المشهد الخامس: المحكمة الاتحادية بين جدية الحل ومحاولة تسويف الانتخابات

في سلسلة المشاهد الأربعة السابقة أشرنا وبوضوح إلى أن إقرار قانون المحكمة الاتحادية من قبل مجلس النواب يعد العقبة الأساسية أمام ضمان إجراء الانتخابات سواء كانت مبكرة أم مؤجلة أم بموعدها الدستوري. لكن على ما يبدو الآن أن رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي قرر عرض القانون الذي بقي مركوناً على رفوف المجلس لنحو سنتين كاملتين بقوله “طال انتظاره لسنوات”، حيث عقد اجتماعات مكوكية مع القوى الأساسية ليضمن مشاركة النواب إلى جلسة التصويت بحضور ثلثي الأعضاء، وقد تمخضت محاولاته عن التئام النصاب بجلسة يوم الرابع من آذار بحضور 242 نائباً، تم خلالها التصويت على ديباجة القانون و17 مادة، فيما تم تأجيل التصويت على المواد الخلافية التي حالت دون المضي بإقراره منذ 2006. وهذه الخلافات لا زالت سائدة عند غالبية الأحزاب الممثلة داخل المجلس. وهناك من يرى بأن الذهاب لتبني مشروع قانون جديد يحتاج إلى التصويت من ثلثي الأعضاء بدلاً من تعديل مادة واحدة من القانون الحالي المعمول به يثير الشكوك، في حين يعتقد البعض أن الإبقاء على تأجيل الحسم إنما هو تكتيك لتأخير الانتخابات.
لا شك أن حل معضلة المحكمة الاتحادية وإعادة نصابها بما يمكنها من مزاولة عملها الدستوري بات ضرورياً لإجراء الانتخابات، حيث تنص المادة 93 سابعاً من الدستور على قيام المحكمة الاتحادية بـ”المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب”.
حل أزمة المحكمة الاتحادية كان ومازال وسيبقى ضرورياً لمعالجة مشكلة الانتخابات القادمة
بدأت معضلة المحكمة الاتحادية عندما اقرت في 21 أيار 2019 “عدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية وعطلت الآلية الوحيدة الممكنة لتعيين عضو جديد في المحكمة الاتحادية في حال وفاة أو تقاعد أحد القضاة، خاصة وأن أغلبية الأعضاء هم من كبار السن.
المواد الخلافية في مشروع القانون
أولاً: المادة (2) من القانون والمتعلقة بأعضاء المحكمة وفقهاء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون، وقد أثارت هذه المادة نقاشاً حاداً في السنوات الماضية، لعدم الاتفاق على آلية اختيار الفقهاء وعضويتهم إن كان بشكل دائمي أو الاستعانة بهم فقط في الجلسات المتعلقة بالشريعة الإسلامية؟ وهل لديهم حق التصويت أم يكون رأيهم استشارياً فحسب؟ وهل يتم اعتمادهم كأعضاء دائميين أم مؤقتين؟ وهل يكون الفقه الإسلامي هو الحاضر في المحكمة دون فقه الديانات الأخرى أم لا؟
لم تتوصل اللجنة القانونية في مجلس النواب إلى إتفاق على النص المقدم في مشروع القانون، مما دفع المجلس إلى تأجيل التصويت. إلى ذلك أفادت مصادر مطلعة بوجود مقترح يحدد دور فقهاء الشريعة بالاستشاري أي مجرد خبراء يستوجب حضورهم في حال تداول ومناقشة القضايا ذات الصلة بالفقه الإسلامي، ولا يجوز لهم التصويت في القضايا القانونية البحتة، التي لا تحمل جنبة دينية. لكن معظم الأحزاب الإسلامية تعارض هذا المقترح. وكتب النائب السابق عبدالهادي الحكيم وهو أحد المشاركين في كتابة الدستور مقالاً حول رفض عضوية فقهاء الشريعة واصفاً إياه بغير المبرر، عازيا هذا الرفض إلى “غرض في نفس يعقوب”، مؤكدا في ذات الوقت بان المادة 92 من الدستور واضحة حول عضوية الفقهاء إذ “نصت بما لا يقبل الشك على أن المحكمة الاتحادية تتكون من (القضاة) و(خبراء الفقه الاسلامي) و(فقهاء القانون) منوهاً إلى أن حرف الواو وهو حرف عطف قد ألزم تواجد الاختصاصات الثلاث، مستنداً بذلك إلى اللغويين والمفسرين وجمهور الفقهاء واتفاقهم على أنها تعني (التشريك في الحكم) أي اشتراك ما بعدها بحكم ما قبلها” ويضيف بأن نية المشرع كانت واضحة ولم يكن هناك جدل حول دائمية عضوية فقهاء الشريعة.
ثانياً: المادة (3) تتعلق بآلية الترشيحات وكيفية اختيار وترشيح الأعضاء من القضاة وفقهاء الإسلام والقانون، من قبل جهات السلطة القضائية بالنسبة للقضاة والأوقاف الدينية لفقهاء الشريعة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي لفقهاء القانون.
هنالك العديد من الإشكاليات إزاء آلية اختيار المرشحين والجهات المخولة بذلك، بالإضافة إلى المواصفات المطلوبة من المرشحين مثل العمر، فثمة خلافات حادة حول تحديد أعمار القضاة، فريق يفضل أن لا تقل أعمار القضاة عن 63 عاماً وفريق آخر يطالب بما لا يقل عن 65 عاماً، وهذا يعني أن الاختيار سيشمل القضاة المتقاعدين أو المستمرين بالخدمة. كما أن اختيار الفقيه القانوني سيكون بحسب رغبة وزير التعليم العالي ولكونه سياسي فإن ترشيحه لهذه الشخصية أو تلك سيتسم بالطابع السياسي أيضاً.
المادة (3– ثالثاً) تعطي صلاحية اختيار رئيس المحكمة الاتحادية ونائبه والقضاة والفقهاء للرئاسات الثلاث ورئيس السلطة القضائية، ويصدر رئيس الجمهورية مراسيم تعيينهم وهذا يعني إلغاء دور الأحزاب السياسية ومجلس النواب في اختيار أعضاء المحكمة أو المصادقة على تعيينهم، مما يعني أن الفاعل السياسي المتحكم بالمشهد القائم يكون بإمكانه الهيمنة على تعيين القضاة، مما دفع الأحزاب الممثلة في البرلمان إلى رفض هذه الآلية.
ثالثاً: المادة (12) من القانون تتناول كيفية اتخاذ القرارات بشأن الدعاوي المطروحة أمامها وتصنفها كالآتي:
1 ـ بالاتفاق أو الأغلبية في الدعاوي العامة.
2 ـ بأغلبية الثلثين إذا كانت الخصومة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم أو أي محافظة غير منتظمة بإقليم.
3 ـ بأغلبية ثلاثة أرباع المحكمة من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي على الأحكام والقرارات الخاصة بدستورية القوانين والأنظمة النافدة من حيث عدم معارضتها لثوابت احكام الإسلام.
4 ـ بأغلبية ثلاثة أرباع المحكمة من القضاة وفقهاء القانون على الأحكام والقرارات الخاصة بدستورية القوانين والأنظمة النافذة من حيث معارضتها لمبادئ الديموقراطية والحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور.
رئيس السلطة القضائية الآن من المكون الشيعي، والسنة يريدون أن يكون رئيس المحكمة الاتحادية من مكونهم، ناهيك عن عدم وجود تمثيل للمكونات التركمانية والمسيحية والإيزيدية ضمن نصاب المحكمة
النقطة الثانية ما زالت محل خلاف كبير مع الكورد، فالكتل الكوردية تريد أن يكون القرار في الخصومة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان بالإجماع وليس الأغلبية ولن تقبل بتمرير القانون بخلاف ذلك، كونها تعتقد بأن خيارها المطروح يشكل الضمانة الوحيدة لإنصافهم في أي خلاف يتعلق بالإقليم. وانسحاب الكورد من الجلسة سيكسر نصاب الثلثين ويعطل إصدار القانون.
تم تقسيم أعضاء المحكمة إلى قضاة اصلاء وفقهاء حسب ما جاء في النقاط 3 و4 أعلاه حيث أن قرار المحكمة يشارك فيه فقهاء الإسلام فقط في القضايا التي تمس ثوابت الاسلام، فيما يشارك فقهاء القانون في القرارات التي تتعلق بمبادئ الديموقراطية والحقوق المدنية والحريات العامة، وهنا بطبيعة الحال تكمن مشكلة أساسية، ذلك أن أغلب الخلافات الجدلية بإمكان الفقهاء التدخل فيها، ومعظم المواد ترتبط بثوابت الإسلام، منها على سبيل المثال استيراد وبيع المشروبات الكحولية الجائز حالياً من الناحية القانونية، لكنه يتعارض مع أحكام الشريعة والفقه الإسلامي. وهذا التعارض يتقاطع مع الحريات العامة والحقوق المدنية التي كفلها الدستور.
رابعاً: التمثيل المكوناتي: هناك مشكلة أخرى لا يتم الحديث عنها بصراحة وهو الاستحقاق المكوناتي، من ناحية عدد القضاة وتوزيعهم بحسب المكون، إلى جانب عدم الإشارة إلى حجم التقاسم بين الشيعة والسنة، فرئيس السلطة القضائية الآن من المكون الشيعي، والسنة يريدون أن يكون رئيس المحكمة الاتحادية من مكونهم. ناهيك عن عدم وجود تمثيل للمكونات التركمانية والمسيحية والإيزيدية ضمن نصاب المحكمة، وبحسب الآليات المتاحة للترشيح فأنه من الصعب ان تحصل هذه المكونات على مقعد ما لم يتم اختيارهم بقرار خاص وبتوافق سياسي خارج نص القانون.
مشاركة الفقهاء في القرارات التي تتعلق بمبادئ الديموقراطية والحقوق المدنية والحريات العامة مشكلة أساسية، ذلك أنها تشمل أغلب الخلافات الجدلية، وترتبط معظم المواد بثوابت الإسلام
حل هذه النقاط الخلافية والوصول إلى حلول مرضية لجميع الأطراف يعتبر إنجازاً كبيراً ويساهم في تمرير القانون، ويفيد مصدر مقرب من الاجتماعات بأن أجواء النقاش إيجابية وقد يحصل توافق.
الانتخابات والمحكمة الاتحادية
إن حل أزمة المحكمة الاتحادية كان ومازال وسيبقى ضرورياً لمعالجة مشكلة الانتخابات القادمة وأي محاولة لتخطيه سيحول دون أجراء أي إنتخابات حتى لو كانت بموعدها الدستوري . لذلك فأن الذهاب إلى أحد اكثر القوانين جدلاً خلال الستة عشر عاماً الماضية وفي هذا الوقت الحساس يثير أكثر من سؤال، مراقبون اعتبروا أن إثارة هذا القانون في هذا الوقت بالذات لا يستهدف حل الأزمة بقدر ما يسعى إلى تأجيل الانتخابات المبكرة، لأنه كما اسلفنا التوافق على المواد الخلافية في ظل الإفتقار إلى الأرضية المناسبة والنوايا الحسنة سيكون صعب التحقق. في حين ان الحل الأسهل والأقل تعقيداً يكمن في تعديل المادة 3 من قانون 30 لسنة 2005 وبذلك يمكن حل مشكلة اختيار البديل للأعضاء وإعادة النصاب للمحكمة الحالية، وهذا التعديل بحاجة إلى تصويت الأغلبية البسيطة بدلاً من ثلثي البرلمان. ان مصداقية مجلس النواب العراقي وهيئة رئاسته باتت اليوم على المحك كونهما امام امتحان صعب، لننتظر ونرى إن كان بإمكانهم تخطي هذا الإمتحان بنجاح ومعالجة واحدة من أصعب الأزمات التشريعية.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *