المشهد السابع: النتائج صعبة التوقع والتسقيط يتسيد المشهد

سلسلة مشاهد الانتخابات المبكرة:
المشهد الأول: تأجيل انتخابات حزيران تمهيد لعقدها في ربيع 2022
المشهد الثاني: الأحزاب الناشئة والتحالفات الجديدة ومصادرة رغبات الشارع المنتفض
المشهد الثالث: الإشراف الأممي ظاهره طلب عراقي وباطنه تسويف
المشهد الرابع: سائرون يتبدل والتقدم يمضي والديموقراطي يعود لبغداد
المشهد الخامس: المحكمة الاتحادية بين جدية الحل ومحاولة تسويف الانتخابات
المشهد السادس.. الإنتخابات تضع أوزارها والمفوضية تتصدى للتأجيل
المشهد السابع : نتائج صعبة التوقع والتسقيط الإنتخابي يتسيد المشهد
فرهاد علاء الدين*
9 أيار 2021
التزم المشاركون في الانتخابات المبكرة بموعد تقديم المرشحين والتحالفات الذي حددته المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات في الأول من أيار الجاري بعدما تأجل لمرتين. وبعد نفاذ الموعد النهائي تبين أن العدد الكلي للأحزاب المشاركة 267حزبا في حين بلغت التحالفات الإنتخابية المسجلة 440 وسيتنافس نحو 3523 مرشحا للفوز بالمقاعد النيابية البالغة 329 مقعدا. الانتخابات المرتقبة تختلف عن سابقاتها بعدم وجود قوائم حزبية، كما تقلصت الدوائر الانتخابية على مستوى المحافظة لتصبح المنافسة في دوائر ضيقة وبذلك ستشتد الحملات الدعائية لصالح الأشخاص هذه المرة أكثر منها لصالح الأحزاب.
يتفق المراقبون على صعوبة التكهن بنتائج الإنتخابات القادمة والتي ستشهد مفاجأة غير متوقعة بصعود وجوه جديدة وتواري وجوه معروفة عن الساحة السياسية، واللافت هنا ان الأغلبية العظمى من قيادات الخط الأول لن تشارك بهذه الانتخابات، والتي ستقود الى حقبة جديدة لن نرى معها تلك القيادات في مجلس النواب ليتراجع دورها بالتأثير على مجريات الاحداث ميدانيا، وتكتفي بعضها في محاولة التأثير من خلف الكواليس.
الساحة الشيعية
توزعت القوى الشيعية هذه المرة على عدة محاور متناقضة من بينها الدولة واللادولة – الإسلام السياسي والتيار المدني – الأحزاب التقليدية و الأحزاب الجديدة والتي تميز الساحة الشيعية دون سواها.
اهم كتلتين في هذا التصنيف هم سائرون (الكتلة الصدرية) وتحالف فتح ولكل منهما حضور ميداني قوي وجمهور ثابت مما يزيد من فرص بقاءهم على الساحة السياسية ان لم يزداد نفوذهم بعد الانتخابات.
كثر الحديث عن الكتلة الصدرية وفرص نجاحها بأكبر عدد من المقاعد، وهي الأكثر قدرة على تعبئة جماهيرها وعلى نحو مبكر ودقة تنظيمها والتزامها بقيادة زعيم التيار مقتدى الصدر ومن بعده الهيئة السياسية والقيادات الميدانية من مسؤولي المكاتب في المحافظات وسرايا السلام. بدأت الكتلة الصدرية العمل منذ اشهر بتحفيز جمهورها لتجديد البطاقة البايومترية لغرض المشاركة والتصويت. وتمتاز الكتلة الصدرية عن الكتل السياسية الأخرى بانها تمتلك ماكنة انتخابية متمرسة وخبيرة في الشأن الانتخابي، وهي التي تحدد الدوائر والمرشحين مما اسفر عن بروز مشاكل داخلية حول الشخصيات المرشحة واستبعاد مجموعة لايستهان بعددها من النواب الحاليين والسياسيين المعروفين، وامتازت اختيارات المرشحين باللجوء الى الصقور أمثال مها الدوري وحاكم الزاملي خلافا لمبدأ “المجرب لا يجرب” وبعض الكوادر المتقدمة من سرايا السلام.
الى ذلك اشتد الخلاف الداخلي حول المقاعد والدوائر الانتخابية داخل تحالف الفتح وهددت كل من كتلة سند وحركة تصحيح بقيادة همام حمودي بالانسحاب من التحالف، وبعد سلسلة إجتماعات تمت ترضيتهما ليعودا من جديد، ليحتفظ التحالف بمكوناته الاربعة، وهي عصائب اهل الحق ومنظمة بدر وكتلة سند وحركة تصحيح. يتصدر الفتح محور المقاومة ويشاركهم في المحور دولة القانون مما يعني التنافس الداخلي على الأصوات المحدودة من الناخبين الذين يؤمنون بخطاب المقاومة، وهذا سيرجح كفة الكتلة الصدرية على تصدر المشهد. يرى مراقبون ان تحالف الفتح سوف يواجه مشاكل كبيرة في الحفاظ على عدد مقاعده الحالية، فيما يعبر مسؤولين في التحالف عن تفاؤل حذر بانهم سيحافظون على مقاعدهم الحالية. وسيكون الفتح هو الأكبر بينهم ويليه دولة القانون الذي أضاف حزب الله العراق لتحالفه وبذلك اصبح يمتلك سلاح المقاومة الى جانب الحراك الجماهيري المتمثل بحركة البشائر.
تحالف قوى الدولة برئاسة عمار الحكيم هو التحالف الجديد الوحيد الذي جرى تشكيله قبيل ساعات من غلق باب تسجيل التحالفات ويتكون من تيار الحكمة بزعامة الحكيم وإئتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي والمؤتمر الوطني بقيادة آراس حبيب، بالإضافة الى شخصيات سياسية معتدلة، وهذا التحالف يراد منه الظفر بفرصة ما بعد الانتخابات اكثر من كونه تحالف انتخابي صرف، ومن المتوقع ان يتنافس هذا التحالف على المرتبة الثالثة مع دولة القانون ضمن القوائم الشيعية.
لم تسفر المفاوضات بين القوى المدنية المتمثلة بحزب المرحلة / الازدهار المقرب من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وائتلاف النصر والتيار المدني بقيادة علي الرفيعي وحركة الوفاء العراقية بقيادة عدنان الزرفي وحركة مهنيون الذي يتضمن مجموعة من الوزراء والنواب والشخصيات المستقلة عن تحالف انتخابي بسبب عزوف رئيس الوزراء عن دخول الانتخابات ومنعه لحزب المرحلة والازدهار من المشاركة تحت أي مسمى، مما حال دون تشكيل تحالف قوي يجمع القوى المدنية ليصبح قوة سياسية رئيسية بعد الانتخابات. تشكيل هذا التحالف كانت فرصة مهمة للتوازن مع القوى السياسية التقليدية، ولكن ضاعت عليهم الفرصة، واختار كل حزب المشاركة منفردا، عدا ائتلاف النصر الذي دخل في تحالف قوى الدولة.
الأحزاب والشخصيات المنبثقة من حراك تشرين اختلفت فيما بينها بين مقاطع ومشارك في الانتخابات والمشاركين منهم سيخوضون الانتخابات بشكل منفرد وهذا يعني تشتت حضورهم المؤثر بحسب معظم التوقعات، حيث لم يتمكن التشرينيون من تنظيم صفوفهم في الوقت الذي نجحوا فيه على ارغام الأحزاب الحاكمة بتبني مطلبهم بإجراء الإنتخابات المبكرة، إلا أنهم فشلوا في توظيف هذه الإنتخابات لإجراء التغيير المنشود للمشهد السياسي الحاكم. تقتصر مشاركة هذه الأحزاب والشخصيات على عدد محدود من المحافظات الجنوبية منها ذي قار والنجف والسماوة، ولا يوجد بينها تنسيقا يكفي لإحداث تغيير جذري حتى في محافظاتهم، وبذلك ضيعت على نفسها فرصة كبيرة لتحقيق ماكانت تطالب به في تشكيل مشهد سياسي جديد، وبذلك ستكون هذه الإنتخابات المسمار الأخير في نعش تشرين لحين بروز حركة جديدة قبل او بعد الانتخابات تحت مسمى جديد.
يضاف الى قائمة الأحزاب المشاركة هذه عدد من المرشحين المنفردين، وبحسب مراقبين فأن المرشح المنفرد قد يكون الحصان الأسود والتغير الأكبر في الساحة السياسية، حيث من الممكن ان يفوز عدد غير قليل من الشخصيات الاجتماعية والعشائرية بعدد من المقاعد، والذي قد يغير موازين القوى وستعمل الأحزاب الكبيرة على استقطاب هذه الشخصيات بعد الانتخابات خاصة في الجلسة الأولى للبرلمان لتحديد الكتلة الأكبر.
الساحة السنية
تشتد المنافسة بين الأحزاب والشخصيات السنية التقليدية التي تتصدر المشهد السياسي الحالي، الى جانب بروز وجوه جديدة من داخل الساحة السنية بعد تجربة مريرة خاضتها خلال السنوات السبع الماضية. المنافسة الأساسية ستكون بين حزب تقدم بقيادة محمد الحلبوسي وتحالف العزم بقيادة خميس الخنجر، يضاف اليها كتل صغيرة أخرى مثل تحالف الجماهير بقيادة أبو مازن الجبوري في صلاح الدين وجبهة الإنقاذ بقيادة أسامة النجيفي في الموصل، بالإضافة الى الشخصيات المجتمعية والعشائرية والمدنية والتي ستخوض حمى المنافسة منفردة.
التنافس الحالي قد يغير المشهد السني في بغداد ومناطق حزامها بالإضافة الى نينوى، حيث يركز كل من تقدم والعزم جهودهما، كون بغداد ونينوى هي التي ترجح الكفة الفائزة وقد تغير المشهد السياسي السني.
الساحة الكوردية
حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني تحالف مع حركة التغيير مشكلا التحالف الكوردستاني لخوض الانتخابات، فيما لم تتمكن الأحزاب المعارضة من الإسلاميين والمدنيين من الحفاظ على تحالف الامل الكوردستاني القائم حاليا في مجلس النواب العراقي، بعد أن قررت هذه الاحزاب خوض الانتخابات منفردة كما في السابق. أما الحزب الديموقراطي الكردستاني فقد أعلن قائمته الانتخابية المنفردة والجديد فيها هذه المرة أنها تضم مرشحين في مدن خارج أقليم كردستان مثل الانبار وكربلاء.
بالرغم من عدم إمكانية تحالف الأحزاب الكوردية في قائمة واحدة وخصوصا في المناطق المتنازع عليها، الا ان المتفق عليه بين تلك الأحزاب إعتماد مبدأ التخادم الإنتخابي فيما بينها، لتمكين المكون الكردي من كسب السباق في المناطق المتنازع عليها من جهة ومنافسة الحزب الديموقراطي في دهوك واربيل والموصل من جهة أخرى.
نوعية الحملة الانتخابية
لا شك بأن المنافسة هذه المرة هي الأشد ضراوة والأطول مدة (ستستغرق أكثر من ٥ اشهر)، وستكون البرامج الدعائية خليط من المنافسة الشخصية والحزبية والمكوناتية لجميع الأحزاب، ولن يكون هناك أي قاسم مشترك يحد من اشتداد المنافسة، ولهذا السبب هناك محاولات من قبل بعض النخب والرئاسات بكتابة وثيقة مبادئ عامة للحملة الانتخابية وإلزام الأحزاب بمراعاتها لتجنب الآثار والإشكالات السلبية المحتملة الناجمة عن تصاعد حمى التنافس، الا ان هذه المحاولات لم ترى النور بعد.
الحملات الإنتخابية الشيعية ستركز على الخدمات والسلاح المنفلت وسيادة الدولة واللادولة والوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب للمواطن وستأخذ معارضة الحكومة النصيب الأوفر حيث سنرى تسديد سهام اللوم نحو الدوائر العاملة، مع ملاحظة أن الانتخابات القادمة ستتيح أمام الأعضاء الحاليين في مجلس النواب الإحتفاظ بعضويتهم مما يجعلهم في موقع قوة امام عموم الدوائر الحكومية خاصة الخدمية منها وبالتالي الضغط عليها لتلبية ودعم متطلباتهم الانتخابية في الباطن والخدمية للناخبين في الظاهر.
الشعارات المطروحة تختلف باختلاف التوجه السياسي للأحزاب، على سبيل المثال، ستركز أحزاب المقاومة على إنهاء تواجد القوات الأجنبية، والدور المتعاظم للحشد الشعبي والمطالبة بضمان حقوق منتسبيه والتذكير بدوره البارز والمؤثر في معارك التحرير ضد داعش، فيما ستتوجه الكتل والشخصيات المدنية نحو الإصلاح الاقتصادي والخدمي وتذكير الجماهير بفشل الأحزاب الحاكمة في توفير الخدمات واستمرار الازمات المالية والاقتصادية والزراعية والأمنية. في حين ستذهب حملات المعارضة الممثلة لحراك تشرين على تأكيد المطالبة بضرورة تغيير النظام السياسي ومحاكمة قتلة المتظاهرين ومحاسبة الفاسدين وبقية المطالب المرفوعة في ساحات التظاهر والإعتصام.
الحملات الانتخابية السنية من جانبها بانت ملامحها وهي أقرب الى الملفات العالقة وابرزها ملف المغيبين والإخفاء القسري والمطالبة بإخراج قوات الحشد الشعبي من المناطق السنية، وعودة النازحين الى مناطقهم وإعادة أهالي المناطق المحظورة وفي مقدمتها جرف الصخر والمنطقة المحيطة بالحرم في سامراء وبعض مناطق حزام بغداد، والدعوة الى انشاء إقليم او اكثر. ومن المرجح هنا عودة العزف على الوتر المذهبي ذلك أن حادثة نشر صورة المرشد الإيراني الأعلى مقابل مسجد الامام الأعظم في منطقة الأعظمية ليست ببعيدة عن الإذهان.
الحملات الإنتخابية الكوردية ستشمل المطالبة بالعودة الى بغداد وضرورة التوصل الى اتفاق شامل مع الحكومة المركزية وضمان حقوق الموظفين والمزارعين وقوات البيشمركة والإنتهاء من تأمين حصة الأقليم من الموازنة العامة، في حين ستنال المناطق المتنازع عليها النصيب الأكبر من تلك الحملات.
المتوقع أيضا أن لاتبتعد الحملات الانتخابية بشكل عام عن الاستهداف المباشر لشخص المرشحين والمرشحات وخصوصا داخل الساحتين الشيعية والسنية، ومن المرجح أن تشهد معارك كسر عظم بين المتنافسين حد التشهير والطعن عبر نشر فضائح شخصية للمرشحين، وثمة توقعات تشير الى تعرض بعض المرشحين الى محاولات تصفية أو خطف أو إبتزاز لإرغامهم على الانسحاب. وبما ان الانتخابات أصبحت اكثر مناطقية، فمن المرجح أن تتحول حملات التسقيط والتسقيط المضاد الى نزاعات عشائرية عبر الإستعانة بقوة العشيرة من قبل بعض المتنافسين.
بات من الواضح ان هذه الانتخابات تختلف عن سابقاتها بكل المعايير، مما سيجعل مهمة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات صعبة ومعقدة بعض الشيء، مراقبون يعتقدون بأن الظروف ليست مهيئة بشكل كامل لإدارة الانتخابات، الا ان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تؤكد على جهوزيتها، واعلن رئيس مجلس المفوضين القاضي جليل زيدان بانهم سيبذلون قصارى جهودهم في إدارة العملية الانتخابية بكفاءة وانهم سينجحون في مهمتهم الصعبة وان ملاكات المفوضية تبذل كل ما بوسعها بهذا الشأن.
مؤخرا وعلى أثر حادث إغتيال الناشط المدني إيهاب الوزني وسط مدينة كربلاء تعالت أصوات المطالبة بمقاطعة الإنتخابات لحين الكشف عن هوية قتلة الوزني وعشرات الناشطين المدنيين وتقديهم للمحاكمة ومن بين تلك الاصوات احزاب وحركات وشخصيات أعلنت بالفعل عن إنسحابها من العملية الإنتخابية، والحادث يذكرنا بالتحدي الأمني الذي تواجهه حكومة الكاظمي ومسؤوليتها في تأمين سلامة الناخب والمرشح على حد سواء وتوفير الأرضية الآمنة والحد من السلاح المنفلت وبسط سلطة القانون وإشاعة الأمن في عموم مدن العراق. ويرى مراقبون بان الهاجس الأمني سيخيم على الانتخابات ومن الصعب السيطرة على السلاح المنفلت مما يقلل من فرص منع محاولات التزوير والتلاعب التي كانت ومازالت موضع قلق العديد من المراقبين الذين مازال يساورهم الشك في إجراء الإنتخابات المبكرة بموعدها المقرر في العاشر من تشرين أول القادم.
*رئيس المجلس الإستشاري العراقي

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *