الصدر يحرك الجمود السياسي متطلعاً إلى حكم العراق

فرهاد علاءالدين
3 كانون الاول 2020
تمكن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وكعادته بتحريك الجمود السياسي الراهن، عقب الكشف عن نيته بتصدر المشهد والظفر برئاسة الوزراء عقب الإنتخابات القادمة.
وجاء الإفصاح عن هذه النية عبر تغريدة نشرها صالح محمد العراقي المقرب من الصدر، بحسابه على تويتر جوابا على سؤال بقوله “لو أنكم اجتمعتم لتحصيل نسبة أعلى من النواب لتمكن قائدكم من اختيار الأفضل بلا تأثيرات جانبية من هنا او هناك”.
هذه التغريدة أعقبها حراك جماهيري لافت من قبل التنظيمات السياسية العائدة للتيار الصدري بتنظيم صلاة الجمعة في ساحة التحرير بحضور حاشد تأييداً لتوجه زعيم التيار بتصدر المشهد السياسي الحاكم.
دعوة السيد الصدر اثارت مخاوف العديد من منافسيه، والتي قد تؤدي الى تصاعد ملحوظ بحراك حزبي محموم لمعظم القوى السياسية، لإنها وببساطة تدرك جيدا أن الإنتخابات القادمة ستكون مصيرية، وسط تزاحم غير مسبوق للأحزاب والتيارات والحركات الناشطة والمستجدة داخل حلبة الصراع السياسي والبالغ عددهم 240 حزباً و52 تحالفاً مسجلاً لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. الى جانب كون التغيير الجذري في قانون الانتخابات الجديد قلب الموازين المتوارثة لصالح بعض التيارات على حساب تيارات تقليدية كانت تتزعم المشهد المعتاد عقب كل انتخابات.
التغييرات المتوقعة في الساحة الشيعية
يتسابق خبراء الانتخابات لدى الأحزاب على التكهن بالتغيرات التي ستطرأ على المشهد السياسي الشيعي بعد الانتخابات، وتوقع حظوظ كل حزب وكيان سياسي تمهيداً لإختيار وتحديد وجهة التحالف مع هذا الكيان أو ذاك.
يكاد الجميع يتفق على أن التيار الصدري سيتصدر المشهد ويحصل على اكبر عدد من المقاعد، لعدة أسباب من بينها امتلاكه افضل وانجح ماكنة انتخابية متمرسة وخبيرة في شؤون الادارة والإستقطاب والتحكم، وامتلاكه لقاعدة واسعة من جمهور منضبط الأداء ومخلص الولاء ومتواجد بكثافة في العاصمة بغداد الى جانب مدن وسط وجنوب العراق.
ومما يزيد من التفاف هذا الجمهور حول تياره إدراكه لتزايد نفوذه عقب كل انتخابات يخوضها، حتى تم له تصدر المشهد عقب إنتخابات 2018. كذلك شكل التيار القطب المؤثر في تشكيل الحكومتين السابقتين وإختيار الرئيس لكل منهما على التوالي. وهما عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي. الى ذلك حرص التيار على إستثمار التشظي الحاصل داخل القوى الكبيرة والمؤثرة وأفول نجم بعض قادتها. والأهم من كل ذلك ثبات والولاء والإنتماء الحقيقي لجمهور التيار غير القابل للتحول مهما كانت مغريات الحملات الإنتخابية المنافسة، أي أن هذا الجمهور قد حسم أمره ليس بالتزامن مع موعد الإنتخابات بل حتى قبل إنطلاق التجربة الديمقراطية ودخول التيار كقوة سياسية منظمة تنافست مع أحزاب وحركات عريقة، وتفوقت عليها.
على العكس من التيار الصدري، نلاحظ تراجع نفوذ تحالف الفتح بسبب الانشقاقات والخلافات الداخلية بين الكتل المنضوية جراء الإختلاف بالمنهج او التوجه. إلا أنها تسعى اليوم جاهدة للملمة صفوفها وتوحيد مواقفها، لتدارك تراجع نفوذ تحالفها. لأنها باتت متيقنة تماما من قدرة التيار الصدري على إشغال أي مساحة تبدو له خالية من الوجود والتواجد المؤثرين لهذا الحزب او ذاك. المفاوضات الجارية داخل تحالف الفتح والهادفة الى إعادة هيكلة التحالف من جديد تؤكد ادراكهم لجدية وخطورة التنافس الصدري وحضوره المؤثر. وتفيد معلومات بأن ثمة توافق قد تحصل داخل تحالف الفتح على تصدر زعيم عصائب اهل الحق قيس الخزعلي للتحالف بدلاً من هادي العامري، كون العصائب لديها هي الأخرى جمهور منضبط وماكنة انتخابية ناشطة وحضور ميداني لافت الى جانب تبنيها خطاب المقاومة.
والملاحظ هنا ان منظمة بدر في تراجع واضح يكاد يقترب من مغادرة مشهد المقاومة بالرغم من كون هادي العامري يعد الأقرب الى قيادة الحشد وعرف بكونه احد قادة المعارك الكبرى لقوات الحشد ضد تنظيمات داعش في مختلف مدن العراق، وكان له دور بارز في تأسيس هيئة الحشد الشعبي. لكن الخلافات الداخلية في البيت البدري والصراع على المناصب الذي لم يعد خافيا بين قادته أدى الى اضعاف دور بدر في الحفاظ على قوة تحالف الفتح. يضاف الى ذلك ايضا الخلاف الحاصل بين هؤلاء القادة بين معاداة واشنطن او التناغم معها أملا بالحصول على دعمها خاصة عند اقتراب موعد تشكيل الحكومة الذي يعقب كل إنتخابات. لاشك بأن تحالف الفتح يعد المنافس الحقيقي للتيار الصدري، لكن التغيرات الطارئة داخل التحالف ستغير بالتأكيد مسار وشكل وجوهر التحالفات المتوقعة عند تشكيل الحكومة القادمة.
تحاول كتل وتحالفات سياسية أخرى مثل عراقيون ودولة القانون وتحالف النصر إعادة تنظيم صفوفها وترتيب تواجدها على الأرض إستعداداً للسباق او لنقل الصراع الإنتخابي. عراقيون بقيادة عمار الحكيم دأبت منذ مدة على استقطاب شخصيات سياسية واجتماعية للانضمام الى كتلتهم، فيما تحاول دولة القانون بقيادة نوري المالكي إيجاد تحالف جديد، وثمة تكهنات تشير الى أنها سوف تنضم الى تحالف الفتح، فيما يرى آخرون بانها ستتحالف مع قوى أقل حضورا من بينها المجلس الأعلى الإسلامي بقيادة همام حمودي. تحالف النصر من جانبه يسعى للحفاظ على كيانه من دون أي تغيير، لكن حظوظه باحتواء بعض الشخصيات المؤثرة واقناعها بالبقاء داخل التحالف أصبحت ضئيلة.
قوى سياسية جديدة بدأت تتشكل حديثا تمثل نتاج ما افرزته إنتفاضة تشرين التي عمت العاصمة بغداد ومدن جنوب العراق منذ نحو عام. وتسعى لتكون ممثلة للمتظاهرين. واغلبية المتصدين هنا هم من قادة التظاهرات، وابرزها حزب المرحلة الذي يعول على الشارع المنتفض بالدرجة الأساس، ومؤسسيه هم من المقربين جدا من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، ويراهنون على علاقتهم الوثيقة بالكاظمي، وإمكانية الإستفادة من إمكانيات الحكومة في استقطاب الحلفاء من الشخصيات اللافتة، او الحصول على التمويل والدعم الإعلامي بل وحتى اللوجستي. لكن ليس من الواضح حتى الآن ان كان الحزب الجديد سينضم الى أي من التحالفات المرتقبة أم لا، إلا ان الأقرب أليهم هم عراقيون، فهم يدركون ان كليهما يتنافسون على نفس فئة الناخبين ودخولهم في تحالف فيها الكثير من المنطق الانتخابي، والعراقيون قد يحاولون جذب حزب المرحلة لما يملكه من حضور بدعم من رئيس الوزراء، خاصة اذا ما تحسن أداء الحكومة، وتمكنت من إجتياز الازمة المالية، التي افقدت رئيسها الكاظمي رصيداً لا يستهان به جراء تأخر دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، والذي قد يتكرر ثانية خلال الاشهر الاولى من السنة القادمة.
الدوائر الإنتخابية والمقاعد البرلمانية
تنحصر المقاعد الشيعية في 52 دائرة انتخابية من الموصل وصلاح الدين وديالى وبغداد والمحافظات الجنوبية، ويتنافس القوى الشيعية على 175 – 178 مقعداً تتوزع على مجموعتين، الأولى تضم سائرون، الفتح، عراقيون والمرحلة، وقد تحصل هذه المجموعة على ما يقارب من 140 – 150 مقعداً، فيما تتكون المجموعة الثانية من دولة القانون وتحالف النصر، والأحزاب الصغيرة من الشخصيات المستقلة تتنافس على مايقرب من 28 – 38 مقعداً.
القوى السنية من جانبها تتنافس على نطاق 34 دائرة انتخابية، من المتوقع ان تكون حصتها بين 78 – 82 مقعداً بعد استعادة بعض المقاعد التي خسرتها بالإنتخابات الماضية في بعض المناطق المختلطة مثل حزام بغداد، وتنحصر المنافسة في الوقت الحالي بين كتلتين أساسيتين، اتحاد القوى والجبهة العراقية، بالإضافة الى الشخصيات المستقلة. المنافسة الأهم ستكون بين اتحاد القوى بقيادة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي وتحالف الجبهة العراقية الذي يضم زعامات سنية من بينها خميس الخنجر واحمد الجبوري (أبو مازن) وأسامة النجيفي وغيرهم، لكن ليس من المؤكد ان تخوض هذه الجبهة الانتخابات بالتشكيلة الحالية اذ ان الأحزاب المنضوية داخلها لديها خلافات عميقة ولا يجمعها قاسم فكري او عملي مشترك. فيما تخوض بعض الأحزاب الصغيرة المنضوية داخل اتحاد القوى غمار الانتخابات لوحدها لتقرر فيما الدخول بتحالفات فائزة.
المحافظات السنية ستشهد منافسة حادة بين الشخصيات والأحزاب، ستكون المنافسة منحصرة بين الحلبوسي والخنجر في الانبار، وفي صلاح الدين سيكون التنافس بين الخنجر واحمد الجبوري (أبو مازن) بشكل رئيسي، في حين ستتنافس جميع القوى السنية في الموصل وبغداد وهاتين المحافظتين ستحددان هوية الكتلة السنية الاكبر.
أما الأحزاب الكوردية فإنها ستتنافس في 19 دائرة موزعة على محافظات الإقليم الثلاث إضافة الى كركوك ونينوى وديالى وصلاح الدين، ومن المتوقع ان يحصل الكورد على 56 – 60 مقعداً بحسب تحالفاتها في نينوى وكركوك وديالى. وتبقى المنافسة الأساسية بين الحزبين الكبيرين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديموقراطي الكوردستاني، وقد يتراجع أداء حزب التغيير والجيل الجديد، وتبقى الاحزاب الإسلامية محتفظة بمقاعدها.
موعد الانتخابات
الدعوة لإجراء الانتخابات مبكرة كانت قد اطلقتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف عقب إندلاع تظاهرات تشرين الدامية العام الماضي، والتي دفعت عادل عبد المهدي لتقديم إستقالته من منصبه كرئيس للوزراء، وبالتالي تشكيل حكومة جديدة في شهر أيار 2020 برئاسة مصطفى الكاظمي الذي حدد يوم 6 حزيران 2021 كموعد للانتخابات المبكرة، لكن حتى اللحظة لا يوجد أي مؤشر على ان الانتخابات ستجري بموعدها، والاعتقاد السائد ان الموعد المناسب سيكون نهاية تشرين الأول او بداية تشرين الثاني في ذات العام، بل أن بعض التوقعات تذهب الى إجراء الانتخابات بموعدها الدستوري اي في عام 2022.
الازمة المالية الخانقة التي تعصف بالبلاد وقد تتسبب بعجز حكومي متوقع، قد يفضي الى حراك سياسي غير مسبوق لإجراء الانتخابات في موعدها او حتى اقرب من ذلك، في محاولة للهروب من الازمة المالية وإشغال الشارع العراقي بالإنتخابات. بهدف اختيار وتشكيل حكومة جديدة لكسب المزيد من الوقت.
من الواضح القوى السياسية بشكل عام غير مدركة لخطورة الازمة الاقتصادية وغير مكترثة تماما لما ستؤول اليه وضع البلد من سوء في الحالة المعيشية لجميع المواطنين، اذ ان الأكثرية منهم يعتقد بان أسعار النفط سترتفع والمساعدات الدولية لن تتوقف والعراقيين “متعودين” على الحالات الصعبة ولن يحصل شيء. وهذا بعكس ما يذهب اليه المراقبون بان الوضع سيتدهور لحد انهيار البلد ولا يستبعد البعض منهم نشوب الحرب الداخلية بين الجماعات المسلحة للاستيلاء على الموارد وتوسيع النفوذ.
العودة الى الصدر
يحتدم الجدل حالياً بين مراقبين حول إمكانية حصول التيار الصدري على عدد كبير من المقاعد، حيث يعتقد البعض بان عدد مقاعد التيار ستكون اقل من مقاعده الحالية والبالغة 54 مقعد، فيما يذهب البعض الاخر الى انه سيحتفظ بمقاعده الحالية وقد تزداد لتصل الى نحو 60 مقعداً، وهو الرقم الأكثر ترجيحاً. لكن آخرين يتوقعون بلوغ التيار نحو 70 مقعداً، آخذين بنظر الاعتبار عزوف أعداد كبيرة من المواطنين عن المشاركة خاصة من الجمهور غير المحسوب على قاعدة التيار الصدري بسبب حالة الاستياء والسخط جراء تراكم الأزمات وفشل الطبقة السياسية الحاكمة من إدارة شؤون البلاد بشكل سليم، مما يتيح الفرصة امام الشارع الصدري لزيادة غلته من المقاعد وبالتالي تمكنه من الإستحواذ على دفة الحكم.
هذه السيناريوهات المحتملة كلها تصب في صالح التيار. مما يعني أنه وفي أسوأ الإحتمالات سيتحالف مع الاخرين لإختيار رئيس الوزراء القادم مع احتفاظه بحق الفيتو كما حصل عام 2018، أو انه فعلا سيحتفظ برئاسة الوزراء اذا ما فاز بمقاعد اكثر من المتوقع.
ان فكرة تشكيل حكومة صدرية ليست جديدة، وقد راودت من قبل قيادات داخل التيار لسنوات عديدة، وقامت تلك القيادات فعلا بتهيئة كوادر متقدمة بإنتظار هذه اللحظة، فهناك من يشير الى عدد من الشخصيات المعروفة من بينهم أمين عام مجلس الوزراء حميد الغزي، والنائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن الكعبي، ورئيس الهيئة السياسية السابق ضياء الاسدي، في حين تشير توقعات من داخل التيار الى جعفر الصدر سفير العراق حاليا في لندن في حال قرر زعيم التيار اختيار مرشح من بيت آل الصدر.
لعل السؤال الأهم هنا أن كان التيار الصدري ممثلا بزعيمه مقتدى الصدر يرفض رفضا قاطعا تعامل كوادره مع المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، فكيف سيعالج هذا الرفض في حال تسنمه رئاسة الحكومة؟! أذ لابد للعراق وإنطلاقا من حاجته المتزايدة من تعامل وعلى اساس علاقات وثيقة مع واشنطن. صالح محمد العراقي المقرب من زعيم التيار سبق له وان تفادى التعليق على هذا التساؤل المهم، ولكن هل بإمكانه تجنب الإجابة عليه مستقبلا؟ وخصوصا خياراته لن تكون كثيرة في هذا المجال.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *