صناعة وتفتيت الإيديولوجيات

د.طورهان المفتي
5 كانون الاول 2020
عند بزوغ فكر جديد او اتجاه فلسفي معين يشرع صاحب الفكر او الاتجاه بالتنظير بما يحمله من رؤى وعلى هذا الاساس يتحول هذا الشخص الفرد الى عدة أشخاص ومع زيادة الشخوص يزداد التبلور الفكري الاولي وليزداد عدد المنتمين لهذا الفكر او الاتجاه الفلسفي الجديد ولتظهر بعد فترة أيديولوجية معينة لموضوع ما ، ولهذه الايديولوجية مؤمنين ومدافعين عنها ، ولأجل حماية الايدولوجية الجديدة فانها سوف تنتج ضمن جنباتها اشخاص متطرفين وذات طابع عنفي لتلك الأيديولوجية
وستظهر معهم منظرين جدد واخيراً و ليس اخراً يكون هناك نظام معين لغرض تأمين استمرار الايديولوجية وحماية قياداته و تسخير المنتمين اليها وتوجيه المتطرفين لكسر شوكة المعارضين بطريقة او باخرى .
صناعة الايدلوجيات
بكل الاحوال تكون صناعة الايديولوجيات باحدى الطريقتين، فإما تكون عن طريق الصدفة ونتيجة حوارات هامشية تبزغ لدى احد الشخوص فكرة ما ويبدا تنضيج الفكرة ليعرضه فيما بعد امام الاخرين ، او ان تكون صناعة الايديولوجية نتيجة وجود معضلة مجتمعية وتحتاج لحل حتمي فتجتمع مجموعة شخوص منصبين حول المعضلة لينتجوا ايديولوجية جديدة تحل المعضلة وذلك من وجهة نظرهم. وعلى هذا المنوال او تلك تكون صناعة الايديولوجيات المختلفة بدءاً بالايديولوجيات المجتمعية مروراً بالايديولوجيات المذهبية او ما يسمى بالمدارس الفقهية وانتهاءاً بالإيديولوجيات السياسية وصناعة الاحزاب والحركات السياسية .
ان الغاية الاسمى لكل الايديولوجيات هي تهيئة صيغة حياتية ومعيشية معينة للمنتمين الى الفكرة اولاً ومن ثم الاخرين سواءً كانوا يمتلكون افكاراً اخرى ام هم محايدون ، لكن في نهاية المطاف لا توجد جغرافية مغلقة لايديولوجية معينة بحد ذاتها لذا عليها ايجاد سلوكية تعايش مع اولئك الغير المنتمين اليها.
وعلينا ان لا نغفل من احتمالية فشل اصحاب الفكر في التعايش الجماعي لسبب ما ، مع ملاحظة ان الفشل سوف يؤدي لظهور مؤسسات متطرفة و عنصرية تقوم على بلورة المعيشة للمنتمين و تهميش الاخرين وحتى القضاء عليهم تحت مسمى (ان لم تكن معي فانت ضدي). محلياً وعلى هذا الاساس تحركت الحركات السياسية في البلاد وخاصة بعد 1958 الى حين 2003.
بعد 2003 تغيرت الرؤى و وجدت حركات واحزاب واتجاهات سياسية مختلفة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار والجميع دخلوا في مضمار العمل السياسي وقد يكون هناك بعض محاولات انهاء دور بعض الايديولوجيات امام ايديولوجيات اخرى ، الا ان جميع الايديولوجيات حافظت نوعاً ما على جغرافية معينة ضمن البلاد .
اقليمياً الموضوع مختلف من دولة الى اخرى ولكنها تصب في المحافظة على السلطة اكثر من المحافظة على الجغرافية (وهذا على عكس الحركات السياسية العراقية الحديثة ) .
ان الممارسة الديموقراطية الموجودة في المنطقة كرست و تكرس تعميق وتأصيل الايديولوجيات في مجتمعات هذه الدول
وهذا الامر قد يكون معتاداً ومنطقياً في المنطقة إلا أن التأصيل لمشروع وفكرة سياسية تعني التحول من القرارت السياسية الى قرارات سيادية على مستوى الدولة بالتالي قرار معين على مستوى الدول الاقليمية ومثل هكذا اجراءات قد لاتتم استحسانها لدى الارادات الكبرى على المستويات المختلفة.
انهاء وتفتيت الايدلوجيات
بكل تأكيد يمكن إنهاء وتفتيت الايدلوجيات وذلك عبر مايلي :
اولا : من خلال محاربة قيادات الفكر والمنظرين له وتضييق عليهم في جغرافيتهم . وهذا يكون ذات نتيجة فورية الا انها نتيجة ذات مدى زمني قصير نسبياً وممكن بعد فترة ان يظهر نفس الفكر ونفس الاتجاه الفلسفي وقد يكون هذه المرة اشد وطئة من سابقه بسبب تغيير قياداته.
ثانيا : من خلال محاربة الفكر بفكر اخر ، وهذا الاجراء يحتاج الى فترة زمنية طويلة لانجازه ولكن يكون بنتاج زمني اطول وادوم .
وفي احيان قليلة يكون هناك قرار متطرف بدمج الشكلين و العمل عليهما معاً ، وهذا الاجراء ذات نتيجة سريعة جدا ولكن يكون رد الفعل عنيف جدا وقد يؤدي في بعض الاحيان الى انهيار الفكر المضاد وبقاء الفكر القديم ونمو جهاز متطرف وعنيف لديه .
ماذا يحصل في المنطقة؟
ان ما يحصل في المنطقة بشكل وخاص بعد 2010 هي عملية انهاء وتفتيت الايديولوجيات وتغيير الفكر وليست باي شكل من الاشكال السابق ذكرهم وانما باسلوب مغاير كليا وهي عبارة عن تحريك عن بعد مما يضع اصحاب الفكر الجديد امام الافكار القديمة ويؤدي بالنتيجة الى تشويه للفكر المضاد والايديولوجيات القديمة وعدم انتاج فكر جديد متكامل الاطراف .
ان تفتيت هذه الايديولوجيات الى ايديولوجيات فرعية وتحت فرعية كمرحلة اولى تساهم في ظهور اتجاهات مجتمعية غير مستقرة ومقوضة لما سبقتها ولاتمتلك قابلية البناء الفكري الحقيقي لانها لم تمر باي من الطريقتين السابق ذكرهما في صناعة الايديولوجيات وانما صنعت نتيجة ضخ افكار جاهزة وناضجة لتدخل حيّز التطبيق في دول المنطقة كما وان اصحاب الفكر الاصليين غير موجودين ولاينتمون لذلك المجتمع الذي وُضع فيه الايديولوجيا الجديدة و لتتحول تلك الدولة التي ترضخ تحت هكذا اجندات الى دولة مقوضة لاتملك من الحلول الشي الكثير وهذا ما نره في الدول التي عانت من تغيير انظمتها او ظهور ما سمي (بالربيع العربي )و انعكاسات ذلك على دول تجاور منطقة (الربيع العربي).

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *