العقد الاجتماع الجديد

د.طورهان المفتي
19اذار 2021
• هذا المقال هو تتمة المقال السابق المعنون (مئوية العراق وتحديات البقاء)
هناك العديد من وجهات النظر والكثير من التعاريف الادبية حول العقد الاجتماعي واليات العمل في انتاج عقد اجتماعي جديد، الا اننا نجد ان افضل تعريف للعقد الاجتماعي هو العمل في ايجاد صيغة تعايش جماعية لفئات مجتمعية مختلفة ضمن جغرافية محددة على ان تكون صيغة المعيشة متكافلة للجميع وعدم وجود درجات تفاوت في المواطنة، وعلى هذا الاساس تقوم الفئات المجتمعية المختلفة بالتخلي من بعض طموحاتها كفئات لغرض توفير العيش الكريم والمستقر المستدام للافراد.
بالتالي فالعقد الاجتماعي يصل في نهاية المطاف الى كل فرد او مواطن في المجتمع ولا ينحصر ضمن مستوى معين او ضمن اتجاه محدد او لمرحلة زمنية وقد يكون لحادثة مؤشرة وانما هي التزام واعتماد وتوجه لمديات زمنية طويلة والذي يكون لسين من الفئات هو نفس ما يتعلق بصاد من الفئات.
العقد الاجتماعي والحوار الوطني
بكل تأكيد العقد الاجتماعي قد يحوي في بعض جنباته على الحوار الوطني ولكن بكل الاحوال لا يمكن اعتبار الحوار الوطني هو نفس العقد الاجتماعي، فالعقد الاجتماعي واسع التبويبات جدا وممكن تشبيهه بشبكة عنكبوتية عملاقة افتراضية حيث تسود علاقات معينة فيها لكل متغير مع متغيرات اخرى باتجاهات ومسافات مختلفة مع بقاء هذه المتغيرات مرتبطة مع بعضها البعض.
يبدأ العقد الاجتماعي مثلا بالتفاهمات الاقتصادية كاساس للعقد مروراً بتكافل الفرص وحرية الاعتقاد والتفكير وانتهاءاً بالاسس السياسية و ليس المرتكزات السياسية، اما ما تحصل في الحوارات الوطنية فيهي مرتكزات سياسية لمسائل استراتيجية بحلول وتوظيفات آنية ( وهذا هو جوهر المعضلة لدينا ،ذلك انه لايمكن تثبيت الحلول الآنية لمسائل ستراتيجية ابداً ، ولتقريب الفكرة نجد على سبيل المثال ؛ لاجل نجاح زراعة اي نبته فانها تحتاج الى سقاية مستمرة وبجداول زمنية معينة ولايمكن القيام بالسقي لهذه النبته من خلال توفير كمية كبيرة جدا من المياه ولمرة واحدة والانتظار منها ان تستمر في النمو والاستمرارية في البقاء حياً. ذلك ان امام هذه النبته احتمالين ،فهي اما سوف تغرق بسبب الكمية الهائلة للمياه المجهز لمرة واحدة فتموت بسبب السقي المفرط، او تستمر في النمو والحياة لحين انتهاء هذه الكمية من المياه فتموت ايضاً ، ففي كلتا الحالتين سوف تموت هذه النبته في بداية حياتها نتيجة السقي المفرط لمرة واحدة، وهذه امثولة للحل الآني لموضوع ستراتيجي فقد كان الاجدر استمرار السقي بكمية مناسبة و تقسيم هذه الكمية الكبيرة من المياه لفترات زمنية مختلفة تؤدي بالنتيجة الى استمرار النبته في النمو وقطف ثمارها في نهاية المطاف ).
فالحوارات الوطنية وبكل صراحة ما هي الا حلول آنية لمسائل ستراتيجية ومعضلات موغلة في العمق منذ عقود وتعاني منها البلاد ، وهي لا تتعدى تفاهمات سياسية بين الساسة حينما تشتد الازمات و لتنتج الحوارات الوطنية تفاهمات غير ملزمة و غير مستمرة وكذلك غير مستقرة وتخبو هذه الحوارات بنتائجها بعد انتهاء اجواء الازمات والتي في غالبيتها لاعلاقة لها باساس الحوار الوطني انما هي عملية القفز الى الامام.
لذا نرى ان الدولة العراقية بحاجة فعلية الى عقد اجتماعي جديد او تجديد للعقد الاجتماعي الموجود منذ تأسيس الدولة العراقية قبل قرن من الزمان، ولا ينتج هكذا عقد اجتماعي جديد من خلال حوارات سياسية غير ملزمة لاي طرف مشارك فيه فيما عدا الطرف الذي تبنى تلك الحوارات .
مدخلات العقد الاجتماعي
يدخل في العقد الاجتماعي كل المسائل الاستراتيجة للبلاد مثل :
اولا: قدسية فكرة المجتمع العراقي .اختيار الطرق المناسبة في استمرار وحدة البلاد وديمومتها مع عدم استصغار اي فكرة او تخطيط او مشروع مجتمعي مع الاعتماد على واقعية الرؤية.
ثانيا:النظرة الاقتصادية وادارة الاموال والموارد الطبيعية .وضع خطوات حقيقية و صحيحة بما ينسجم مع طموح المواطنين وعدم تجريد الرؤية من الانعكاس المجتمعي للظروف الاقتصادية .
ثالثا: فلسفة المواطنة. حيث تتحول الدولة الى دولة مواطنة وليست دولة حكومة وهي ماعليه الان و منذ عقود كثيرة، فمبدأ عمل دولة الحكومة هو توفير جميع فرص المعيشة لمن هو في المسلك الحكومي كموظفين و منتسبين واعتبارهم ورثة الدولة وابناءها وفي المقابل لا توفر هكذا نظام الا النزر اليسير من فرص المعيشة لمن ليس في موظفاً او منتسبا لدى الحكومة (وفي الحقيقة هذا هو السبب الرئيسي لبحث المواطنين عن فرص للتعيين في المسالك الحكومية لمعرفتهم ان الدولة لا تنظر بعين التساوي الى المواطن المتعين وغير المتعين وعليه نرى التظاهرات المتكررة للمطالبة بالتعيين لدى الدولة)
رابعا: الرؤية السياسية
تكون من خلال اعادة النظر بالقوانين التي ترعى الحركات والمؤسسات السياسية وساحات عملهم ومراقبة تمددهم على مختلف قطاعات الحياة و خاصة مسالك وفرص المعيشة مما قد تؤثر في احقية تكافل الفرص بين المواطنين، ومن جانب اخر مدى ملائمة هذه الحركات السياسية للمجتمعات العراقية وليس العكس مدى ملائمة المجتمعات العراقية لهذه الحركات وفلسفتها.
مخرجات العقد الاجتماعي
بعد تثبيت المدخلات لغرض العقد الاجتماعي الجديد فلا بد من وضع النقاط على الحروف في مخرجاته، حيث يكون :
اولا: المحافظة على وحدة البلاد. ضمن خصوصيات مجتمعية موثقة وواضحة بدون استحياء في الخطى.
ثانيا: تأسيس رسالة واضحة للدولة العراقية ( كنا قد خصصنا مقال في هذا المجال تحت عنوان الدول والرسائل) حيث تكون رسالة الدولة انعكاساً لعقدها الاجتماعي ولخطوات الدولة الاستراتيجية وعليها تضع الحكومات المتعاقبة خططها ومشاريعها ورؤيتها ولاتتغير التوجهات الاستراتيجية بتغير الحكومات و تعاقبها.
ثالثا:تكافل الفرص و تأسيس دولة المواطنة و(عدالة) توزيع الوارد الاقتصادي للبلاد وحتمية العيش الكريم للمواطن كفرد.
رابعا: عدم الاستئثار بالسلطة واستنهاض الدولة ذات الحكم الرشيد بمنهاج اداري واضح وثابت لا يقبل التمدد ولا ينصاع للاجتهاد.
اليات العقد الاجتماعي الجديد
لاجل تنفيذ وترسيخ المخرجات اعلاه لابد من صياغة قوانين تضم بين جنباتها المدخلات والمخرجات للعقد الاجتماعي الجديد ، اي بتعبير اخر تكون هناك سلة واحدة لمجموعة من القوانين المثبتة للعقد الاجتماعي الجديد .مما يمنع التملص او عدم الالتزام بهذا العقد ويضمن ايضا ادامة العمل به، حيث تكون للدولة العراقية في مئويتها الجديدة حظاً وافراً في السير قدمًا مع بقية المجتمع الدولي و استنهاض الدولة العراقية واخراجها من الصراعات الداخلية والاحتدامات الاقليمية ولتكون الحكومات المتعاقبة بعيدة عن خطوط الازمات الدولية والاقليمية من خلال رسالتها الواضحة ولتكون هذه الحكومات شغلها الشاغل العراق والعراقيين في المقام الاول و الاخير .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *