المصادقة تعقد المشهد الانتخابي والاطار يباغت التيار

فرهاد علاء الدين
13 كانون الاول 2021
شهدت بغداد في التاسع من كانون الاول الجاري تجمع حاشد لإعلان تحالف سني جديد باسم تحالف العزم يضم 34 نائبا لتمثيل المكون السني عبر كتلتين كبيرتين تتنافسان على المناصب المرتقبة بينهما، ويتألف التحالف الجديد من عدة أحزاب وتحالفات يتقدمها تحالف عزم بقيادة خميس الخنجر وحزب الجماهير بقيادة أبو مازن الجبوري وتحالف حسم وثلاثة نواب من تحالف العقد الوطني بقيادة فالح الفياض وبعض النواب المستقلين من ذات المكون.
يأتي تشكيل هذا التحالف بعد حراك خفي من قبل قيادات الاطار التنسيقي بعد ان تمكن الاطار من اقناع الاحزاب السنية المتفرقة والنواب المستقلين للائتلاف معا في اطار منافسة الفائز الأكبر داخل المكون السني أي تحالف تقدم برئاسة محمد الحلبوسي. وجاء حراك الاطار لتشكيل هذا التحالف لقطع الطريق على الحلبوسي من جمع الافراد والكتل الصغيرة وضمهم الى تحالفه قبل أن يزداد عددا فيصبح الشريك الاقوى في تحالف مرتقب مع التيار الصدري.
يرى مراقبون بان حراك الاطار التنسيقي بتشجيع الكتل السنية على تشكيل تحالف جديد يهدف بشكل رئيسي الى قطع الطريق امام التيار الصدري من التحالف مع الكورد والسنة واجباره على الجلوس الى مائدة مفاوضات مع الاطار للاتفاق على تشكيل الحكومة المقبلة، كما يستهدف بشكل ضمني تعطيل الحراك السياسي لحين الوصول الى اتفاق شيعي – شيعي.
يبدو ان الاطار نجح في هذا المسار حيث اعلن النائب الفائز عن تحالف العزم مشعان الجبوري في مقابلة مع روداو في الخامس من كانون اول 2021 ان “تحالف عزم اتفق مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني على عدم مناصرة اي فريق شيعي ضد الآخر بانتظار الإعلان عن تشكيل الكتلة الأكبر”.
الاتحادية بين المصادقة والغاء الانتخابات
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أرسلت النتائج النهائية للمحكمة الاتحادية في الأول من كانون الاول الجاري حسب المادة 93 سادسا، الا ان الدستور لم يحدد مدة معينة لإعلان المصادقة فقد مر احد عشر يوما ولم تصدر من المحكمة الاتحادية أي بيان يؤيد وصول النتائج النهائية للانتخابات او التوقيت المتوقع لإصدار المصادقة.
تزايدت الضغوطات السياسية على اعضاء المحكمة الاتحادية بشكل مباشر من خلال الدعوى المقامة امامهم لإلغاء نتائج الانتخابات التي أقامها الاطار التنسيقي وحضر جلسة الدعوى رئيس تحالف الفتح هادي العامري وممثلين عن الكتل المنضوية داخل الاطار التنسيقي، ولم ترد المحكمة الاتحادية الدعوى بل حددت جلسة استماع للأدلة في 13 كانون الاول الى ذلك خاطبت المحكمة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لرفدها بالخبرات الموجودة في الجامعات العراقية حول المسائل الفنية والقانونية المتعلقة بالانتخابات.
جدير بالذكر بان المحكمة الاتحادية في عام 2018 ردت دعوى بوجود تزوير وتلاعب في الانتخابات وقالت ان “المحكمة الاتحادية العليا عقدت جلستها اليوم (28 / 5 / 2018) ونظرت بدعوى انصبت على الخروقات الانتخابية التي رافقت عملية انتخابات عضوية مجلس النواب…. ان الموضوع يخص المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهي صاحبة الشأن في قبول الشكاوى والاعتراضات على الخروقات المدعى بها، والتي تحدث خلال العملية الانتخابية، وأن قرارتها تخضع للطعن أمام جهة قضائية، وهي الهيئة القضائية في محكمة التمييز الاتحادية”.
يعتقد بعض المراقبين بإمكانية ذهاب المحكمة الاتحادية الى عدم المصادقة او حتى ابعد من ذلك بإقرار تزوير الانتخابات مما يدعوها الى الغاء نتائجها. ويرى بعض خبراء القانون بان حل مجلس النواب السابق كان مشروطا وفي حالة عدم تحقق هذا الشرط فمن الممكن عودة مجلس النواب السابق للانعقاد. برأيي الشخصي ان هذا التوجه يمثل خطأ كبيرا كون القرار الصادر من مجلس النواب في 31 اذار 2021 مشروطاً بإجراء الانتخابات فقط، اذ نص القرار على “تقرر حل مجلس النواب في 7/10/2021 على ان تجري الانتخابات النيابية العامة بتاريخ 10/10/2021 بدعوة من رئيس الجمهورية” ما معناه ان الشرط كان اجراء الانتخابات النيابية العامة بدعوة رئيس الجمهورية، وهذا فعلا تحقق في العاشر من تشرين الاول 2021.. بالإضافة الى اصدار امر ديواني من قبل رئيس مجلس النواب السابق بتاريخ 7 تشرين الاول يحيل جميع النواب الى التقاعد وسحب جميع امتيازاتهم وحصانتهم بمعنى انتهاء عمل الدورة البرلمانية تماما مما يحول دون امكانية عودتها.
يستنتج مما تقدم بأن أي قرار للمحكمة الاتحادية بإلغاء الانتخابات سيولد فراغا دستوريا قد يفضي الى فوضى غير متوقعة، لان كل الاحتمالات تصبح واردة دون استثناء، لذلك لا خيار امام المحكمة الاتحادية غير المصادقة، لكن يبقى موضوع التعجيل بالمصادقة مستعصيا حتى الان.
التوقعات السائدة لدى اغلب المراقبين تذهب الى أن المحكمة الاتحادية سوف تصادق على نتائج الانتخابات لكنها قد تتأخر. افاد مصدر مطلع ان المصادقة ستكون في منتصف الشهر الأول من العام القادم، وأشار الى أن سبب التأخير هو “لإفساح المجال امام الكتل السياسية للتفاوض والوصول الى توافق قبل المصادقة”.
التيار ينتظر والاطار يتحضر والمستقلون تائهون
اول من بدأ الحراك السياسي بعد الانتخابات كان زعيم التيار الصدري بزيارته الأولى الى بغداد في الرابع من تشرين ثان الماضي، وعاد الى بغداد مرة أخرى ليلتقي قيادات الاطار في بيت العامري في الثاني من كانون اول في الوقت ذاته منع أي حراك او مباحثات على الهيئة السياسية واللجنة التفاوضية مع الكتل السياسية الأخرى واقتصر نشاطه على لقاء وحيد مع كتلة العراق المستقل التي تشكلت بعد انضمام 15 نائبا وكان اللقاء بروتوكولياً اذ زارت نفس الكتلة الكتل السياسية الأخرى فيما بعد وقال مصدر مقرب بان زيارتهم للتيار والاطار كان لغرض تقريب وجهات النظر دون الخوض بتشكيل كتلة او تحالف.
ينتظر التيار الصدري مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات لكنه متخوف من تأخير المصادقة كما أتضح من بيانه الصادر يوم 7 كانون الاول الجاري بعد لقاء زعيم التيار الصدري مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت في النجف الاشرف اذ أعلن “اكد الطرفان على أهمية المصادقة على النتائج دون تأخير – غير مناسب – من قبل المحكمة الاتحادية” التأكيد على عدم التأخير يعكس تخوف التيار الصدري من ضغوطات قوى الاطار على المحكمة الاتحادية.
مقابل جمود التيار الصدري، واصل الاطار التنسيقي اجتماعاته الدورية وممارسة الضغط على الشارع وادامة زخم التظاهرات قبالة المنطقة الخضراء ومطالبة المحكمة الاتحادية عبر دعوى مقدمة تطالب بإلغاء الانتخابات وبدا ذلك واضحا عبر حضور قيادات الاطار يتقدمهم هادي العامري جلسة المحكمة الاتحادية للنظر بهذه الدعوى. في ذات الوقت أعلن الاطار عن نيته إرسال وفود للقاء القوى السياسية الكوردية والسنية وسط حديث عن تشكيل تحالفات او قطع الطريق على تشكيلها من قبل الاخرين لحين الوصول الى توافق شيعي شيعي.
فيما اقتصر حراك المستقلين والكتل الصغيرة والمتوسطة الجديدة مثل امتداد واشراقة كانون وغيرهما على مباحثات جانبية مكتفين بإصدار بيانات مقتضبة تعبر عن مواقفهم بعدم الدخول في تشكيل الكتلة الأكبر او أي حكومة منبثقة عنها. ان هذا الموقف السلبي الصادر من الكتل الجديدة يوضح بصورة جلية عدم امتلاكها خبرة سياسية كافية، اذ ان الفوز في الانتخابات ليس الا بداية طريق في عمل سياسي شاق وطويل ومعقد وان الأهداف الانتخابية لا تتحقق بالجلوس كمتفرجين على اطراف الساحة السياسية. اذ ان تغيير الواقع السياسي بحاجة الى حراك سياسي إيجابي ومتواصل ليفرض على الاخرين وجوب التحرك نحو اكمال العملية الانتخابية بالمصادقة وانعقاد مجلس النواب والشروع بإداء المهام البرلمانية وإصدار التشريعات الضرورية ومراقبة أداء السلطة التنفيذية. ان جلوس هذه القوى بعيدا عن أي حراك فعال والإكتفاء بالصور التذكارية وصمتها عما يجري في الساحة يشكل مثلبة ستحجم دورها ويعكس ضعف بامتلاك رؤية واضحة عن توجهاتها نحو تصحيح المسار السياسي في العراق.
الحراك السني والكوردي
قررت الأحزاب الكوردية والسنية الوقوف على جنب وعدم الدخول في المفاوضات الجدية مع الكتل السياسية وخصوصا الشيعية لحين اكتمال التفاوض الشيعي الشيعي والوصول الى توافق. وهذا الموقف أيضا يعتبر موقف سلبي بحد ذاته ذلك ان ما يحدث على الساحة الشيعية يؤثر بشكل مباشر على المواطن في المناطق الأخرى وان تأخير انعقاد مجلس النواب وتشكيل الحكومة لايخدم مصالح هذه القوى السياسية والجماهير التي تمثلها، وفي نفس الوقت، اذا لم تتمكن الأحزاب الشيعية من التوافق واستمر الانسداد السياسي ستنعكس آثاره على المواطنين في المناطق السنية والكوردية وتؤثر سلبا عليهم خصوصا بما يتعلق بالموازنة التشغيلية والاستثمارية واموال اعمار المحافظات والخدمات وغيرها. فضلا عن ذلك يعد وقوف اللاعبين الكوردي والسني كمتفرجين ضعف في إداء مسؤوليتهما الوطنية في إدارة شؤون البلاد وتنصلهما عن المشاركة الحقيقة في صنع القرار الجمعي وواجب تفعيل العملية السياسية والتسليم بمسؤولية المكون الشيعي منفردا بهذه المسؤولية المفترض كونها توافقية، ان الكوردي والسني هما شريكان حقيقيان ويتحملان كل تبعات ونتائج ما يحصل في الساحة السياسية من فشل او نجاح وعليه يجب ان يصبحا أكثر تفاعلا واستجابة لأزمات البلاد والعمل على معالجتها والمضي معا على طريق إرساء وتعزيز التجربة الديمقراطية ونظامها في العراق.
الفاعلان السني والكوردي بإمكانهما حسم الخلافات بين الكتل الشيعية وتشجيعهم للوصول الى اتفاق، فمن الممكن تشكيل وفد مشترك للتفاوض مع الكتل الشيعية وتقريب وجهات النظر وطرح الحلول لإبرام اتفاق سياسي وتشكيل تحالفات تمضي نحو إكمال المسيرة الانتخابية وانعقاد مجلس النواب وتشكيل الحكومة. وفي حال استنفاذ كل السبل المتاحة بإمكانهما حسم خيارهما والمضي بالتحالف لتشكيل الحكومة، فلا يمكن ان يكون الخيار الوحيد هو ترك الأمور على الغارب واتخاذ دور المراقب.
الحسم المرتقب
خارطة الطريق نحو الحل تكاد تكون واضحة المعالم وليست بحاجة الى تكهنات وتأويلات، هناك استحقاق انتخابي يفرض على القوى السياسية المضي بإكمال العملية الانتخابية بعد المصادقة على النتائج النهائية وتحديد موعد الجلسة الأولى لمجلس النواب وانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، وانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة القادمة. أما المماطلة والتسويف والتأخير غير المبرر كلها ستجر البلد الى ضياع حقيقي وسط تحديات كبيرة ومخاطر تحيط به، الجائحة تدق ناقوس الخطر من جديد بمتحور يعد الاسرع انتشارا واسعار النفط أخذت تتراجع هي الأخرى والانفاق العام في تزايد وأزمة مياه خانقة تلوح بالأفق وجيل جديد يتخرج من الجامعات منتظرا الدخول الى سوق عمل مازالت مشلولة ومعطلة، والتضخم السكاني يقترب من المليون نسمة في العام الواحد، ومعدلات البطالة والفقر بتصاعد مخيف فضلا على اندثار وتهاوي البنى التحتية وسط مخاوف من تهديدات بنشوب نزاعات مسلحة داخليا وإقليميا.
العراق بحاجة الى استقرار سياسي واقتصادي لتصحيح المسار وهذا الاستقرار لن يتحقق باستمرار الانسداد السياسي واصبح واجبا ولزاما على القيادات السياسية تفضيل مصلحة البلد والمجتمع على المصالح الذاتية من اجل منع الكارثة التي ينتظرها العراقيون اذا استمر الحال عما هو عليه الان.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *