وجدير بالذكر بأن هذه العلاقات هي اضعف مراحل العلاقات الخارجية لاي دولة وتكاد تكون أقرب للدول مسلوبة الارادة في التعاملات الخارجية، مما ينعكس سلبًا على توجهات الدولة داخلياً وتموضع البوصلة المجتمعية .
إن تأريخ بعض الدول حافل بالتحولات بين الانواع المذكورة من العلاقات ونوعية الدولة وخاصة حين يختلف بنيان الدولة وأسس تشكيلها ضمن التغيرات الزمنية والجغرافية ( العامل الزمكاني) . وطبقا لذلك يمكننا تناول العراق إنموذجا، فالعراق على مر تاريخه اتخذ الأنماط الثلاثة من أشكال الدولة آنفة الذكر لردحا من الزمن، فالامبراطوريات السابقة في وادي الرافدين مثل الاكدية والاشورية هي امبراطوريات لدول توسعية استولت على غالبية الشرق القديم لفترات زمنية طويلة بصورة مستمرة او متقطعة، وأستمرت عملية الشد والجذب في ارض الرافدين قروناً طويلة ليكون العراق فيما بعد جزءاً من الدولة الاسلامية، مع إختلاف المسميات والتسميات حتى فترة تأسيس المملكة العراقية في عشرينيات القرن الماضي، وجزء من فترة النظام الجمهوري نهاية الخمسينات، والتي اصبحت فيها البلاد تبحث عن التموضع كدولة متموضعة وليست مُضيفة، وبعد احداث كبرى وتحولات دراماتيكية من حروب وصراعات وانقلابات وحصار دولي شامل ومواجهات عسكرية أكثر شمولية، وإنتهاء بالتغيير وسقوط النظام السابق بات العراق وبفعل تأثير هذه المراحل دولة تسعى جاهدة لإن تكون لها علاقات متوازنة كدولة (مُضيفة) مع الدول الاخرى .
ـ مانوع العلاقات المناسبة لدولة مثل العراق ؟
بطبيعة الحال ووفقا للمعطيات التأريخية فأن العلاقات التوسعية لاتناسب العراق كدولة سواءً كانت هذه العلاقات ناتجة من العراق أم من دول الجوار الأقليمي، ذلك انه في حال كون العلاقة عراقية ابتداءً فهذا يعني ان يتحول العراق الى فكر توسعي مما يخلق مشاكل لا نهاية لها للبلاد، وتجلب المزيد المزيداً من الاعداء والمعاداة، بل إنها لاتعدو عن كونها مجرد مغامرات عبثية اضافية تثقل كاهل العراق، الذي يعاني اصلاً من تبعات هكذا سياسات ، وعلى مر التأريخ العراق نجد أرض الرافدين ومع ضعف امبراطوريته و سطوته تتحول الى أرض محتلة، وتقبع تحت الاحتلال لفترات طويلة نسبيا، ومن ثم تفرض عليها علاقة جديدة لدول ذات نهج توسعي وذات مصالح احادية للطرف الاخر لتغرق البلاد في مشاكلها الداخلية، البينية تارة وفي محاربة الفكر التوسعي للاطراف الخارجية تارة اخرى، وفي كل الاحوال يكون البلد مسلوب الإرادة ويفتقر لمقومات وخطط الاعمار والبناء. مما تقدم يتضح لنا بأن العراق لم ينجح عمليا وعبر العديد من مراحله الزمنية الممتدة طويلا في عمق التأريخ، ان يكون بلداً متموضعاً أو حتى مُضيفاً للتموضع وانما تأرجح بين التوسع والتوسع المضاد له أي بمعنى استباحته.
ـ العراق وعلاقاته الدولية
ان التعامل مع الدول ذات النهج التوسعي فيه كثير من المخاطر، حتى وان كان يحمل الكثير من المغريات، من دعم مالي أو إعتباري، ذلك أننا هنا إزاء تعامل هو أقرب الى تعامل انسان أعزل مع كائن عملاق بمخالب شرسة وقاسية، مما يعني ان اي تعامل وتعاون مع هذا العملاق بدون دراسة مستفيضة تؤدي بالنتيجة الى فقدان ذلك الانسان الاعزل لكثير من مقوماته للتعاطي مع الكائن العملاق الذي لابد وأن يستفرد به يوما ما وينشب به مخالبه. لذا يتوجب هنا إدراك وتوخي النتائج المحتملة أن لم تكن الحتمية. فالتعامل يجب أن يكون على قدر التعامل والمسؤولية والأهداف والنتائج.
بغير ذلك نرى ان افضل العلاقات في الوقت الراهن للبلاد هي مع الدول ذات النهج التموضعي والتي تبحث عن فرص العمل والتطوير الإقتصادي والإستثمار والتنمية. مع الالتزام بإحترام خصوصية البلد، وان تخضع هذه التموضعات لإتفاقيات متعارف عليها دوليا والتي تجعل من العراق دولة مُضيفة، مما يدعم الاستقرار والنهوض الاقتصادي، وعلى أمل ان يتحول العراق ولو بعد حين من دولة مُضيفة الى دولة ذات تموضع مع بلدان اخرى ، ينبغي القول ان تحول اي دولة الى دولة تموضع لا تحتاج الى قوة عسكرية او مساحة جغرافية او عدد سكاني كبير او موارد طبيعية هائلة وانما الى رؤى مستقبلية وآنية سليمة والامثلة اكثر من ان تعد وتحصى، ويكفي ان نشير الى سنغافورة كاحدى الدول المتموضعة دولياً في حين ليست لهذه الدولة اي مورد طبيعي فعلي او مساحة جغرافية كبيرة او قوة عسكرية لافتة. وهناك دول كبرى وعظمى فضلت سياسة التموضع على السياسات التوسعية بالرغم من امكانيتها في التوسع العسكري والامني، لكنها سخّرت كل امكانياتها كدول كبرى للتحول الى دولة ذات تموضع في الدول الاخرى بعيداً عن التوسع مثل المانيا واليابان و دول كثيرة اخرى، والتي تنبذ الفكر التوسعي رغم امكانياتها وتعمل وفق منهج التموضع ( ويمكن الاعتماد في اختيار الدول من خلال سلوكياتها السابقة مع حالات مشابهة لما مر ويمر به العراق ). وهي دعوة للبدء بالنظر بعين الواقعية الى مجريات الاحداث. والعمل على رسم خارطة طريق للعلاقات الخارجية مما ينعكس ايجابا في مسألة النهوض بالعراق سليماً معافى وخالٍ من ارهاصات سياسية وتعقيدات مجتمعية. ذلك ان بناء الدولة وسيادتها لن تكتمل بغير علاقات خارجية رصينة .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *