خروج القوات الامريكية… ضغوطات سياسية ورفض حكومي عراقي وامريكي

فرهاد علاء الدين
25اذار 2021
عقب تأكيد المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية علي خامنئي يوم 11 اذار 2021 بانه “يجب على امريكا الخروج من العراق” أفادت أنباء بعقد سلسلة اجتماعات مكثفة شهدتها بغداد وطهران وبيروت، بمشاركة ممثلين عن الفصائل المسلحة، انتهت بإعلان وقف “استهداف القوات والمصالح الأمريكية في العراق مقابل مطالبة رسمية بخروج القوات الأمريكية من قبل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على وجه التحديد”.
الى ذلك كشف مصدر مقرب من الحكومة بأن تحالف الفتح وزعيمه هادي العامري يضغطان بقوة على رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي لتبني وتحديد جدول لانسحاب قوات التحالف. فيما عقدت القوى الشيعية الرئيسية الخمسة اجتماعا بحضور مصطفى الكاظمي في 18 اذار 2021، حيث طلب العامري بحث موضوع انسحاب القوات الامريكية من العراق، وتثبيت جدول زمني لمغادرتها. من جانبه نوه مصدر مقرب من الاجتماع بأن القوى الشيعية المجتمعة أتفقت على تخويل حكومة الكاظمي اتخاذ هكذا قرار بناءَ على مقتضيات المصلحة العامة مقترنا ببيان مدى حاجة العراق لقوات التحالف في الحرب ضد داعش.
القوى السنية والكوردية متفقة من جانبها على ضرورة تواجد قوات التحالف بإعتبار أن الحرب على تنظيم داعش مازالت قائمة، بدليل أن بقايا التنظيم مازالت تنشط في العديد من مناطق ديالى وكركوك وصلاح الدين وصحراء الرمادي، فضلا على تخوف هذه القوى من هيمنة الفصائل المسلحة على الساحتين العسكرية والسياسية العراقية. وهي تتفق مع الإتجاه الشيعي الذاهب نحو تخويل الحكومة بتدارس الملف جيدا والتفاوض بشأنه مع قوات التحالف وبالتالي إتخاذ قرارها بالإبقاء على هذه القوات من عدمه.
نتيجة لضغوطات القوى الشيعية الموالية لإيران من جانب وبهدف تنشيط العلاقة بين بغداد وواشنطن من جانب آخر، بعث وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مؤخرا رسالة الى نظيره الأمريكي يطلب فيه مواصلة الحوار الاستراتيجي، وتفعيل ما جاء في مذكرات التفاهم التي تم توقيها خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي لواشنطن في آب 2020، والتي كان ملف جدولة انسحاب القوات الامريكية من الأراضي العراقية في مقدمة الموضوعات المطروحة آنذاك، لكن البيان الختامي للمباحثات لم يتضمن الإشارة لأي جدول زمني لانسحاب القوات. وجاء تصريح السفير الأمريكي ماثيو تولر في 23 اذار 2021 بان “جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي ستنطلق خلال شهر نيسان القادم” لتأكيد توجه حكومة الكاظمي لمعالجة هذا الملف.
جدير بالذكر بان الجانب الأمريكي لا يشاطر القوى الشيعية الرأي بالانسحاب، ولا يعتقد بإمكانية العراق في سد الفراغ الأمني حال انسحاب قواته، وقد كتب ديفيد شنكر، مساعد رئيس وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط السابق مقال عنوانه ” يظل وجودنا في العراق مصلحة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة ” ونشره يوم 11 اذار 2021 قائلا:
“في غياب القدرات الأمريكية – لا سيما الاستخبارات المسلحة والمراقبة والاستطلاع أو الطائرات فبدونها ستفشل المهمة. في الوقت نفسه ، فإن الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يقلل من القدرات العسكرية العراقية ، ويقوض الثقة في الدولة، ويؤدي إلى تفاقم أزمة اقتصادية حادة بالفعل”، وقال مصدر حكومي امريكي قريب من محادثات الحوار الاستراتيجي بان “المباحثات ستركز على حملة منسقة لضمان الهزيمة الكاملة لداعش وكيف يمكن للقوات الأمريكية المتبقية تقديم المشورة والمساعدة وتمكين القوات العراقية من إجراء عمليات عسكرية تضمن عدم تهديد داعش للشعب العراقي مرة أخرى، وهذه هي مصلحتنا المشتركة”. كذلك قالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين بساكي في تصريح صحفي يوم 23 اذار 2021 ان الاجتماعات “ستوضح بشكل أكبر أن قوات التحالف موجودة في العراق فقط لغرض تدريب وتقديم المشورة للقوات العراقية لضمان عدم تمكن داعش من إعادة تشكيلها”. ويقول مايكل نايتس، الخبير في شؤون العراق والباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى “ان المطالبة بالإنسحاب هي للقوات التي انسحبت أصلا في العام الماضي، والقوات الباقية دفاعية، مثل الدفاعات الصاروخية ، وحراس السفارة الذين يتعين عليهم البقاء ما دام هناك أشخاص أمريكيون في العراق. من الواضح أن المستشارين الأمريكيين غير القتاليين سيبقون ما دامت الحكومة العراقية بحاجة لهم لتقديم المشورة للعراق من خلال السفارة الأمريكية”.
وبالرغم من اعتقاد الجانب الأمريكي بأهمية تواجد قواته في العراق، الا ان الإدارة الامريكية الجديدة التي باشرت عملها في كانون الثاني 2021 لم تعطي العراق أولوية تذكر، مركزة جل اهتمامها بمشاكلها الداخلية وخصوصا معالجة الازمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، في حين اصبح الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص في ذيل قائمة أولوياتها السياسية. ولم يترشح أي اهتمام آخر سوى مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن ورئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، ومكالمة مماثلة بين وزير الخارجة الأمريكي ونظيره العراقي، كما لم يبادر أي مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الجديدة بزيارة العراق حتى اللحظة. يعتقد مراقبون بان السياسة الامريكية في العراق يكتنفها الغموض على اقل تقدير، ويذهب البعض منهم الى الاستنتاج بانه لا توجد لدى الإدارة الجديدة رؤية خاصة ومدروسة للعراق وقد تستمر في سياسات الإدارات السابقة، والتعامل مع العراق من خلال المنظار الإيراني. فيما يناقض هذا التوجه مايكل نايتس بقوله ” تتمتع إدارة بايدن بخبرة كبيرة في العراق، وإنهم يعطون العراق اهتمامًا أكثر مما قد يفعله معظم المسؤولين الأمريكيين، وسرعان ما يقدرون تأثير الأحداث هناك”
تعتبر الجولة المرتقبة من الحوار الاستراتيجي ذات أهمية خاصة كونها تعد اول لقاء رسمي بين المسؤولين في الحكومة العراقية والإدارة الجديدة في واشنطن، حيث سيتلمس الجانب العراقي مدى استعداد هذه الإدارة لمساعدة العراق وتنفيذ مذكرات التفاهم الموقعة بين الطرفين، بالإضافة الى دعم العراق في مواجهة الازمات القائمة وفي مقدمتها الازمة الاقتصادية وجائحة كورونا. التساؤلات المطروحة هنا هل ستستغل الحكومة العراقية جولة الحوار القادم لطرح رؤيتها حول تواجد قوات التحالف؟ وكيفية الاستفادة منها لمحاربة داعش؟ والتعاون مع قوات الناتو لتدريب القوات العراقية؟ والعمل على محاربة الفساد داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية؟ علما قيادات عسكرية من بينها وزير الدفاع أكدت مؤخرا للحكومة ان جهوزية الجيش العراقي يكاد يكون اسوء من جهوزيته في عام 2014، بل حتى ما قبل هجوم داعش بحسب مصدر مقرب من وزارة الدفاع لم يود الكشف عن اسمه.
جدير بالذكر بان الجانب الأمريكي يرفض تماما سحب قوات إضافية من الساحة العراقية لانه يعتقد بان العدد الحالي هو الحد الأدنى لأداء مهامه بشكل ناجح، وان اي طلب لخفض عديد القوات سيجابهه بخيارين: اما الانسحاب الكلي او يبقى الحال كما هو عليه، ولهذا السبب يعتقد المصدر الحكومي الامريكي بأن واشنطن ترى “أي مناقشة لجداول زمنية مصطنعة لا تخدم مصلحة أي من الدولتين”.
يعتقد مراقبون بانه بإمكان الفريق الحكومي الرهان على قرب الكاظمي من الجانب الأمريكي، والذي أكده مايكل نايتس بقوله “فريق بايدن يدعم بقوة إدارة مصطفى الكاظمي ، الذي يرى أنه أفضل رئيس وزراء يرجح أن حصل عليه العراق في ظل ظروف اليوم”. كما أوضحه ديفيد شنكر في مقاله المشار اليه آنفا بحسب رأي الشخصي. والذي ذكر فيه “ربما يكون الكاظمي أفضل رئيس وزراء عراقي منذ انقلاب عام 1958 الذي أوصل البعثيين في النهاية إلى السلطة. لقد أظهر الكاظمي، الشجاع والقومي، استعداده لاتخاذ قرارات صعبة لصالح العراق”. وعلى هذا الأساس ذهب المراقبين الى ان الفريق العراقي بإمكانه إستثمار مثل هذه الآراء تفاوضيا لكسب المزيد من الدعم وتأمين المساعدات من الجانب الأمريكي.
علينا إنتظار نتائج الجولة المرتقبة من الحوار الاستراتيجي، وكيف ستتعامل الجهات المطالبة بخروج القوات الامريكية مع هذه النتائج، الا ان العراق بحاجة الى فترة من الهدوء قبل ان تعصف به حمى الانتخابات وحرارة الصيف اللاهب، ليتمكن من تثبيت الهدوء، ويخفف من وتيرة التصعيد بين أمريكا وايران لحين اجراء الانتخابات الرئاسية الإيرانية، بالإضافة الى ما ستنتهي اليه المفاوضات الجارية حاليا خلف الكواليس بين واشنطن وطهران بشأن العودة الى الاتفاق النووي. بين هذا وذاك سيكون بإمكان العراق العمل بصمت على معالجة الازمة الاقتصادية ومحاربة فلول داعش واجراء الانتخابات المبكرة فيما اذا التزمت القوى السياسية بالتوقيتات المحددة، ومعها التزام قوى الفصائل المسلحة بالهدنة التي أعلنتها بهذا الصدد.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *