رؤية جديدة لحل إشكالية إختيار المحافظ

د. طورهان المفتي
12 أذار 2021
دأب النظام السابق في العراق وخلال عقود مضت على اختيار وتعيين المحافظين المكلفين بإدارة شؤون المحافظة من قبل السلطة التنفيذية، وكان المحافظ ونائبيه يرتبطان بوزارة الداخلية، وعلى هذا الاساس كان النظام المركزي للدولة العراقية سارياً في ادارة المحافظات. وكان المحافظ يستمد قوته من وزارته وله صلاحية التوقيف، وكذلك يتمتع مدراء الوحدات الادارية ببعض الصلاحيات القضائية.
بعد ٢٠٠٣ و تغيير النظام والتحول الى النظام الاداري ذات المستويات المتعددة والعمل وفق قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية وبعد ذلك الدستور الدائم والذي جاء فيه ضمن المادة ١٢٢ في الفقرة ثالثًا ( يعد المحافظ الذي ينتخبه مجلس المحافظة) و جاء في الفقرة رابعاً (ينظم بقانون، انتخاب مجلس المحافظة والمحافظ وصلاحياتهما) ووفق هاتين المادتين عملت السلطات العراقية المتعاقبة بعد ٢٠٠٥ في مجال التشريع تم إصدار قانون خاص بالمحافظات ومجالسها ونعني به قانون ٢١ سنة ٢٠٠٨. والذي أجريت عليه العديد من التعديلات، والتي تركزت بصورة خاصة على صلاحيات المحافظة بشقيها التنفيذي والتشريعي وبين السلطات الاتحادية من الدولة العراقية.
ولانريد الخوض هنا في التفاصيل ومعضلة الصلاحيات وانتقالها بين جهة واخرى او الحديث حول تفويض تلك الصلاحيات كما لانريد الخوض في تمدد السلطات بعضها على بعض ومحاولات الاستئثار بالسلطة. لكننا نجد من الضرورة مناقشة مبدأ المحافظ ككلمة ادارية وصولاً الى الية الانتخاب له لاسيما بعد ان تعالت اصوات تنادي بالاختيار او الانتخاب المباشر للمحافظ من خلال مواطنين المحافظة، حيث يرى المطالبون بالانتخاب المباشر ان هذه الطريقة ( حسب وجهة نظرهم) قد يبعد منصب المحافظ من المناكفات السياسية والتي تقود الى تنصيب واقالة المحافظين بصورة متكررة مما قد يؤثر على الحركة التنموية و الاعمار وتقديم الخدمات.
تسمية المحافظ والاستدلال الاداري
قد اختلف مع بعض ذوي الاختصاص حول عدم جواز اطلاق تسمية (المحافظ) في النظام اللامركزي او الفدرالي على اعلى سلطة في المحافظة، ذلك ان هذه التسمية تشير وبصورة واضحة الى النظام المركزي في اي دولة، فتسمية المحافظ له مدلول اداري مختلف كليا عن تسمية( الحاكم مثلا او المتصرف ) ضمن الادارات ذات المستويات المتعددة، بالتالي فنحن نرى ان تسمية المحافظ في النظام اللامركزي يعطي مدلول عكسي، ذلك انه يشير الى الحفاظ على شيء او الحفاظ على قرار او الحفاظ على مهمة، في حين نجد ان تسمية المتصرف ذات دلالة واضحة الى امكانية التحرك واتخاذ القرار والتصرف و ياتي تسمية الحاكم بصورة اعمق لما يمتلكه هذا المصطلح من الصلاحيات الحاكمية في النظم الادارية ذات المستويات المتعددة ( كما يمكن طرح نفس الفكرة على تسمية المحافظة او المتصرفية).
اذا فأن احدى اشكاليات اللامركزية في البلاد هو ورود مصطلح المحافظ و المحافظة في الدستور بدلا ان يكون المصطلح (متصرف او حاكم ) ليعطي التعريف الواضح لحامل هذا الاسم والصفة والدلالة والصلاحية، الا اننا لسنا بصدد تغيير التسمية ذلك ان هذا الموضوع يحتاج الى تعديلات دستورية والتي تشكل معضلة اخرى بحد ذاتها .
آلية انتخاب المحافظ
ان آلية انتخاب المحافظ ينعكس على قوة سلطة الديموقراطية والشفافية في الادارة والحكم الرشيد، لذلك نجد ان الانتخاب المباشر يعني اقوى درجات الشفافية في قرارات الادارة في الجزء التنفيذي والابتعاد عن المحاصصة السياسية، كذلك يكون الانتخاب المباشر من قبل المواطنين هي الآلية الصحيحة بالتصويت والتعبير عن إرادتهم من دون الحاجة الى ان يكون هناك وسيط ( المتمثلة بالمجالس المحلية ) للتعبير نيابة عنهم، وكما هي الحالة في القانون العراقي الساري والمعتمد على الفقرات الدستورية اعلاه .
اذا اردنا جدلاً التطرف في التعريف و التفسير فان وجود طرف (بيني ) بين المواطن واختيار المحافظ قد يعطي وجهات نظر غير ملائمة حول المواطن ،ذلك ان المواطن لا يحتاج الى من يقرر نيابة عنه وهو الذي ادلى بصوته في اختيار المجالس، كما وانه قد يختلف المواطن مع قرار الاطراف السياسية الفائزة في الانتخابات فالتمثيل المحلي لا يعني دائماً التسلط على القرار التنفيذي وانما قد ينحصر في الاداء الرقابي والتشريعي، كذلك التصويت لإنتخاب مجلس المحافظة لا يعني بالضرورة المضي قدما في التشكيلة التنفيذية.
وهنا نرى ان أحدى معضلات الحكومات المحلية في النظام الاداري اللامركزي تكمن بخضوع اختيار المحافظ الى الارادات السياسية وصفقاتها مما يجعل من القطاع التنفيذي رهين التطلعات السياسية، والذي يؤثر في تقديم الخدمة وانجاز المشاريع ( هنا نحن لسنا بالضد من التحالفات السياسية فالدستور العراقي يحتم هذا الموضوع لغرض الوصول الى انتخاب السلطة التنفيذية المحلية الذي لابد منه).
الحل الأنسب لإشكالية الإختيار
بالعودة الى قراءة المضامين الدستورية نجد للوهلة الاولى استحالة الخروج بنتيجة للانتخاب المباشر بدون العمل على التعديلات الدستورية ، وحيث ان التعديلات الدستورية باتت من الصعوبة بمكان مما يجعل الأمر أقرب الى المستحيل، كونها تتطلب توافق الفرقاء وإنسجام الحلفاء لينتج للتوصل الى حلول مرضية واتفاقات تلبي رغبات المختلفين، وبخلافها لايمكن المضي بإجراء تلك التعديلات .
ولغرض ايجاد حل لهذه المعضلة ، نقترح العمل وفق مرحلتين في انتخاب المحافظ مما يفتح الباب على مصراعيه للاختيار المباشر للمحافظ من دون الركون الى التعديلات الدستورية ويكون من خلال تعديل الفقرات الخاصة بالمحافظين بقانون ٢١ لسنة ٢٠٠٨ ليكون بالشكل التالي :
المرحلة الاولى
اولاً: يكون اختيار المحافظ ونائبيه من خلال الاقتراع المباشر السري من قبل مواطني المحافظة ضمن حدودها الادارية .
ثانياً: يتم اختيار اعلى ثلاثة اصوات فائزة من المرشحين لمنصب المحافظ ونائبيه.
المرحلة الثانية
اولاً: يجري عرض الفائزين على مجلس المحافظة للتصويت عليهم (تثبيت الانتخاب) كمحافظ ونائبيه الفني والاداري وحسب اعلى الاصوات تدريجياً على ان يتم ذلك في غضون خمسة عشر يوما من المصادقة على نتائج التصويت، ومن ثم يصدر مرسوم جمهوري بتسمية وتعيين المحافظ.
ثانياً: اقالة وعزل المحافظ ونائبيه يكون من خلال قوانين الخدمة المدنية وانضباط موظفي الدولة ويعرض ذلك على مجلس المحافظة للتصويت بالاغلبية المطلقة . كما يمكن لمجلس الوزراء التوصية بالاقالة عن طريق مجلس النواب وحسب المرجعية .
ثالثا: في حالة خلو احدى المناصب الثلاثة لاي سبب كان يكون تسلسل المرشحين حسب اصواتهم مهيئة للمنصب ومن خلال آلية العمل الموجود في ثالثاً اعلاه .
بهذه الخطوات يمكن السير قدماً في الاختيار المباشر للمحافظ ونائبيه وانتخابهم من قبل مواطني المحافظة وفي نفس الوقت لن يكون هناك خرق دستوري او الحاجة لإجراء تعديل دستوري للفقرات التي وردت في بداية المقال .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *