العراق وأثر الكوبرا

د.طورهان المفتي
25 ايار 2021
قد يتراود للوهلة الاولى للقارىء الكريم بان الكوبرا لا نعني به هنا الثعبان وانما مصطلح اخر، لكن في الحقيقة فإن (اثر الكوبرا) كمصطلح يعني الثعبان، فماهي هذه الظاهرة وما هي علاقتها بالعراق؟
يرجع اطلاق مصطلح اثر الكوبرا (Cobra Effect) الى سنوات كثيرة مضت حين كان التاج البريطاني يحكم شبه القارة الهندية، فقد عانت الحكومة هناك من انتشار كبير لثعابين الكوبرا السامة في ارجاء المدن والقصبات والتي خلقت نوعاً من الهلع لدى الجالية البريطانية وعلى هذا الاساس وضعت الحكومة مكافئة مالية لكل من يقتل ثعباناً ويسلمه للحكومة هناك، بعد مرور فترة من الوقت تحول هذا الموضوع الى تجارة مربحة لدى الهنود فقام الهنود بتربية الثعابين في البيوت لغرض تسليمها للحكومة لاخذ المكافئة المالية، مما انهكت الخزينة الحكومية للزيادة اليومية بعدد الثعابين التي تجري تسليمها الى الحكومة، وحين تم اكتشاف هذه الخدعة التجارية توقفت الحكومة عن دفع المكافئات واستلام الثعابين فما كان من مربي ثعابين الكوبرا إلا ان يطلقوا هذه الثعابين في المدن والمناطق السكنية، فتحولت المشكلة الطبيعية لتواجد الكوبرا هناك الى معضلة كبرى بسبب الاعداد الكبيرة من الثعابين التي تم اطلاقها هناك لعدم وجود مكافئة في تسليمهم الى الحكومة فاصبحت الحكومة امام مشاكل اقتصادية مالية من جهة، ومن جهة اخرى امام مشاكل الحفاظ على حياة المواطنين من هذه الثعابين السامة .
وعلى ما ذكر اعلاه يمكن تعريف ظاهرة اثر الكوبرا بانها الاتيان بحلول غير صحيحة وغير مكتملة النضوج لمشاكل آنية لتكون النتيجة الفشل في حل المشكلة الآنية وخلق مشاكل اخرى كثيرة وكبيرة لايمكن حلها سريعاً وخلق فوضى قد تستمر لسنوات في المرافق المختلفة للحياة، وممكن ان نقول بان هذا المصطلح يشبه المثل الشعبي الدارج (جا يكحلها عماها) .
هل هناك ظاهرة اثر الكوبرا في العراق ؟
بكل تاكيد فالعراق ومنذ تشكيله كدولة فيه هذه الاعراض والامراض، فالحكومات العراقية على طول خط الدولة كانت تبحث عن حلول سريعة لمشاكلها من دون دراسة فعلية لابعاد تلك المشكلة او مسببات المشكلة، وعلى هذا الاساس تكون النتيجة معاقة و تعاني من اخلالات كبيرة اكثر من المشكلة نفسها ،فقد يكون افضل مثال على ظاهرة اثر الكوبرا في العراق هو احداث دخول العراق للكويت فبسبب عدم الاتفاق على اسعار النفط وحيثيات الانتاج وتفاصيل جانبية دخل العراق الى الكويت ليخرج منها دولة مهدمة الاركان والبنى التحتية وليدخل العراق في حصار اقتصادي لاكثر من عقد من السنوات وليأتي هذا الحصار على الاخضر واليابس في هذه البلاد ولتنتج عاهات وامراض ويقضي على مئات الالف من العراقيين نتيجة قلة الدواء والغذاء الناتج من الحصار الاقتصادي فكان اثر الكوبرا كبيرة جدا وواضحة في هذه السياسة، علما ان الحكومة العراقية انذاك لوكانت مستندة الى خبراء في التعامل الدولي وخبراء النفط والاقتصاد لكان من السهل جدا ايجاد حل في هذه المعضلة من دون الحاجة الى استخدام السلاح ومبدأ القوة وعليه تم فرض الحصار الاقتصادي على البلاد كنتيجة لهكذا تهور .
ماذا الان؟
بعد اسقاط النظام السابق في ٢٠٠٣ كانت البلاد شبه خربة، فالبنى التحتية مدمرة و ان بقيت صالحة فهي قليلة وغير كافية لسد النقص، الموازنة الحكومية فارغة و البنك المركزي يحوي على بقايا العملة الصعبة، الفوضى في كل مكان، حل وتفكيك الكثير من اجهزة الدولة ،وجود حالة عدم القناعة بالتغيير، انتشار الفقر، نقص في الطاقة الكهربائية، مجتمع خارج خط التطور ومواكبة العالم بسبب الحصار الاقتصادي و و و و الخ .
قامت الحكومات المتتالية في السلطة بعد ٢٠٠٣ في محاولات ايجاد حل للمشاكل اعلاه ولكن دون جدوى، بل واضيفت الى هذه المشاكل مشكلة الارهاب والاختناق الطائفي ونظام المحاصصة في تشكيلة الدولة وظهور الفعاليات الديموقراطية المتمثلة بالانتخابات بصورة اساسية لتكون الديموقراطية جزء مساهم في تعميق اثر الكوبرا في البلاد على غير ما كانت مؤملة عليها .
امام هذه التحديات الكبرى واحتمالية تغير الحكومات كل اربع سنوات ظهرت لدينا سياسية الترقيع في حل المشاكل (تجزئة الحلول بديلاً عن تجزئة المشاكل) والتي لم تكن هي من بنات افكار الحكومات ولكن تعقيدات التحديات الكبرى ومرة اخرى الديموقراطية الناشئة في تغير الحكومات جعلت سياسة الترقيع هي الحل الامثل على امل تكملة حل المشكلة في اربع سنوات اخرى من عمر اي حكومة فظهرت لدينا اثر الكوبرا في كل مرفق من مرافق الدولة العراقية فمثلا تم فتح باب التعيين الحكومي بدون معرفة فعلية للحاجة الوظيفية فخلق لدينا ترهل عملاق وتعطش كحاجة كبرى للتعيينات الجديدة وقضى على اي فرصة لنمو المشاريع الصغيرة. اعطاء قروض مالية كبرى للمستثمرين واصحاب المشاريع بدون تمحيص فعلي عن جدية هذه المشاريع ام القائمين عليها جعل جيوب الدولة خاوية في مقابل ظهور امبراطوريات عائلية وشخصية، الانتشار الافقي في المشاريع الحكومية بحاجة وبغير حاجة، جعلت غالبية هذه المشاريع متلكئة وغير مكتملة، تقديم الحكومات لعشرات الوعود امام التظاهرات المطلبية جعلت الحكومة تفقد الكثير من مصداقيتها امام المواطنين فاصبحت الحكومات محل اتهام وتهكم ولا نبالغ اذا قلنا ان هذا التاثير وصل الى الانتخابات المبكرة وتغيير مواعيدها وعدم وجود رؤية فعلية في التوجه في كيفية ادارة الدولة وانتقال السلطة فأثر الكوبرا عكست ضياع البوصلة فيما يخص العراق ومستقبله القريب .
فهل كانت الحكومات المتعاقبة تتقصد هذا الشيء، الجواب بكل تأكيد لم تكن تتقصد وانما كانت تريد تقديم منجزات وانجازات وتظهر نفسها بحال حكومة رشيدة، الا ان الاعتماد على ادوات غير ملمة بما جرى و يجري في البلاد و اخرون لم يكونوا بمستوى المسؤولية وعدم وجود دراسات فعلية لكل مشكلة على حدى مع عدم امكانية الربط الموازي للمشاكل للوصول الى تكامل الرؤية للدولة، فكل هذا و امور اخرى ادت بجميع الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣ الى ان تكون عاجزة امام حل المشاكل الفعلية للدولة العراقية بصورة جذرية و انتجت بدلًا عن ذلك تأثيرات الكوبرا في كل جزء من جزئيات الدولة العراقية .
ما هو الحل الان ؟
الحل هو بايجاد اشخاص وافراد يوعون كل مشكلة على حدى ويضعون خط بياني لحل المشاكل وان طالت اوانها وان لا يكون من اهتمام هولاء الاشخاص الانتخابات ليعملوا في صمت وبعيد عن الاجواء المشحونة لوضع رؤى فعلية لكل ملف ومشكلة ولتبدأ الحكومات القادمة بتطبيق الحلول وايجاد مخرج لارض الرافدين والانتقال بالدولة العراقية الى ما تستحقها من مكانة دولية، وبكل تأكيد فإن هكذا اجراء وحلول قد يأخذ من عمر الدولة ما لا يقل عن عشر سنوات والذي قد نراها مدة زمنية طويلة ولكنها لا تعني شيء في عمر الشعوب .بتعبير ادق فالدولة العراقية بحاجة الان الى خط شروع جديد في الاختيار والعمل وتقديم الخدمات وبناء البنى التحتية .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *