مئوية العراق وتحديات البقاء

د. طورهان المفتي
8 اذار 2021
في مؤتمر القاهرة الذي أنعقد سنة ١٩٢٠ على خلفية تداعيات ثورة العشرين في ارض الرافدين، تقرر تشكيل مجلس تأسيسي للدولة العراقية ومن ثم تنصيب الملك فيصل الاول ملكاً على العراق في الثالث والعشرين من شهر اب لسنة ١٩٢١ ، والذي أعقبه بعد عدة سنوات صدور مجموعة قوانين تنظم الحياة السياسية والادارية في البلاد.
بقراءة سريعة لبعض اهم الاحداث في العراق منذ ذلك الحين والى الان سنجد ان هذه الدولة لم تشهد الاستقرار الفعلي بتاتا وكانت هذه الدولة قلقة الى حد ما سياسياً وعسكرياً ومجتمعياً وادارياً، ويمكن بكل سهولة سرد بعض اهم هذه الاحداث التي شهدتها :
1 ـ رحيل الملك فيصل الاول سنة ١٩٣٣. هناك دراسات تلمح الى ان موت الملك كان مدبراًً وليس مرضيا، ذلك ان الملك حين وفاته لم يبلغ الخمسين من العمر وهناك تقارير تفيد بان الملك لم يكن يعاني من امراض تصلب الشرايين او القلب، ان كانت عملية الاغتيال صحيحة فهذا قد يرجع الى كوّن الملك لديه نزعة نحو الإستقلال مما ازعج الاخرين.
2 ـ انقلاب بكر صدقي سنة ١٩٣٦. هو اول انقلاب عسكري بالعالم العربي وكانت العملية تحمل شعارات وطنية وتدعو الى توزيع الصلاحيات وعدم الاستئثار بالسلطة .
3 ـ حادثة موت الملك غازي الاول سنة ١٩٣٩ باصطدام سيارته بعمود كهرباء، والذي بحسب مؤشرات عده البعض اغتيالاً بسبب النزعة العروبية لدى الملك مما ازعج اطرافاً مختلفة .
4 ـ انقلاب رشيد عالي كيلاني سنة ١٩٤١ (ثورة مايس) .ذُكر لهذا الانقلاب اسباب متعددة منها الحجة الاصلاحية واستقلالية القرار الحكومي، ولايخفى صراحة النفوذ الدولي في هذا الانقلاب .
5 ـ حرب فلسطين ١٩٤٨ .شارك العراق مع بقية الدول العربية في حرب فلسطين .
6 ـ انقلاب سنة ١٩٥٨. الاطاحة بالحكم الملكي بحجج اصلاحية ومحاربة(الرجعية) وحمل شعار اعمار البلاد واستقلال الاقتصاد والقرار السياسي، براينا المتواضع ان ما جرى فيه وجود واضح للتغذية الفكرية المتنفذة اقليمياً في تلك الفترة.
7 ـ انقلاب سنة ١٩٦٣ .الاطاحة بالحكم القاسمي بحجة الدكتاتورية وفردية الحكم والتموضع القريب للعراق انذاك من المعسكر الشرقي ، ادى الانقلاب الى وصول البعثيين للمرة الاولى الى السلطة.
8 ـ انقلاب سنة ١٩٦٨. السيطرة الفعلية للبعث على السلطة بحجة الشعور القومي العروبي وتقوية دور العراق في المنطقة .
9 ـ حرب الخليج الاولى حرب العراقية ـ الايرانية سنة ١٩٨٠. ليستمر هذا الحرب لثمان سنوات طوال ولتفجع فيه الملايين من العوائل بين الطرفين ولم يخرج الحرب بنتيجة فعلية .
10 ـ حرب الخليج الثانية والدخول الى الكويت ١٩٩٠.اندلاع معركة عاصفة الصحراء وتدمير البنى التحتية للبلاد وليبدا الحصار الاقتصادي وليفقد العراق سيادته الفعلية على قراراته واراضيه وانهيار الشبكة المجتمعية .
11 ـ الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١. محاولة الاطاحة بنظام صدام وتقديم الكثير الكثير من الشهداء و الضحايا اثناء وبعد قمع الانتفاضة.
12 ـ القصف الاميركي للعراق سنة ١٩٩٨ وما عرف بعملية ثعلب الصحراء. لياتي هذا القصف على ما تبقى من البنى التحتية وما اعيد من اعماره اضافة الى مواقع النظام .
13 ـ تغيير واسقاط النظام واجتياح العراق سنة ٢٠٠٣. انهيار الدولة العراقية كلياً وتفكيك منظومته الادارية وتطويف نظامه العسكري والامني مع ظهور الحركات المسلحة بعضها ادرجت نفسها تحت مسمى ( مقاومة للوجود الاجنبي) وحركات اخرى اصولية متشددة ضمن خانة الارهاب والقاعدة .
14 ـ الاقتتال الطائفي والمناطقي سنة2006. الذي استمر لعدة سنوات وخلف الالاف من العوائل المشردة وعشرات الالالف من الضحايا (طبعا العمليات الارهابية كانت مستمرة ايضاً)
15 ـ التظاهرات في المنطقة الغربية ونينوى ومناطق اخرى سنة ٢٠١٣. بدعوى التهميش من قبل بغداد والدعوة الى اسقاط الحكومة وظهور مصطلح الحقوق التاريخية .
16 ـ ظهور منظمة داعش الارهابية ٢٠١٤. مستغلة الاختناقات الداخلية من الصراعات السياسية لتسيطر هذه المنظمة الارهابية على ثلث البلاد .
17 ـ القتال ضد داعش ٢٠١٤ ـ ٢٠١٧. الذي بدا عملياً بعد فتوى الجهاد من قبل اية الله العظمى السيد السيستاني وما اعقبت هذه الفتوى فتاوى علماء دين اخرين من الشيعة والسنة والاديان الاخرى. لتنتهي عملية تحرير الاراضي والقضاء على داعش بجهود جماعية للقوات الحكومية والبيشمركة والحشد والمواطنين.
18 ـ التظاهرات المطلبية ودعوات الاصلاح ٢٠١٥.
19 ـ التظاهرات المطلبية ودعوات الاصلاح ٢٠١٩ .
بكل تأكيد فبين هذه التواريخ المتعددة اعلاه كانت هناك احداث تتكرر بين فترة واخرى وتستمر هذه الاحداث باستنساخ نفسها ومآسيها مثل:
١- الحركات والانتفاضات الكردية المسلحة منها والسلمية للمطالبة بالحقوق القومية .
٢- مجازر مختلفة في كركوك وموصل وبغداد .
٣- تصفيات سياسية لاحزاب واطراف معارضة.
٤- اعدامات واعمال قتل وتغييب بالجملة لاسباب فكرية وعقائدية .
ولو اسهبنا بهذه الاحداث بتفاصيلها سوف نجد هناك اكثر من خمسين حادثة واضطراب ذات المقياس الكبير الواضح وذلك منذ تأسيس الدولة العراقية والى ساعة كتابة هذا المقال ولو وزعنا (جدلاً لتقريب الفكرة وحجم المشكلة) هذه الاحداث على مقياس المئة عام منذ تاسيس الدولة العراقية سوف يكون هناك حادثة سياسية واضطراب مجتمعي كل سنتين .
مما سبق من ذكر الاحداث اعلاه فاننا لن نجد هناك اي تفسير احادي يمكن الاعتماد عليه في فهم دراماتيكية هذه الاحداث وانما لو امعنا في كل حادثة وتم دراستها تفصيلياً سوف نجد ان كل حادثة لها اسبابها الخاصة وبعض الاسباب المشتركة بصورة عامة وهذا يقود ارض الرافدين العراق الى استمرار احداث مثيلة لما سبق ونحن في خضم المئة عام من تشكيلة الدولة العراقية.
تقسيمات المٔئة عام للعراق .
لو اردنا محاكاة التحليل العنقودي (cluster analysis )لهذه المئة سنة فأننا نجد ان دولة المئة سنة فيها اربع مجاميع
(ادارية ـ سياسية) وهي :
المجموعة الاولى. العهد الملكي.منذ تاسيس المملكة والى ١٩٥٨ .
المجموعة الثانية. الجمهورية الاولى لعبدالكريم قاسم.بدأت ١٩٥٨ لتنتهي في ١٩٦٣.
المجموعة الثالثة .الجمهورية الثانية ومتمثلة بمجموعة البعث والتي تبدا بفترة عبدالسلام عارف ١٩٦٣ وانتهت في ٢٠٠٣.
المجموعة الرابعة. الجمهورية الثالثة بعد ٢٠٠٣ والى الان .
الملاحظ ان المجموعة الثالثة احداثها سريعة ومركزة جدا وهناك ارادات كبرى قصدت افشال هذه الجمهورية ونجحت بالمجمل والى حد بعيد في مسعاها وهذه المجموعة هي ختامية المئة سنة .
ماذا الان ؟
السنوات الاخيرة من عمر المجموعة الرابعة تعتبر اكثر السنوات تاثيراً باحداثها ذلك لانها تركزت في مناطق الوسط والجنوب والذين يمثلون غالبية الفئة المكوناتية للعراق مما يعني تهديد فعلي لاستمرارية هذه المجموعة او الجمهورية الثالثة في المضي قدمًا، اذ نرى ان انهيار هذه المجموعة في ختامية المئة سنة قد تؤدي الى ما لايحمد عقباه من عودة التحديات السياسية لتنعكس على ارض الواقع باجراءات مسلحة مما يضع الجميع امام نفق مسدود، عليه نجد من الضرورة بمكان ولاجل المحافظة على البلاد ونأي ارض الرافدين من اختناقات لن يكون العراق قادرا على الصمود امامه ولغرض استمرار الجمهورية الحالية بطريقة او باخرى نرى لزاماً انشاء عقد اجتماعي جديد للدولة العراقية تحوي بين جنباته فقرات تفصيلية للقضايا ( المجتمعية ـ السياسية ـ الاقتصادية ) حيث يمكن الاعتماد على المرتكزات الرئيسية للدستور اضافة الى مرتكزات اخرى مستنبطة داخلياً من ارض الرافدين في كتابة العقد الاجتماعي الجديد كي لايترك الباب مفتوحا على مصراعيه لاحتمالات كثيرة ومتعددة قد تؤدي الى إلغاء الدولة وتفتيت الجغرافية، ومن الصعوبة بمكان توقع ما سيؤول أليه الحال عند إنهيار الجمهورية الثالثة ونحن عند أعتاب المئوية الثانية للعراق .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *