نظام الحكم ومنظومة الدولة

د.طورهان المفتي
29 نيسان 2021
يمكن تعريف النظام بانه عبارة عن مجموعة من الادوات والافكار المتناسقة التي تؤدي بالنتيجة الى انجاز مهمة معينة او مجموعة مهام ضمن اتجاه واحد وفي اهتمام معين .
في حين نجد ان المنظومة هي في الحقيقة مجموعة انظمة تعمل وفق سياق واضح ومتين لغرض تحقيق هدف بنيوي وينعكس نتيجة هذا الهدف على جميع اجزاء المنظومة بصيغ و اعتبارات مختلفة وذات اتجاهات وغايات متعددة .
اي ان هناك اختلاف كبير في حجم العمل والغايات التي تنشئ لاجلها المنظومة او النظام، بتعبير اخر قد يكون النظام جزء من منظومة ما ولكن لايمكن اعتبار المنظومة جزء من النظام، كما يمكن تعريف النظام بصيغة الرياضيات بانه معادلة من الدرجة الاولى في حين تكون المنظومة معادلة متعدد الدرجات وذات متغيرات متعددة، بالتالي فأن العمل على استحداث نظام ما لايمكن ان ينعكس على المنظومة الكاملة الا كما تنعكس قطرة ماء في البحر وهذا يعني مهما كان النظام كبير ومتشعب وعميق فإن تغيير هذا النظام بدون الرجوع الى المنظومة سوف لن يخلق اي تجديد في المنظومة بل سوف تقوم المنظومة بتثبيط ذلك النظام الى حين انهاءه تماماً.
ماذا بعد
بعد هذه المقدمة الفلسفية هل يمكن عكس تلك المقدمة على الحالة العراقية ؟
الجواب نعم وبكل تأكيد فإحدى المشاكل الاساسية والجذرية في العراق هو تجاهل او عدم تمييز القائمين على الامر على طول خط الدولة العراقية بين النظام والمنظومة.
كيف ذلك ؟
الامر بسيط جداً ، بالعودة الى جميع ( الاصلاحات السياسية ) والانقلابات فإننا نجد بكل سهولة انها تهدف فقط النظام السياسي للبلاد و لم تخض هذه ( الاصلاحات) والانقلابات في استحداث منظومة الدولة فعمليات الانقلابات ومحاولات تغيير نظام الحكم بالعراق كانت اقرب الى العبثية منها الى الفكر الاصلاحي ومراعاة حاجة الشعب والبلاد وان كانت تحت هكذا مسميات ورفعت هذه الشعارات، وفي رأينا لم تتعدى اعمال ومحاولات الانقلابات في العراق المصالح الشخصية او الفئوية ذلك انه لا يمكن تغيير حال ووضعية بلد ما بدون التطرق الى التغييرات في المنظومة الاجمالية للدولة.
فالتغيير في العراق دائما يكون للنظام السياسي او السلطة السياسية ولا يتعدى الى بقية اجزاء منظومة الدولة الا بشكل طفيف جداً وحسب الرغبة، متناسين بذلك ان النظام السياسي مرتبط بالنظام الاداري والتنظيمي للدولة، والاخير له امتداد بالموقع الجغرافي، وهذا على علاقة بالوضع المالي والاقتصادي وهذا مرتبط بجدلية واسعة مع القوى العاملة والاجيال الصاعدة .
ان جميع ما طرح من اركان المنظومة لها علاقة مع النظام الامني والذي هو ليس العسكرة وانما ممكن القول ان العسكرة جزء من النظام الامني وفي بعض الادبيات يكون النظام الامني بحد ذاته منظومة امنية بدرجة اقل من منظومة الدولة. واخيراً كل ما ذُكر اعلاه و كثير مما لم يذكر يرتبطون مع بعضهم البعض في علاقات متداخلة مدروسة ومنسقة بدقة وبعيدة كلياً عن العشوائية كما يراه البعض .
التغيير سنة 2003.
يمكن القول ان ما جرى من احداث في العراق من اسقاط النظام السياسي وانهيار منظومة الدولة بكل معنى الكلمة وذلك بسبب ربط النظام السياسي السابق المتمثل بالبعث والقيادة الصدامية حيث تم ربط بقاء الدولة باستمرار ادارة رأس السلطة للدولة وعليه كانت هناك مقولة( لاحياة بدون القائد) وتم تطبيق ذلك حرفياً في كل مرفق من مرافق منظومة الدولة فهروب رأس النظام السياسي ادى بالنتيجة الى سقوط النظام السياسي وليؤدي هذا السقوط الى انهيار المنظومة الكاملة للدولة العراقية، مما خلق فرصة ذهبية لبناء منظومة دولة جديدة لوجود فراغ اداري بكل معنى الكلمة .
ماذا حدث ؟
الذي حدث ان القوى الدولية التي اسقطت النظام السابق ومنظومة الدولة اتت فعليا بمنظومة جديدة للعراق متمثلة بالنظم الادارية المتعددة المستويات للدولة مثل اللامركزية الادارية ، وكذلك اسس جديدة اخرى مثل الغاء التجنيد الالزامي ، نظام السوق المفتوح، الاستثمار ،الغاء وزارة الاعلام ،الهيئات المستقلة وكثير من المعايير التي تشير الى نية القوى الدولية بانتاج منظومة عراقية جديدة .
ماذا حصل؟
الذي حصل هي ان هذه الفلسفة الجديدة لمنظومة الدولة استلمتها ادوات مسلكية ومتقولبة ضمن منظومة الدولة السابقة ( لا تعني الفكر السياسي وانما اسلوب ادارة مرافق الدولة مثل المركزية، الفكر الاشتراكي في الادارة المالية و الاملاك و و و و الخ) لينتج لدينا منظومة اقرب الى المسخ منها الى الدولة ، فخلق لدينا صراعات بيروقراطية بين جيلين مختلفين كلياً (الجيل القديم او الغطاء الثقيل والجيل الجديد من ادوات الحكومة) حيث يمكن اجمال الصراعات هذه بنوعين رئيسيين :
اولاً: كل جيل وظيفي يريد ان يحافظ على ما لديه ليحافظ على وجوده في غياب الاطمئنان على مستقبل المعيشة ( والتي كانت الضربة القاضية للنظام الاداري في البلاد فبغياب الاطمئنان لدى المنتسب الحكومي ادى به الى سلك كل السبل للاحتفاظ بالاسلوب الكلاسيكي في ادارة مؤسسات الدولة والحيلولة دون نجاح المنظومة الجديدة كي لايفقد وظيفته) وهذا نوع من مقاومة التغيير ويحصل في كثير من المؤسسات حين تخضع الى تغيير فلسفتها واسلوب عملها .
ثانياً: ظهور فلسفة التعيين في المناصب الحكومية والدرجات العليا للدولة العراقية معتمدة على مبادىء وأسس معينة وغير معتمدة على المبدأ الوظيفي السليم في غالبيته والمتمثل بالشهادة الملائمة للمنصب والخبرة والعمر وقابلية القيادة وحسن الادارة. مما ادى بهولاء المتعينين الى الانخراط والاعجاب بالاسلوب الكلاسيكي وذلك لسببين
1- لم يكن لديهم خبرات وظيفية فعلية في مجال تعيينهم .
2- غير مهيئ لمنصب اداري وقيادي .
ان هذه الاسباب اعلاه انعكست على اسلوب الادارة والقيادة في مختلف مؤسسات الدولة والتي اعتمدت على هذه المقاييس من خلال عدم توفر المقومات الكافية والملائمة لامرار المنظومة الجديدة مما ساهم هذه القيادات بنفسها ايضا في قبر المنظومة الجديدة.
ثالثًا : اللامبالاة بسيكولوجية المجتمع العراقي ومدى تقبله للمتغيرات السريعة، وحالة النستولوجيا الموجودة في المجتمع العراقي بسبب الارهاصات المريرة التي مرت بها هذا المجتمع على مدى عقود طويلة .
رابعا : الانفتاح المالي والاقتصادي للدولة بسبب الانتهاء الفعلي للحصار الاقتصادي على العراق مما خلق جواً من التدفق المالي الكبير للبلاد.
مع وجود التحديات اعلاه ادت بالنتيجة الى فشل الكثير من المشاريع الطموحة وظهور طبقات فئوية شجعت الفساد والكسب غير المشروع والتي كانت النتيجة انهيار انظمة الخدمات والبنى التحتية للبلاد والتعثر الواضح في تقديم الخدمة وتعاظم الدَيْن العام للدولة وعدم قدرة الحكومات في ايجاد حلول او تفكيك الازمة المالية وتوفير فرص العمل لتؤدي الى تظاهرات مطلبية مستمرة الى الان وستستمر الى فترات اطول في ظل هكذا اجواء مما اوجدت عامل زعزعة لاي سلطة سياسية في بغداد والتي سوف تؤدي بالضرورة الى اضمحلال فقه الدولة والاكتفاء فقط بالحكومة.
ما هو الحل؟
الحل لن يكون سحريا ولكن لابد من اتفاق القائمين على الامر في اختيار منظومة معينة للدولة فإما المنظومة الجديدة باسسها وأساساتها الموجودة بالدستور والالتزام به وعدم القفز بين او على الفقرات غير المرغوبة والسلوة باتجاه عقد اجتماعي جديدين بقاء الدولة و نموها ، او التقهقر واستنهاض المنظومة القديمة المتمثلة بالمركزية والمبدأ الاشتراكي في ادارة الدولة والتي سوف تنتج في نهاية المطاف دولة معتمدة على فقه القوة والاذرع الامنية للدولة لتنتج اذا ما سنحت الظروف دكتاتوريات جديدة. اما الاختيار الثالث والذي هو بين هذا وذاك فهذا لن يجدي نفعاً وهو ما تعانيه الان الدولة العراقية .
فبعد 17سنة من التغيير وفي ظل التحديات الكبيرة الموجودة يمكننا القول ان الدولة العراقية عند مفترق طرق الان .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *