الصدر والقوى السياسية امام خيارين أحلاهما مر

فرهاد علاء الدين
14 اب 2021
برغم اقترابنا من الموعد المقرر للانتخابات المبكرة في العاشر من تشرين أول القادم لازال الجدل دائراً حول اجراء الانتخابات من عدمها كذلك الكتل السياسية لم تبدأ حملاتها الانتخابية المعهودة. ولعل السبب الأساسي في ذلك ان التشكيك في اجراء الانتخابات مازال مهيمنا على القوى السياسية بدليل انها مازالت مترددة باطلاق الانفاق على حملاتها خشية تأجيل الانتخابات وبالتالي تورطها بخسارات مالية قد تحرمها من خوض الدور الثاني للانتخابات في حال التأجيل.
عقدت القوى السياسية اجتماعا موسعا بحضور الرئاسات الاربع والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) في 7 آب 2021 وقال مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون الانتخابات حسين الهنداوي في تصريح صحفي بان “الحاضرين أكدوا على الالتزام بموعد إجراء الانتخابات في العاشر من تشرين الاول المقبل”. واكد مصدر شارك في الاجتماع بانه تم مناقشة مقاطعة بعض الأحزاب وقرر المجتمعون ارسال وفد يمثل القوى السياسية للقاء التيار الصدري وحثه على التراجع عن قراره بعدم المشاركة الذي أصدره زعيم التيار مقتدى الصدر في 15 تموز 2021.
الانتخابات من اجل الانتخابات
اطلق المتظاهرون في تشرين 2019 دعوات تغيير الحكومة والنظام السياسي برمته، فدعا زعيم التيار الصدري في 28 تشرين الأول 2019 الى الانتخابات المبكرة وقال “على الأخ عادل عبد المهدي الحضور تحت قبة البرلمان للإعلان عن انتخابات مبكرة، وبإشراف اممي، وبمدد قانونية غير طويلة”.
ايدت المرجعية العليا في النجف الاشرف هذه الدعوة في خطبة الجمعة يوم 20 كانون الأول 2019 عندما قالت ان “الشعب هو مصدر السلطات ومنه تستمد شرعيتها ـ كما ينص عليه الدستور ـ وعلى ذلك فإنّ أقرب الطرق وأسلمها للخروج من الأزمة الراهنة وتفادي الذهاب الى المجهول أو الفوضى أو الاقتتال الداخلي ـ لا سمح الله ـ هو الرجوع الى الشعب بإجراء انتخابات مبكرة”.
لذا فأن الدعوة للانتخابات كانت “اقرب الطرق واسلمها للخروج من الازمة” وكانت الازمة في حينها قد بلغت أشدها وسط تصاعد حمى التظاهرات برغم القمع الذي مورس لإخمادها، والتي أدت الى استقالة الحكومة مما زاد المشهد تعقيدا غير مسبوق. فاذا كانت هذه الحالة غير موجودة والتظاهرات انتهت وفرضية الاقتتال الداخلي لم تعد حاضرة فلابد ان نسأل: لماذا اجراء الانتخابات بالرغم مقاطعة المنادين بإجرائها وما الهدف منها؟
اذا كان الجواب بانه تلبية لدعوات المرجعية، فان المرجعية لم تعد تهمها اجراء الانتخابات من عدمها والتزمت الصمت حيال كل ما يجري في الساحة السياسية، وتوقفت عن إعطاء النصح والارشاد للقوى السياسية والحكومية في خطب الجمعة وباتت لا تعطي الرأي الصريح، وتم استغلال هذا الصمت من قبل القوى السياسية من خلال تداول ما يقال على لسان المقربين من المرجعية واستغلاله لمصالحها الذاتية. ان كان الجواب ان التأجيل جاء تلبية لدعوات المتظاهرين، على تلك القوى ان تعلن بأن قرارها جاء بعد التفاوض مع ممثلين عن جموع المتظاهرين بكل الوانهم وتعدد ساحاتهم.
وفي حال الدفع بمسوغ السعي والحرص على تغيير النظام الحالي، فكيف يتغير النظام بمشاركة ذات الأحزاب الحاكمة سواء بالتغيير او المشاركة بالانتخابات والتي ستتسيد المشهد الجديد كالعادة عبر كل انتخابات؟!.
وردا على من يرى بأن الموقف يأتي لتجديد شرعية الحكومة وعدم حصول فراغ دستوري، فان الحكومة الحالية قانونية دستورية ولا تنقصها الشرعية.
أن أسباب الإصرار على اجراء الانتخابات وسط مقاطعة المنادين بها غير واضح ولا يوجد هدف محدد بعينه من الممكن ان نشير اليه في حقيقة الحال سوى ان الدعوة للانتخابات المبكرة تأتي لظروف خاصة مر بها البلد وهذه الظروف لم تعد قائمة. ومن الواضح ان الأهداف والأسباب تختلف من حزب لآخر.
مشاركة الصدر في الانتخابات
يشتد النقاش بين النخب حول اجراء الانتخابات من دون مشاركة التيار الصدري، حيث يرى البعض بان العملية السياسية اكبر من أي حزب او كتلة سياسية وقرار المشاركة من عدمه اختيار ذاتي بحت وعلى هذا الأساس فان البعض يصر على اجراء الانتخابات في موعدها المحدد. وهناك من يرى بان الانتخابات من دون مشاركة التيار مغامرة لا تحمد عقباها.
التيار الصدري يمثل شريحة واسعة من المجتمع الشيعي العراقي والطبقة الفقيرة، وله حضور قوي في الشارع السياسي وقادر على الخروج بعشرات الالاف من المتظاهرين في بغداد والمحافظات الجنوبية بشكل عام، وبإمكانه شل عمل أي حكومة يعارضها كما أثبتت التجارب العملية في 2015 و2019.
أضف لذلك امتلاك التيار الصدري قوة عسكرية فاعلة على الأرض ولديه إمكانية المواجهة المسلحة مع الحكومة وقواتها العسكرية اذا ما تم حصره في زاوية ضيقة، وهذا ما يتخوف منه أغلب المراقبين.
التيار الصدري كان ومازال يشكل عامل توازن جوهري في الساحة السياسية والشارع الشيعي اذ انه اصبح مصد للتيار المحافظ المتشدد بوجه التيار المعتدل والمدني في البرلمان، وفي الشارع وفر التيار الصدري حماية كبيرة في الأيام الأولى لانطلاق تظاهرات تشرين وقدم دعما لوجستيا كبيرا مما ساعد على اطالة أمد التظاهرات لأشهر عدة. وتراجع زخمها اي التظاهرات فور نشوب الخلاف بين المتظاهرين والتيار بعدما سحب عنهم الحماية والدعم اللوجستي.
معادلة البرلمان وتشكيل الحكومة
عدم مشاركة التيار الصدري في الانتخابات يعني خروجه من المعادلة البرلمانية والحكومية و نتيجتها اختلال التوازن السياسي الشيعي وفوز الأحزاب المنتمية للمحور المحافظ بأكثرية المقاعد البرلمانية وهيمنته على القرار السياسي والبرلماني. كان مقتدى الصدر سببا رئيسيا في عدم تولي المرشحين المقربين من تحالف الفتح رئاسة الحكومة في 2020 بالرغم من طلبه الرسمي من رئيس الجمهورية بتكليف قصي السهيل، فيما كان له دور أساسي بالتعاون مع كتلة الفتح في تشكيل حكومة مصطفى الكاظمي واختيار كابيتنه الوزارية. وفي حال غيابه البرلماني فان قوى المحور المحافظ ستقود الحكومة القادمة بلا أدنى شك.
ليس مستبعدا ان يعمد المحافظون الى اختيار أحد صقورهم المتشدد لتسنم منصب رئيس مجلس الوزراء وبذلك يصبح التيار الصدري امام امر واقع صعب، فاذا اختاروا المعارضة وخصوصا في الشارع والخروج في تظاهرات، فانه سيصطدم بقوى امن الدولة ولن تتردد هذه القوى في استخدام القوة لردعه كما فعلت في السابق، وبذلك قد نصبح امام موقف خطير من المواجهة قد تفضي الى اقتتال شيعي – شيعي. واذا لم يختار التيار الصدري المعارضة فانه سيفقد زخمه السياسي والجماهيري وسيتجه اتباعه نحو الأحزاب الحاكمة لنيل الوظائف والخدمات والحماية.
يرى مراقبون بان التيار الصدري قد يتكبد خسائر كبيرة اذا جرت الانتخابات في حال عدم مشاركته، وقد تكون بداية النهاية له كتيار سياسي وبخلافها تكون بداية معارضة دموية وفترة عصيبة في قادم الايام، وفي كلتا الحالتين فان احتمالية نجاحه مشكوك فيه وقد يتعرض التيار وكوادره لمخاطر وتهديدات كبيرة.
الحل وسط طريق وعر
تراجع العراق بشكل ملحوظ خلال 18 عاماً من الحكم الجديد، ولا يختلف اثنان على ان النظام السياسي الحالي فشل في خدمة الوطن والمواطن على حد سواء. وان الطبقة السياسية الحاكمة لم تتمكن من تنفيذ مسؤولياتها في بناء الدولة ومؤسساتها، بل انها كانت السبب بانهيار مؤسسات الدولة وأصبحت الوزارات والدوائر الحكومية اقطاعيات سياسية تتحكم بها أحزاب السلطة، وتسخير مواردها لمصالحها الحزبية. أن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولا من وجهة نظر الشارع العراقي في ظل عدم كفاية موارد الدولة لسد احتياجاتها وتغطية الانفاق العام. حتى أن ملامح الانهيار الوشيك أصبحت ظاهرة للجميع، بل ان التكهن بتوقيت الانهيار القادم لم يعد صعبا هو الآخر، ولعل العامل الوحيد الذي دون الانهيار المتوقع هو تعافي أسعار النفط في الأسواق العالمية، وعندما تهبط هذه الأسعار الى مستويات متدنية كما حصل في عام 2020 فان هذه الأحزاب لن تتمكن من الوقوف بوجه السيل الجارف لثورة الجياع القادمة لامحالة، ومازلنا نتلمس الارتفاع المخيف لمعدلات الفقر نحو مستويات غير متوقعة مع تزايد اعداد العاطلين عن العمل لتصل الى الملايين وهؤلاء بالتأكيد لن يقفوا مكتوفي الايدي امام انحسار وتلاشي سبل الحصول على الحد الأدنى من المعيشة فيما تتنعم الأحزاب واتباعها بموارد ومقدرات الدولة.
يجب على الأحزاب الحاكمة ان تستفيق من سباتها العميق وان تعلم بانها ستواجه تحديات كبيرة قريبا وانها لن تكون في منأى من الغضب الجماهيري وحينها لن تنفع الوعود بالإصلاح والتغيير التي سأم منها الشارع العراقي. لذا من الأفضل ان تعمد القوى السياسية الى اصلاح النظام السياسي والتنازل عن امتيازاتها ومكاسبها من اجل الشعب والا فانها ستخسر كل ماتتنعم به اليوم بين ليلة وضحاها.
أن الدعوة الى المشاركة الواسعة في الانتخابات هي البداية السليمة لطريق الحل الواقعي والمقبول، بما في ذلك دعوة الجهات المقاطعة الى المشاركة والعمل معا على تعديل القانون الانتخابي لمنع التزوير واجراء انتخابات نزيهة وشفافة تضمن مشاركة واسعة من كافة اطياف ومكونات الشعب. لم يعد امام الجميع متسعا من الوقت وبالإمكان تدارك الأمور قبل فوات الأوان، وبخلافه فإننا نقترب من انهيار حتمي للنظام السياسي الحالي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *